كيف تسببت الحرب على إيران في تشكيل نظام إقليمي جديد؟

قال الكاتب تريتا بارسي إن الولايات المتحدة لطالما كانت المصدر الرئيس لعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط - جيتي
قال الكاتب تريتا بارسي إن الولايات المتحدة لطالما كانت المصدر الرئيس لعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط - جيتي
شارك الخبر
نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالاً لنائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي لفن الحكم المسؤول، تريتا بارسي، يرى فيه أن هناك تياراً مناهضاً لـ "اتفاقيات إبراهيم" يتشكل حالياً، وهو ما يعتبره خطأً فادحاً.

وقال فيه إنه عندما وسعت إيران نطاق الحرب الإسرائيلية-الأمريكية لتشمل دول الخليج العربي، افترض العديد من المراقبين أن هذا التدهور الحاد في العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي سيستمر لسنوات، وسيدفع الدول العربية للاقتراب أكثر من إسرائيل.

وأضاف "بدا أن تصعيد طهران يعزز وجهة النظر الإسرائيلية القائلة بأن الممالك الخليجية بحاجة إلى التحالف مع إسرائيل لمواجهة التهديد الفارسي المشترك".

غير أن الواقع يشير إلى حدوث العكس تماماً، فقد خلصت دول المنطقة إلى أن سياسة احتواء إيران وعزلها لم تبؤ بالفشل فحسب، بل أدت أيضاً إلى حرب كارثية كشفت عن عدم موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية ومحدوديتها المذهلة.

وبدلاً من الإصرار على استبعاد إيران، تعكف الدول العربية على صياغة نهج جديد يقوم على السعي لتحقيق ترابط اقتصادي مع إيران، مع دمج طهران في هيكل أمني جديد تقوده دول المنطقة.

اظهار أخبار متعلقة


وفي هذا السياق، صرّح رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، لصحيفة "فاينانشال تايمز" قائلاً: "إن جزءاً مما نقوم به الآن، كدول إقليمية، هو إنشاء إطار أمني إقليمي يجمعنا بإيران". وأضاف: "نأمل أن يثمر ذلك عن تعاون اقتصادي بيننا جميعاً في المستقبل، بما يعيد الاستقرار إلى المنطقة".

ولعل الأهم من ذلك هو بروز المملكة العربية السعودية كقوة دافعة لهذا التحوّل؛ ففي حين لم يُعلَن بعد عن موعد محدد، تستعد الرياض لاستضافة دول مجلس التعاون الخليجي وإيران لإجراء محادثات حول اتفاقية إقليمية لعدم الاعتداء، والأمن البحري، وتدابير بناء الثقة على غرار "اتفاقيات هلسنكي" الأوروبية لعام 1975.

ويتمثل الهدف الأوسع من ذلك في إرساء هيكل أمني جديد للشرق الأوسط يرتكز بشكل أكبر على التعاون الإقليمي وبشكل أقل على الضمانات العسكرية الأمريكية، فيما تقوّض هذه التطورات مزاعم واشنطن المستمرة منذ أمد طويل بأن غياب التفوق العسكري الأمريكي سيؤدي إلى انزلاق الشرق الأوسط نحو الفوضى.

وبدلاً من ذلك، فهي تعزز حجة دعاة ضبط النفس والحد من التدخل الخارجي، القائلة بأن دول المنطقة ستتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها الخاص مع تراجع الدور الأمريكي.

في الواقع، بدلاً من حماية المنطقة من عدم الاستقرار، كثيراً ما كانت الولايات المتحدة هي المصدر الرئيسي له؛ إذ كانت الولايات المتحدة وإسرائيل هما من شنّتا الحربين الأخيرتين غير المبررتين ضد إيران، وكلاهما وقعتا أثناء سير المفاوضات.

وأضاف الكاتب أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، لو تحولت إلى اتفاق نهائي يرفع العقوبات عن طهران ويسمح بعودتها إلى محيطها الإقليمي، ستعزز هذا المسار لأنها ستزيل الدافع الرئيسي للإبقاء على القوات الأمريكية في الشرق الأوسط في المقام الأول، ألا وهو سياسة احتواء إيران. 

كما تشير دلائل كثيرة إلى أن أحد دوافع إدارة ترامب لإشراك القوى الإقليمية بشكل وثيق في المفاوضات مع طهران هو تمهيد الطريق لنقل عبء الأمن الإقليمي إلى هذه الدول كجزء من الاتفاق مع إيران.

ومع أن واشنطن ينبغي أن ترحب بنظام إقليمي ينقل عبء الأمن من كاهل دافعي الضرائب والعسكريين الأمريكيين إلى المنطقة نفسها، إلا أن النهج الحالي ينطوي على خطر تكرار خطأ قديم.

فبدلاً من بناء هيكل أمني شامل حقاً -لا يستهدف أي دولة ويرفض سياسة التكتلات- قد يؤدي هذا النهج ببساطة إلى عكس خطوط الصدع في المنطقة؛ إذ سيقترن إنهاء احتواء إيران باحتواء جديد لإسرائيل، مما يدفعها نحو العزلة الدولية. وبدلاً من استبدال "اتفاقيات إبراهيم" بنظام أكثر شمولاً، تواجه المنطقة خطر نشوء تكتل مناهض لهذه الاتفاقيات يتمحور حول احتواء دولة الاحتلال.

وغالباً ما يُنسى مدى العزلة التي كانت تعاني منها "تل أبيب" خارج نطاق الغرب قبل تبلور اتفاقيات أوسلو، ففي الفترة ما بين عامي 1991 و1994، طبعت دولة الاحتلال علاقاتها مع ما لا يقل عن 36 دولة، بما في ذلك الصين والهند والكرسي الرسولي.

وقد تمت عمليات التطبيع هذه بناءً على افتراض ضمني بأن دولة الاحتلال ستسمح بقيام دولة فلسطينية، وهو تفاهم سرعان ما تنصل منه الإسرائيليون.

ورغم أنه من غير المرجح أن تعود تل أبيب إلى عزلتها التي سبقت اتفاقيات أوسلو، إلا أن التراجع الحاد في مكانتها العالمية يشير بالتأكيد إلى أن الاتجاه العام قد يسير في ذلك المسار.

ولا شك أن تل أبيب قد استجلبت العزلة لنفسها من خلال سلوكها المزعزع للاستقرار، وعمليات القتل الجماعي للفلسطينيين، وسياساتها التوسعية. لذا، فإن تعزيز التماسك الإقليمي للضغط على الاحتلال يعد أمراً مبرراً وضرورياً في آن واحد.

وقد وضعت مبادرة "مشروع النظام الأفضل" مساراً لتحقيق ذلك. فبالتوازي مع عملية تهدف إلى إنهاء الاحتلال لفلسطين - استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ES-10/24 والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تموز/ يوليو 2024، والذي خلص إلى أن "استمرار وجود الاحتلال في الأرض الفلسطينية غير قانوني" وأن إسرائيل ملزمة بإنهاء هذا الوجود غير القانوني في أسرع وقت ممكن - ينبغي إطلاق عملية تحظى بتأييد مجلس الأمن الدولي لتطوير هيكلية أمنية شاملة بحق.

وتستلهم هذه الهيكلية مبادئها من "عملية هلسنكي"، ومن تجارب "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" و"رابطة دول جنوب شرق آسيا" (آسيان)، وترتكز على مبادئ الأمن الجماعي، ومحورية الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير (بما في ذلك استخدام الميليشيات)، ورفض منطق الاحتواء، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وضمان أمن متكافئ للجميع.

وينبغي إنشاء منظمة رسمية دائمة لتيسير الدبلوماسية وإدارة أمن المنطقة، على أن تركز الخطوات الأولية على دمج المزيد من الدول في الترتيبات الاقتصادية والسياسية القائمة، مثل الاتفاقيات التجارية والتعاون في مجال الطاقة.

ومن المرجح أن تتغير الحسابات الإسرائيلية الراهنة -التي ترى أن تكاليف إنهاء الاحتلال تفوق فوائده- بمجرد قيام نظام أمني إقليمي فاعل، وحين يلمس الإسرائيليون بوضوح المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية المترتبة على هذا التحول الجذري في المسار.

اظهار أخبار متعلقة


ومن خلال تبني رؤية أوسع وأشمل، يستطيع قادة المنطقة ضمان أن يتمخض انهيار النظام القديم عن واقع أكثر استقراراً وديمومة. وبوسعهم استغلال هذه اللحظة ليس فقط لحل المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في الخليج -والمتمثل في استبعاد إيران- بل أيضاً لمعالجة المصدر المحوري لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

نادراً ما يمنح التاريخ القوى العظمى فرصة لمغادرة منطقة ما بظروف أفضل مما كانت عليه عند دخولها؛ وهذه اللحظة هي إحدى تلك الفرص النادرة. وإذا ما اغتنم قادة المنطقة الفرصة لبناء نظام أمني شامل، فإن المسار الأكثر حكمة لواشنطن سيكون تشجيع هذه العملية بدلاً من الهيمنة عليها.

وبالنسبة لترامب، لن تكون المكافأة هي امتلاك "شرق أوسط جديد"، بل شيئاً أكثر قيمة: نيل شرف كونه الرئيس الأمريكي الذي أدرك أن المنطقة باتت مستعدة أخيراً لتحمل مسؤولية أمنها بنفسها، وامتلك الحكمة للسماح لها بذلك. ورغم أن ترامب هو من بدأ هذه الحرب غير الحكيمة، إلا أنه يمتلك الفرصة لإجراء تحول جريء نحو السلام، ليجعل منه الإرث الأبرز لعهده.
التعليقات (0)