دبلوماسي إيطالي: نجاد لم يكن عميلا للموساد

تحقيق "نيويورك تايمز" تحدث عن محاولات الموساد استمالة نجاد- جيتي
تحقيق "نيويورك تايمز" تحدث عن محاولات الموساد استمالة نجاد- جيتي
شارك الخبر
نشر موقع "ميدل إيست آي" مقالا للدبلوماسي الإيطالي السابق ماركو كارنيلوس تناول فيه تحقيق صحيفة نيويورك تايمز، حول محاولات الموساد تجنيد الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد.

وقال كارنيلوس إن تحقيق صحيفة "نيويورك تايمز" هذا الشهر  بشأن محاولات الموساد تجنيد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي لا يمكن تصديقه بحال. فالرئيس السابق المكروه من الغرب سيكون آخر من تفكر الموساد بهم في أي محاولة لتغيير النظام في طهران.

وقال إن التحقيق المثير الذي زعم أن الموساد الإسرائيلي أمضى سنوات في استقطاب أحمدي نجاد كعميل استخباراتي، بهدف تنصيبه زعيما لإيران ما بعد الجمهورية الإسلامية. غير صحيح.

ويصف التقرير، الذي أعده فريق من الصحافيين الاستقصائيين المخضرمين، اجتماعات سرية في بودابست ولقاءات مع رئيس الموساد آنذاك ديفيد بارنيا ومدفوعات سرية وعملية إجلاء دراماتيكية لأحمدي نجاد من مجمعه السكني في طهران الذي تعرض للقصف في 28 شباط/فبراير.

ويعتقد كارنيلوس إن محاولة الإجلاء تجعل من مسار القصة ملتبسا، فقد زعمت أن أحمدي نجاد اقتيد إلى منزل آمن للموساد داخل إيران، لكنه سرعان ما فقد ثقته بالإسرائيليين وغادر.

ويبقى مصيره غامضا، سواء أكان قد هرب أم سمح له بالخروج؛ وفي كلتا الحالتين، تسيء هذه القصة إلى صورة الموساد، على أقل تقدير، كما يقول الكاتب.

ويرى كارنيلوس أن القصة مهما بدت مثيرة، فإنها عند التدقيق مليئة بالمغالطات، وتستحق دراسة متأنية تتجاوز التغطية الإعلامية المبالغ فيها التي حظيت بها، منها أن العارفين ببنية السلطة المعقدة في إيران يدركون تماما أن الرئيس ليس صاحب القرار النهائي، فالمرشد الأعلى والحرس الثوري الإسلامي يمسكان بزمام الأمور، ويملكان أسرار البلاد الأكثر حساسية ومعرفة عميقة بعملياتها الخارجية.

وتابع كارنيلوس، أنه "لو كانت لو كانت نية إسرائيل الحقيقية هي تجنيد عميل إيراني مهم، لكان من الأجدر عليها توجيه جهودها نحو أحد مساعدي المرشد الأعلى أو عضو في المجلس الأعلى للأمن القومي أو مسؤول بارز في الحرس الثوري الإيراني".

وأضاف كارنيلوس أن أكثر ما يثير الشكوك في هذه القصة هو سردها لكيفية بدء "التجنيد" المزعوم: إذ يزعم أن مسؤولا حكومياً مجريا طلب من رئيس جامعة في بودابست دعوة أحمدي نجاد إلى مؤتمر حول تغير المناخ كغطاء لاجتماع مع عملاء استخبارات إسرائيليين.

وقد استنكر مسؤولون سابقون في الاستخبارات الإسرائيلية هذا الوصف علنا. فقد شكك الجنرال احتياط حنان غيفن، القائد السابق للوحدة 8200 النخبوية في الجيش الإسرائيلي، في تسلسل الأحداث؛ إذ أشار إلى أن سفر رئيس الموساد شخصيا للقاء هدف ما يعد انتهاكا خطيرا للإجراءات العملياتية المعتادة.

اظهار أخبار متعلقة



ومن العادة لا يضع ضباط الاستخبارات المحترفين مديرهم في خطر من أجل مقابلة هدف لم يتم التحقق من مصداقيته وعالي الخطورة. فهذا تحديدا هو نوع المخاطرة التي تقضي الأجهزة الاستخباراتية عقودا من التدريب على تجنبها بحسب الدبلوماسي الإيطالي.

وبالمقابل فدعوة رئيس سابق للمشاركة بمؤتمر للمناخ كغطاء للاجتماع معه، رئيس يتعرض للمراقبة  من أجهزة الاستخبارات والصحافيين في جميع أنحاء العالم، لن يكون غطاء جيدا لعملية يفترض أنها جارية منذ عام 2024.

علاوة على ذلك، فإن إخبار حكومة أخرى بجزء من عملية سرية يعد أمرا بالغ الخطورة، بغض النظر عن مدى علاقة حكومة فيكتور أوربان القوية مع إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. فمثل هذه الخطوة من شأنها أن تزيد من احتمالية حدوث ثغرات أمنية في عملية بالغة الحساسية.

وبغض النظر عن الاعتراضات المتعلقة بالأساليب الأمنية، فإن اختيار أحمدي نجاد مرشحا لقيادة إيران بعد عملية تغيير النظام يعد أمرا غريبا. فقد أمضى الرئيس الإيراني السابق ثماني سنوات وهو ينكر بشدة الهولوكوست ويدعو إلى تدمير إسرائيل ويلمح إلى طموحات نووية.

وهو، بكل المقاييس، أحد أكثر الشخصيات السياسية الإيرانية إثارة للجدل على الصعيد الدولي في ربع القرن الماضي: شخصية معروفة ومكروهة في معظم أنحاء الغرب، ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالخطاب الأكثر تطرفا للنظام وفقا للكاتب.

ومضى قائلا، "إذا كان المخططون في المخابرات الإسرائيلية يبحثون عن شخصية قادرة على توحيد الإيرانيين بعد انهيار النظام وكسب الشرعية الدولية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل فإن أحمدي نجاد يعد من أقل الخيارات مصداقية. فهو رئيس سابق تم استبعاده أكثر من الترشح للرئاسة من قبل نظامه نفسه، الذي أطاح به الإصلاحيون بسبب نزعته الشعبوية الاستبدادية، والمتشددون بسبب انتقاداته اللاحقة للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي، ولهذا  لم يكن لدى أحمدي نجاد قاعدة سياسية طبيعية لتولي السلطة. ولم يكن تنصيبه أفضل وصفة لتعزيز المصالحة الوطنية، وهي النتيجة التي تسعى إليها أي مخابرات عقلانية".

اظهار أخبار متعلقة



ووفقا لتقرير مواز من صحيفة "هآرتس"، فقد اعتبر ضباط كبار في المخابرات العسكرية الإسرائيلية الخطة غير واقعية، محذرين من أن التنبؤ بنتيجة الفوضى السياسية التي ستعقب الانهيار أمر غير عملي.

وتركزت شكوكهم تحديدا على المرحلة الأخيرة من الخطة: تنصيب أحمدي نجاد زعيما، حيث أفادت تقارير بأن مسؤولي الاستخبارات العسكرية وضعوا نماذج لسيناريوهات تظهر أن تنفيذ الخطة سيؤدي إلى تدهور وضع إسرائيل، وسط مخاوف من أن إسقاط نظام خامنئي دون وجود ثقل مدني موازن قد يسلم السلطة إلى الحرس الثوري، بدلا من أي خليفة متحالف مع الغرب.

وإذا كان جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي نفسه يعتبر هذه النتيجة النهائية غير واردة، حتى أثناء تنفيذ العملية المزعومة، فهذه إشارة هامة تدعو المراقبين الخارجيين إلى التعامل بحذر شديد مع المنطق الاستراتيجي المفترض لهذه الخطة.

وبالنظر إلى إيران اليوم، بما في ذلك إخفاء المرشد الأعلى وهيكل السلطة الخفي في البلاد، فمن المستحيل استبعاد احتمال أن يتمكن الحرس الثوري في نهاية المطاف من الحصول على اليد العليا في صراع السلطة الدائر، حتى بدون تنصيب أحمدي نجاد.

وقال الكاتب إن السياسة الداخلية الإسرائيلية جدير بالملاحظة، فقد أشار المحللون إلى التنافس المؤسسي المتأصل منذ زمن طويل بين المخابرات العسكرية الإسرائيلية والموساد، إلى جانب التوتر الذي سبق انتخابات تشرين الأول/أكتوبر، كعوامل قد تؤثر على كيفية سرد هذه القصة ومن يرويها
 وعليه، فالتسريبات التي تشيد بجرأة وكالة ما، بينما تنتقد ضمنيا حذر وكالة أخرى، تعد سمة مألوفة في أجهزة الاستخبارات في كل مكان، وإسرائيل ليست استثناء.

وقد رفض مكتب أحمدي نجاد الرواية برمتها، واصفا الادعاءات بأنها "مزاعم على طريقة هوليوود" لا تستحق حتى النفي الرسمي، واتهم صحيفة "نيويورك تايمز" بنشر مواد ملفقة. وبالطبع، فإن نفي الأطراف المتورطة ليس مفاجئا، ولا يمكن أخذه على محمل الجد أيضا، ولكنه يضيف بعدا آخر من الجدل إلى قصة مبنية بالكامل تقريبا على مصادر مجهولة.

ذلك أن تقرير "نيويورك تايمز" يعتمد على مسؤولين أمريكيين وإيرانيين لم يكشف عن أسمائهم، بينما لم يستجب الموساد لطلبات الصحيفة للتعليق. ولم يقدم أي دليل موثق أو تسجيلات أو أسماء لمسؤولين استخباراتيين. وبالنسبة لقصة بهذا الحجم، تزعم أن وكالة استخبارات أجنبية أدارت حملة استمرت سنوات لتنصيب رئيس دولة سابق زعيما لخصم إقليمي يمتلك قدرات نووية، فإن قاعدة الأدلة لا تزال ضعيفة بشكل ملحوظ، إذ تعتمد على توصيفات بدلا من مواد أولية قابلة للتحقق.

وأشار كارنيلوس إلى أن هناك مشكلة أوسع نطاقا تتعلق بالتماسك. تربط القصة بشكل ملائم تقريبا كل خيوط الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة في قوس درامي واحد: اغتيال خامنئي وضربة مستهدفة على مجمع أحمدي نجاد وعملية إجلاء سرية وانتفاضة كردية فاشلة واعتقال الزعيم المزعوم الغامض لأحمدي نجاد في المنزل.

ونادرا ما تكون العمليات الاستخباراتية الحقيقية بهذه السلاسة السردية، فالبرامج السرية الحقيقية، تميل إلى أن تكون فوضوية ومجزأة ولا يمكن إعادة بنائها إلا جزئيا حتى بعد مرور سنوات. فقصة متكاملة الأركان: التجنيد، وذروة الحرب والخيانة والعقاب تم تقديمها في غضون أشهر من الأحداث التي تصفها، والتي تستند بالكامل إلى مسؤولين مجهولين من كلا جانبي الصراع النشط، يجب أن تثير دهشة أي محلل.

وأردف، أن كل هذا لا يعني زيف القصة، فقد ثبتت صحة مزاعم أخرى في قصص مشابهة، لكن شخصية أحمدي نجاد تزيد من ظلال الشك حول ما ورد فيها. إلى جانب والتناقض الاستراتيجي في اختيار أحمدي نجاد كشخصية رمزية، والتشكيك الصريح الذي أعربت عنه مؤسسة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية نفسها، وغياب أي دليل وثائقي قابل للتحقق منه.

وما هو مهم في الأمر، وبالنظر إلى ممارسات جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني، الذي يسيطر على زمام الأمور في إيران: فلو كان هناك أي دليل على أن أحمدي نجاد قد تورط مع إسرائيل، لكان قد أعدم بالفعل.

وعلى عكس سلفه محمد خاتمي وخليفته حسن روحاني، سمح له، وإن كان برفقة حراسة مشددة، بحضور جنازة خامنئي غير المسبوقة. ويبدو أن هذا القرار يؤكد أن النظام الإيراني لا يعتبر أحمدي نجاد خطرا جسيما. ومن الأفضل للقراء، ولا سيما محللي السياسات، التعامل مع قصة أحمدي نجاد باعتبارها رواية مثيرة للاهتمام ولكنها محل جدل كبير، وليست حقيقة ثابتة في الحرب الأخيرة، على الأقل حتى ظهور أدلة مستقلة تؤكدها، خارج دائرة المسؤولين المجهولين الحالية.

ويقول الكاتب إنه في حالة تلبست القصة مصداقية، فسبراهن أن تجنيد أحمدي نجاد بدأ قبل توليه الرئاسة بفترة طويلة، وأن جميع التحركات التي قام بها خلال فترة رئاسته كانت أعمالا متعمدة لإخفاء تجنيده، بموافقة تامة من محركه.

وفي نهاية المطاف، لم يدعم أي شخصية سياسية إيرانية علنا، أفضل من أحمدي نجاد، الرواية الإسرائيلية المبتذلة حول كون إيران تشكل تهديداً وجوديا لإسرائيل والدول العربية في المنطقة كما فعل. ووفرت سياسات أحمدي نجاد في هذا الشأن غطاء أقوى لتجنيده. ولمن قد يثير اهتمامهم هذه النظرية الغريبة، لكنهم يجدون صعوبة في فهم منطقها، فإن أفضل نصيحة لفهمها هي قراءة تحفة جون لو كاريه، "الفتاة الصغيرة عازفة الطبول".
التعليقات (0)