نشرت مجلة "
ناشونال
إنترست" تقريرًا يتناول
السيناريوهات المحتملة لمستقبل
مضيق هرمز في ظل
التصعيد المتواصل بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاسات ذلك على أسواق الطاقة
العالمية وأمن الملاحة الدولية، مستعرضًا أسباب تعثر الجهود العسكرية والدبلوماسية
لإعادة فتح المضيق، وما قد يترتب على ذلك من تحولات استراتيجية طويلة الأمد.
وقالت المجلة، في هذا
التقرير الذي ترجمته "
عربي21"، إن قصر فرساي يمنح دائمًا انطباعًا بأن
السلام أكثر رسوخًا مما هو عليه في الواقع، فآخر اتفاق ظن قادة العالم أنه أنهى
صراعًا عالميًا لم يدم سوى عقدين قبل أن تنهار أسسه مع اندلاع
الحرب العالمية
الثانية. أما مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع
إيران في
القصر ذاته يوم 17 حزيران/ يونيو، فلم تصمد سوى ثلاثة أسابيع.
وأعلن ترامب حينها اكتمال
الاتفاق ودعا سفن العالم إلى استئناف الملاحة، لكنه عاد بعد ثلاثة أسابيع ليعلن
انتهاء وقف إطلاق النار بعدما استأنفت إيران استهداف السفن التي رفضت الالتزام
بمسارات الملاحة التي حددتها. لكن فشل مذكرة التفاهم لم يكن نتيجة سوء النية وحده،
بل بسبب استمرار الخلاف الجوهري بشأن حق إدارة مضيق هرمز وفرض رسوم عبور عليه، إذ
ترى إيران أن إغلاق المضيق منحها هذا الحق، بينما تصر الولايات المتحدة على أنه
ممر مائي دولي يجب أن يبقى مفتوحًا أمام الجميع.
وأكدت المجلة أن الإخفاق
المتكرر للمبادرات الأمريكية المتتالية يعود بالدرجة الأولى إلى الطبيعة الجغرافية
للمضيق؛ فإيران تسيطر بالكامل على ساحله الشمالي، وتمتلك القدرة على استخدام
الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة المسلحة وآلاف الألغام البحرية ضد أي سفينة تحاول
العبور دون الحاجة إلى تحريك أسطولها البحري، وهو ما يجعل أي محاولة عسكرية لإعادة
فتح المضيق تتطلب السيطرة على الأراضي الساحلية الإيرانية وخوض مواجهة برية مكلفة.
اظهار أخبار متعلقة
لا يستطيع العالم أيضًا
الالتفاف بسهولة على هذه الأزمة، فالمضيق يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط
يوميًا، فضلًا عن غالبية صادرات الغاز الطبيعي المسال في المنطقة، بينما لا تستطيع
البنية التحتية البديلة استيعاب سوى ربع هذه الكميات تقريبًا، كما أنها غير مجهزة
لنقل الغاز على نطاق واسع.
مضيق هرمز.. ممر إستراتيجي
لا يمكن تجاوزه
وقالت المجلة إن مضيق هرمز
يمثل المنفذ البحري الوحيد للخليج العربي إلى المحيطات المفتوحة، ويضم مسارين
للملاحة البحرية يبلغ عرض كل منهما ميلين بحريين تفصل بينهما منطقة عازلة مماثلة.
وتكمن أهميته في غياب أي بديل قادر على استيعاب أحجام الشحنات التي تمر عبره.
وتعد السعودية والإمارات هما
الدولتان الوحيدتان اللتان تمتلكان خطوط أنابيب عاملة لتجاوز المضيق، وتبلغ
طاقتهما الإجمالية ما بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يوميًا فقط، مقارنة بنحو 20 مليون
برميل تعبر المضيق يوميًا. كما أن هذه البدائل أثبتت هشاشتها بعد تعرض خط أنابيب
أبقيق-ينبع السعودي لهجمات صاروخية إيرانية، واستهداف ميناء الفجيرة الإماراتي
بطائرات مسيرة.
وأشارت المجلة إلى أن مصدر
قوة إيران في المضيق لا يتمثل في أسطولها البحري بقدر ما يتمثل في موقعها
الجغرافي، إذ تحتضن مدينة بندر عباس مقر بحرية الحرس الثوري الإيراني ومركز
العمليات اللوجستية الرئيسي، فيما توفر جزر قشم وهرمز ولارك مواقع متقدمة تمنح
طهران قدرة واسعة على مراقبة واستهداف حركة الملاحة.
وتتيح هذه المواقع لإيران
تغطية كامل عرض المضيق بالصواريخ الساحلية ونشر الزوارق المسلحة خلال دقائق
معدودة، فضلًا عن امتلاكها مخزونًا من الألغام البحرية يتراوح بين ألفي وستة آلاف
لغم.
وأفادت المجلة بأن إيران
سبق أن هددت بإغلاق المضيق عدة مرات، إلا أن الإغلاق الذي وقع في أذار/ مارس كشف
محدودية القانون الدولي في التعامل مع هذه الأزمة، لا سيما أن الولايات المتحدة
وإيران لم تصادقا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تنظم استخدام
الممرات المائية الدولية.
إن نجاح إيران في هذه
المواجهة لا يتطلب تحقيق انتصار بحري، وإنما يكفي أن تجعل كلفة العبور مرتفعة إلى
درجة تدفع شركات التأمين إلى الامتناع عن تغطية المخاطر. وقد علقت شركات التأمين
البحري الكبرى أو أعادت تسعير تغطيات مخاطر الحرب في منطقة الخليج، فيما انخفضت
حركة الملاحة عبر المضيق بنحو 95% خلال ذروة الإغلاق ولم تستعد سوى ثلث مستوياتها
الطبيعية بعد توقيع مذكرة التفاهم.
السيناريو الأول: الإغلاق
الانتقائي لمضيق هرمز
وأوضحت المجلة أن هذا
السيناريو أصبح مطبقًا بالفعل منذ آذار/ مارس؛ إذ لم تفرض إيران حصارًا بحريًا
كاملاً، بل أنشأت نظامًا يمنح حق العبور وفقًا للاعتبارات الجيوسياسية وليس لقواعد
السوق. وبموجب هذا النظام، يتعين على السفن تقديم تفاصيل الشحنات وطاقمها ووجهتها
إلى وسطاء معتمدين من الحرس الثوري الإيراني والحصول على تصاريح مرور خاصة.
وتمكنت سفن الصين وروسيا
والهند والعراق وباكستان وماليزيا وتايلاند وتركيا والفلبين من عبور المضيق عقب
التفاهم مع طهران، في حين ظلت السفن التابعة للدول الغربية محرومة فعليًا من
المرور. كما دفعت سفينتان على الأقل مليوني دولار مقابل كل عملية عبور، بينما يعمل
البرلمان الإيراني على تقنين هذه الرسوم كمصدر رسمي للإيرادات.
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت المجلة أن التداعيات
الإستراتيجية لهذا السيناريو عميقة، فالصين التي تعتمد على المضيق لتأمين نحو 45
بالمئة من وارداتها النفطية لا تملك حافزًا كبيرًا للضغط على إيران لإعادة فتحه
بالكامل طالما أن سفنها تواصل المرور. كما أن روسيا التي استفادت من ارتفاع أسعار
النفط بما يقدر بنحو 8.5 مليارات دولار شهريًا لا تبدو معنية بإعادة فتح المضيق
بشكل كامل.
ورغم أن مذكرة التفاهم علقت
مؤقتًا نظام الرسوم، إلا أن إيران عادت لاستهداف السفن غير الملتزمة، وهو ما يشير
إلى استمرار نظام الدخول الانتقائي بصورة غير رسمية. كما أن فكرة فرض رسوم على
المرور لم تعد مقتصرة على إيران، إذ اقترح ترامب لفترة وجيزة فرض رسوم أميركية
بنسبة 20 بالمئة على السفن التي تعبر تحت الحماية الأميركية قبل أن يتراجع عن
الفكرة تحت ضغط دول الخليج.
السيناريو الثاني: السيطرة
العسكرية الأمريكية على مضيق هرمز
وأفادت المجلة بأن هذا
السيناريو يمثل الخيار الذي حاولت الولايات المتحدة تطبيقه أكثر من مرة، لكنها
اصطدمت في كل مرة بالعقبات الجغرافية ذاتها. فالقوات الأميركية واصلت لخمسة أيام
متتالية تنفيذ ضربات ضد أهداف عسكرية إيرانية، بما فيها الجزر المطلة على المضيق،
عقب استئناف إيران هجماتها على السفن التجارية.
وقد سبق أن نفذت واشنطن
ضربات جوية على منصات الصواريخ الإيرانية المحصنة تحت الأرض على طول الساحل
الإيراني، واستخدمت ذخائر خارقة للتحصينات واستهدفت أصولًا بحرية إيرانية عديدة،
فيما أعلن ترامب تدمير 158 قطعة بحرية إيرانية، لكن المضيق بقي مغلقًا. وأثبتت هذه
العمليات أن تدمير القدرات العسكرية لا يعني السيطرة الفعلية على الساحل الإيراني.
وأشارت المجلة إلى أن مشروع
"الحرية" الأمربكي لم يحقق أهدافه، إذ توقف بعد يومين فقط من انطلاقه
بعد أن قوبل بهجمات صاروخية إيرانية بالإضافة إلى تعليق السعودية استخدام القواعد
الأمريكية على أراضيها وإغلاق الكويت مجالها الجوي.
وأضافت المجلة أن التحالف
الدولي الذي كانت الولايات المتحدة تعول عليه لم يتشكل، بعدما رفضت ألمانيا
وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا وأستراليا وكوريا الجنوبية واليابان إرسال سفن حربية
للمشاركة في العملية، بسبب غياب أهداف إستراتيجية واضحة وعدم الرغبة في الانخراط
بالحرب.
اظهار أخبار متعلقة
وقد استبعد نائب الرئيس الأمريكي
جيه دي فانس بشكل صريح إرسال قوات برية، ما يعني استبعاد الخيار العسكري الوحيد
القادر فعليًا على السيطرة على الساحل الإيراني. وبالتالي فإن المسار العسكري لا
يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد دون حسم، الأمر الذي يجعل العودة إلى طاولة
المفاوضات حتمية.
السيناريو الثالث: إعادة
فتح المضيق مع استمرار تداعيات الأزمة
وقالت المجلة إن هذا
السيناريو هو الأكثر ترجيحًا، لكنه أصبح أكثر صعوبة مما كان عليه قبل أسابيع
قليلة؛ فقد أدت مذكرة التفاهم إلى إعادة فتح جزئي للمضيق واستعادة حركة الملاحة
نحو ثلث مستوياتها الطبيعية وانخفاض أسعار النفط، قبل أن تعاود إيران استهداف
ناقلة غاز قطرية وناقلة نفط سعودية وسفينة حاويات تحمل علم قبرص، لترد الولايات
المتحدة بشن ثلاث موجات من الضربات الجوية ضد أكثر من مئة موقع عسكري إيراني، قبل
أن تعلن طهران مجددًا إغلاق المضيق في 12 تموز/ يوليو.
وما تزال احتمالات التوصل
إلى اتفاق قائمة عبر الوساطة العمانية والباكستانية، إذ لم يغلق الطرفان الباب
نهائيًا أمام الحلول الدبلوماسية، رغم استمرار تبادل الضربات العسكرية.
وأشارت المجلة إلى أن
التداعيات الاقتصادية لما يقارب خمسة أشهر من الصراع أصبحت أمرًا واقعًا، إذ
انهارت حركة الملاحة التجارية عبر المضيق، وشهدت أسواق النفط تقلبات حادة منذ
نهاية شباط/ فبراير؛ حيث ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 55 بالمئة قبل أن تنخفض
كلما اقتربت فرص التوصل إلى اتفاق.
وأصبحت هذه التقلبات بحد
ذاتها شكلاً من أشكال الاضطراب الاقتصادي؛ إذ جعلت التخطيط طويل الأمد للدول
المستوردة للطاقة أكثر صعوبة، كما دفعت شركات التأمين إلى إعادة تقييم المخاطر
بصورة دائمة، فيما بدأت عقود الطاقة طويلة الأجل تتضمن بنودًا تنص على اعتبار
إغلاق المضيق ظرفًا قهريًا.
ولا يتوقف مستقبل المضيق
فقط على الصراع الأميركي الإيراني، بل يتأثر أيضًا بمدى تماسك النظام الإيراني في
مرحلة ما بعد المرشد الأعلى علي خامنئي، إضافة إلى تباين مواقف دول الخليج التي
بدأت بعض أطرافها تميل إلى إبرام تفاهمات ثنائية مع طهران.
ماذا ينبغي أن تفعل
الولايات المتحدة؟
وقالت المجلة إن الأزمة أثبتت
أن التفوق العسكري الأميركي وحده غير قادر على حل نزاع يتعلق بممر مائي لا تسيطر
عليه الولايات المتحدة. كما أن استئناف الضربات العسكرية هذا الأسبوع، رغم إعلان
ترامب سابقًا انتهاء المرحلة العسكرية إلى حد كبير، يشير إلى أن الإدارة الأميركية
لم تتقبل هذه الحقيقة بالكامل.
ويظل الخيار الأكثر واقعية
أمام واشنطن هو التوصل إلى اتفاق قابل للتحقق بشأن المخزون النووي الإيراني مقابل
تخفيف العقوبات وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى ربط أي تسوية بالتقدم
في اتفاقيات إبراهيم، بما يسمح للإدارة الأميركية بتقديم الاتفاق بوصفه إنجازًا
يتجاوز الاتفاق النووي السابق. وينبغي على الولايات المتحدة أن تدرك أن المسار
الدبلوماسي ليس بديلًا عن الخيار العسكري، بل هو المسار الوحيد القادر على تحقيق
تسوية أقل تكلفة وأكثر استدامة.
وأكدت المجلة أن إيران
أثبتت قدرة كبيرة على الصمود في إدارة أزمة المضيق، غير أن العقوبات الاقتصادية
ألحقت أضرارًا واسعة باقتصادها الداخلي، وهو ما تتحمل تبعاته شرائح المجتمع
الإيراني المختلفة، لذا فإن أي اتفاق يرفع العقوبات ويعيد دمج إيران في الاقتصاد
العالمي للطاقة ويخفف الضغوط العسكرية الواقعة عليها سيكون أكثر فائدة لاستقرارها
من استمرار سياسة الإغلاق والمواجهة.
واختتمت المجلة بالإشارة
إلى أن الدول التي تعتمد على مضيق هرمز لن تنتظر التوصل إلى تسوية نهائية، إذ بدأت
بالفعل في توسيع خطوط الأنابيب البديلة وتمويل ممرات جديدة وإعادة صياغة عقود
الطاقة طويلة الأجل، في محاولة لضمان ألا يبقى الاقتصاد العالمي رهينة لأي ممر
بحري استراتيجي في المستقبل.