نشرت مجلة "
نيويوركر" مقالا للصحفي
سودارسان راغفان قال فيه إن العقبات التي تحول دون التوصل إلى اتفاق سياسي دائم
بين الولايات المتحدة وإيران كانت واضحة منذ بداية وقف إطلاق النار الذي أُعلن عنه
في أوائل نيسان/ أبريل.
ورفضت طهران إعادة فتح مضيق هرمز حتى توصلت دولة الاحتلال إلى
اتفاق وقف إطلاق نار خاص بها مع لبنان. وقالت
إيران إنه في حال فتح هذا الممر
المائي الحيوي، فسيظل تحت سيطرتها.
وبعد انهيار
المفاوضات بين البلدين، فرضت
الولايات المتحدة حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية في محاولة للضغط على النظام
الإيراني لفتح المضيق. وردا على ذلك، تعهد النظام الإيراني بأنه لن "يستسلم
تحت التهديد".
اظهار أخبار متعلقة
أعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن الجانبين باتا
على بُعد خطوات من التوصل إلى اتفاق، لكنه أشار أيضا إلى أن طهران واجهت
"التشدد" و"تغييرا مستمرا في شروط الاتفاق" في تعاملاتها مع
الولايات المتحدة.
ومنذ ذلك الحين، يشهد مضيق هرمز حالة من الجمود، حيث أدت
الحصارات المتبادلة إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية، وتعطيل سلاسل التوريد
العالمية، وارتفاع أسعار النفط إلى 126 دولارا للبرميل، ورغم يتبادل الطرفان الاتهامات، فقد صمد وقف إطلاق النار في معظمه.
في مطلع الأسبوع الماضي، تصاعدت التوترات بشكل أكبر.
أطلقت إدارة
ترامب "مشروع الحرية"، وهي عملية عسكرية أمريكية لتوجيه
السفن التجارية عبر مضيق هرمز.
وردّت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على
الإمارات العربية المتحدة، حليفة الولايات المتحدة و"تل أبيب"، بما في ذلك استهداف
بنيتها التحتية للطاقة. كما استهدف النظام الإيراني سفنا حربية أمريكية.
أعلن
الجيش الأمريكي أنه دمّر ستة زوارق إيرانية سريعة ردا على هجمات إيرانية، واعترض
صواريخ كروز ومسيرات إيرانية. وخلال الأيام الثمانية والعشرين الأولى من وقف إطلاق
النار، أطلقت إيران النار على سفن تجارية تسع مرات.
كما واستولت على سفينتي حاويات،
وشنت غارات أو أطلقت النار مباشرة على القوات والأصول الأمريكية أكثر من عشر مرات،
وفقا لما صرّح به الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، في مؤتمر صحفي
عُقد مؤخرا.
ومع ذلك، صمد وقف إطلاق النار مرة أخرى. ووصف كين العدوان الإيراني
بأنه "إطلاق نار منخفض ومضايقات في الوقت الحالي" وأنه "لا يرقى
إلى مستوى استئناف عمليات قتالية واسعة النطاق في هذه المرحلة".
وأعلن وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، الذي كان يقف بجانب كين، أن "وقف إطلاق النار
لم ينتهِ" على الرغم من هجمات إيران على أفراد أمريكيين والإمارات العربية
المتحدة.
وأعرب العديد من المراقبين عن دهشتهم لعدم اندلاع حرب
شاملة من جديد. لكن غوبي كريشنا بهاميديباتي، الباحث البارز في معهد نيو لاينز
للاستراتيجية والسياسة في واشنطن والخبير في حل النزاعات الدولية، وصف وقف إطلاق
النار غير الرسمي هذا بأنه جزء من نمط أوسع.
فعلق على المؤتمر الصحفي لهيغسيث وكين
بالقول: "تُعطي إدارة ترامب الأولوية للهدنات التكتيكية على التغيير الهيكلي.
نحن نستخدم النفوذ الاقتصادي والتلميحات العسكرية لوقف الحروب، لكننا لا نقوم
بتحويل الصراع. نحن نقمع الأعراض بينما يستمر المرض".
تاريخيا، كان التفاوض على وقف إطلاق النار لإنهاء
نزاع دولي بهذا الحجم يتطلب شهورا، بل سنوات، من المحادثات بقيادة مفاوضين بارعين
وفرق كبيرة من الخبراء، وبمساعدة وسطاء موثوقين مثل الأمم المتحدة، وجيوش من
الدبلوماسيين يتنقلون بين الأطراف المختلفة لبناء الثقة.
وعادة ما يُتفاوض على مقترحات
السلام خلف الأبواب المغلقة، ونادرا ما تُطلق التهديدات علنا. مع إدارة ترامب، لا
يبدو أن أيا من هذا يحدث.
قال بهاميديباتي إن وقف إطلاق النار لا يُنظر إليه كسبيل
لحل التناقضات السياسية وتمهيد الطريق لتسوية دائمة، بل اختُزل إلى مجرد أدوات
للصراع تهدف إلى إدارة التصعيد بسرعة، واحتواء المخاطر، والحد من امتدادها،
واستعادة الاستقرار على المدى القصير - وهو ما يُعدّ بمثابة تأجيل للمشكلة.
وقف
إطلاق النار لا ينهي الحروب، بل يوقفها مؤقتا فقط. وكلما طال أمده دون حل سياسي
حقيقي، زادت مخاطر اندلاع عنف أكبر في المستقبل. وينطبق هذا بشكل خاص على الحرب مع
إيران.
وجوابا على السؤال إن كنا نعيش في عصر حروب لا تنتهي،
تتخللها هدنات مؤقتة؟ أجابت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
في مركز تشاتام هاوس للأبحاث بلندن: "هذا ما نشهده في الشرق الأوسط منذ نحو
عقد من الزمان.
والسبب بحسب سنام وكيل، "لأن النظام الدولي قد تفكك. لقد فشلت التعددية، إن صح التعبير، في
تحقيق تسويات سلمية، ولم تعد التحالفات بين الدول ثنائية، بل أصبحت تعمل في
اتجاهات متضاربة. وهذا ما يجعل الصراعات أكثر تعقيدا وأصعب حلا".
ومما يزيد
الأمر سوءا نهج الرئيس دونالد ترامب العملي في الدبلوماسية، وتحديدا ثقته المطلقة
في مهاراته في إبرام الصفقات ورغبته في تحقيق انتصارات سريعة.
يقول آرون ديفيد
ميلر، خبير شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، والمفاوض السابق في
القضايا العربية
الإسرائيلية في إدارات جمهورية وديمقراطية: "إنها مسألة
صفقة، مكسب سريع وسهل، لا يعالج الجذور الكامنة للصراعات التي يكاد يكون من المؤكد
أنها ستشتعل مجددا وتستمر. هذا هو نهج ترامب في كل شيء".
ومنذ عودة
ترامب إلى منصبه، أعلن نفسه "رئيس السلام" الذي أنهى ثماني حروب حول
العالم. (وقد رفع العدد مؤخرا إلى عشر). تشمل هذه الحروب القتال بين الهند
وباكستان، والنزاع الحدودي بين تايلاند وكمبوديا، والحرب في جمهورية الكونغو
الديمقراطية، والنزاع الأرميني الأذربيجاني.
لعبت إدارة ترامب دورا في التوسط في
اتفاقيات وقف إطلاق النار في هذه الصراعات. لم يُفضِ أي منها إلى حل سياسي أو
عسكري دائم، وفي جميع الحالات لا يزال خطر التصعيد العنيف قائما.
قال تريتا
بارسي، الخبير في الشأن الإيراني ونائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للحكم الرشيد
في واشنطن: "أتساءل إلى أي مدى تُعزى بعض هذه الإخفاقات إلى عوامل هيكلية،
وإلى أي مدى هي مجرد نتيجة لتصرفات ترامب، لأنه يواجه صعوبة بالغة في حل النزاعات.
إنه متسرع للغاية، ولا يريد سوى التقاط صورة سريعة، ونتيجة لذلك، يتجاهل الخلافات
الحقيقية".
يُعدّ
أعظم نجاح في السياسة الخارجية خلال ولاية ترامب الثانية هو الخطة المكونة من
عشرين نقطة التي ضمنت وقف إطلاق النار واتفاق الرهائن بين الاحتلال وحماس في تشرين
الأول/ أكتوبر.
أسفر وقف إطلاق النار عن إطلاق سراح الرهائن المتبقين، لكن الخطة
متعددة المراحل أرجأت معالجة القضايا الأكثر تعقيدا، والتي لا تزال عالقة. فمنذ
تشرين الأول/ أكتوبر، أسفرت غارات الاحتلال عن مقتل مئات الفلسطينيين، وفقا
للأمم المتحدة.
ولم تُسلّم حماس سلاحها بعد؛ إذ استعاد مقاتلوها السيطرة على أجزاء
من غزة، مما يُنذر بنشوب صراع مُحتمل مع الاحتلال. وقال ميلر، من مؤسسة كارنيغي:
"غزة مُقسّمة، ومُختلّة وظيفيا، وقد زاد جنود الاحتلال من نسبة سيطرتهم. وقتلوا ما يزيد عن سبعمائة أو ثمانمائة فلسطيني منذ
الاتفاق. هذا ليس وقفا لإطلاق النار".
كما لم
يُسفر وقف إطلاق النار في لبنان عن نتائج تُذكر. فقد نسب ترامب لنفسه الفضل في
اتفاق 16 نيسان/ أبريل بين الاحتلال ولبنان، والذي اشترطته إيران كشرط لإجراء
محادثات أوسع مع الولايات المتحدة.
اظهار أخبار متعلقة
ونشر ترامب على موقع "تروث سوشيال"
قائلا: "لقد كان لي شرف حل تسع حروب حول العالم، وهذه ستكون العاشرة،
فلنُنجزها إذن!". ورغم سريان وقف إطلاق النار حاليا، إلا أنه فشل في وقف
الصراع.
فقد أسفرت هجمات الاحتلال عن مقتل ما يقرب من أربعمائة شخص منذ 16
نيسان/ أبريل، وواصلت قوات الاحتلال تدمير القرى وتعزيز مكاسبها الإقليمية في
جنوب لبنان. وشنّ حزب الله هجمات على جيش الاحتلال واستهدف المستوطنات بالصواريخ والمسيّرات.
وقد أثّر انتهاك الاحتلال المتكرر لوقف إطلاق النار على فهم
إيران لاتفاق وقف إطلاق النار الخاص بها مع الولايات المتحدة وتل أبيب. وقال
بارسي: "يريد (الإسرائيليون) حالة حرب لا نهاية لها، حيث سيفعلون بإيران ما
فعلوه في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية.
وهي ما عدها "استراتيجية تدميرية
شاملة."الغاية النهائية هي الدخول في حالة حرب دائمة، حيث تمتلك القدرة
باستمرار على مهاجمة جيرانك لضمان عدم امتلاكهم القوة الكافية لتحديك".
وأضاف
أن الإيرانيين "لن يقبلوا بتاتا أن يكونوا جزءا من استراتيجية الاحتلال التدريجية. إنهم لا يسعون إلى هدنة أو اتفاق جزئي ينقل طبيعة الصراع من جبهة إلى
أخرى".
انتهت
حرب الأيام الاثني عشر بين إيران والاحتلال، في حزيران/ يونيو الماضي إلا أن
الخلافات الجوهرية ظلت عالقة.
وفي شباط/ فبراير، هاجمت الولايات المتحدة والاحتلال إيران في خضم مفاوضات حول اتفاق نووي محتمل. ولنجاح وقف إطلاق النار، يتعين على
الولايات المتحدة إقناع إيران بأن هذا لن يتكرر.
بدلا من ذلك، عززت الأسابيع
الأربعة الماضية مخاوف إيران وشكوكها. استخدم ترامب وقف إطلاق النار كأداة ضغط وعصا،
فكان يُطلق مبادرات سلام في يوم، ثم يُهدد في اليوم التالي، في محاولة منه لكسب
اليد العليا في المفاوضات.
لكن، على
نحو متزايد، لم تُجدِ التكتيكات الدبلوماسية القسرية نفعا، وبرزت مفارقة الضغط.
فكلما زاد تهديد ترامب لإيران، ازداد النظام تمردا، وتزايدت احتمالات اندلاع جولة
أخرى من الأعمال العدائية.
كتب محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير
مفاوضي النظام، على منصة "إكس" الأسبوع الماضي: "نعلم تماما أن استمرار الوضع
الراهن غير مقبول بالنسبة لأمريكا، بينما لم نبدأ بعد".
وأوضحت وكيل، من
تشاتام هاوس، أن الخطر يكمن في أن ترامب "لا يدرك أن بعض المرونة والتنازلات
ستُمكّنه على الأرجح من التوصل إلى اتفاق"، وأنه "سيواصل التمسك بأسلوبه
التفاوضي الذي يُشبه أسلوب نيويورك في صفقات العقارات، بدلا من فهم نفسية خصمه وما
يسعى إليه".
وينعكس
هذا النهج في فريق مفاوضي إدارة ترامب. فقد قاد الجانب الإيراني سياسيون
ودبلوماسيون مخضرمون مثل قاليباف ووزير الخارجية عراقجي. أما الجانب الأمريكي،
فيقوده إلى حد كبير جاريد كوشنر، صهر ترامب، وستيف ويتكوف، صديقه
المقرب، وكلاهما يعملان في مجال التطوير العقاري والاستثمار.
في
صراعات الشرق الأوسط السابقة، كان الدبلوماسيون الأمريكيون يتنقلون باستمرار في
أنحاء المنطقة، ويعملون مع الحلفاء لحشد الجهود من أجل التوصل إلى حل سياسي.
وقال
بهاميديباتي، من معهد نيو لاينز: "إدارة ترامب غير مستعدة لإرسال طواقم دبلوماسية.
لا نرى أي استعداد دبلوماسي لإنهاء هذا الصراع بشكل دائم. بتجاوزنا العمل المؤسسي
البطيء لتحويل الصراع، نصل إلى وضع لا حرب فيه ولا سلام. هذا هو وضعنا
الحالي".
ويثير هذا الوضع من الغموض قلق المفاوضين المخضرمين في الشرق الأوسط،
كما يثيره غياب وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، عن المنطقة.
بدلا من
ذلك، يبدو أن ترامب وإدارته يستمعون بشكل متزايد إلى بعض المحافظين الجدد
المتشددين المؤيدين لدولة الاحتلال، والذين يدعون إلى تغيير النظام ويؤيدون المواجهة مع
إيران.
وقد دافعوا عن الحصار البحري، بحجة أن إيران ستستسلم للضغوط الاقتصادية
الناجمة عن وقف صادراتها النفطية. وكتب أحد المحافظين الجدد البارزين، السيناتور
الجمهوري ليندسي غراهام، على منصة "إكس" أن الحصار "رائعٌ في فكرته وتنفيذه".
اظهار أخبار متعلقة
كما
نشرت إدارة ترامب موادا من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز أبحاث مؤثر في
واشنطن، مؤيد لإسرائيل، ويدعو إلى سياسات عدوانية للضغط على إيران.
وهناك هوة
شاسعة بين الولايات المتحدة وإيران حول كيفية إنهاء هذه المرحلة من الحرب. تسعى
إدارة ترامب إلى إبرام اتفاق سريع لتحقيق أهدافها الرئيسية: إعادة فتح مضيق هرمز،
وإجبار إيران على التخلي عن مخزونها من اليورانيوم، والموافقة على
وقف تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين عاما.
لكن طهران تشعر بأنها في موقف قوي وتريد
فرض واقع أمني وسياسي واقتصادي جديد، يشمل رفع العقوبات الاقتصادية، وتقديم ضمانات
لمنع استئناف الحرب بين الولايات المتحدة والاجتلال وإيران.
فضلا عن إنهاء القتال
بين الاحتلال وحزب الله في لبنان. كما تتطلع طهران إلى الاحتفاظ بالسيطرة على
المضيق لردع أي هجمات مستقبلية، وترغب في استخدامه كنقطة عبور لجني مليارات الدولارات
سنويا من السفن العابرة.