الإيكونوميست: رحيل كير ستارمر أصبح أفضل لبريطانيا من بقائه

المجلة اختتمت التقرير بالقول إن بريطانيا تقف أمام خيارين - جيتي
المجلة اختتمت التقرير بالقول إن بريطانيا تقف أمام خيارين - جيتي
شارك الخبر
تصاعدت الدعوات داخل الأوساط السياسية البريطانية لرحيل رئيس الوزراء كير ستارمر، بعد سلسلة من الانتكاسات السياسية والاقتصادية التي وضعت حكومته تحت ضغط كبير وسط تحذيرات من أن استمرار الأزمة الحالية قد يدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام.

وشنت مجلة الإيكونوميست هجوما حادا على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، معتبرة أن رحيله بات أفضل من استمراره في منصبه، بعد ما وصفته بفشله في إدارة البلاد واحتواء الأزمات السياسية والاقتصادية المتفاقمة.

وقالت المجلة، في افتتاحية عددها الأخير، إن ستارمر وصل إلى السلطة قبل أقل من عامين متعهدا بحماية بريطانيا من صعود التيارات الشعبوية، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت، بحسب وصفها، عن فشل ذريع في تحقيق هذا الهدف. وأشارت إلى أن الهزيمة الثقيلة التي تعرض لها حزب العمال في انتخابات المجالس المحلية بإنكلترا، إضافة إلى الانتخابات البرلمانية في اسكتلندا وويلز خلال السابع من أيار/مايو، فجرت حالة تمرد داخل صفوف الحزب الحاكم.

وأضافت المجلة أن ستارمر كان، لحظة ذهاب العدد إلى الطباعة، يواجه منافسا جديا واحدا على الأقل على زعامة الحزب ورئاسة الحكومة، معتبرة أن مصلحة بريطانيا قد تكون في خروجه من المشهد السياسي.

وتابعت أن التراجع الحاد في شعبية قادة التيار الوسطي في أوروبا، ومن بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر، يعكس أزمة أعمق تعانيها الديمقراطيات الاشتراكية الأوروبية، رغم ما يتمتع به هؤلاء القادة من سمعة أخلاقية جيدة.

وأكدت المجلة أن الاقتصادات الأوروبية تواجه مشكلات مزمنة، تتمثل في ضعف النمو وارتفاع الضرائب وزيادة معدلات الاقتراض، إلى جانب الضغوط المتواصلة لرفع الإنفاق العام، وهو ما جعل الأحزاب الوسطية عاجزة عن إحداث تغيير فعلي أو مواجهة صعود الشعبوية يمينا ويسارا.

ورأت أن هذا المشهد برز بوضوح في بريطانيا ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث تعاقب على رئاسة الحكومة خمسة رؤساء وزراء خلال ست سنوات، في حالة من عدم الاستقرار السياسي المتواصل، قائلة إن الثابت الوحيد في مقر رئاسة الوزراء كان القط "لاري"، المعروف بلقب "كبير صائدي الفئران".

واعتبرت المجلة أن تحميل الظروف وحدها مسؤولية أزمة ستارمر يمثل هروبا من الحقيقة، مؤكدة أن رئيس الوزراء يتحمل شخصيا جزءا كبيرا من المسؤولية بسبب غياب الشخصية السياسية الواضحة والعجز عن تقديم رؤية متماسكة للبلاد.

وأشارت إلى أن الدعوات التي تطالب البريطانيين بالتمسك برئيس وزراء متعثر خوفا من البديل الأسوأ تمثل، في رأيها، وصفة مثالية لتعزيز الغضب الشعبوي الذي يسعى التيار الوسطي لتجنبه.

وفي الوقت نفسه، أقرت المجلة بأن ستارمر ورث أوضاعا معقدة، من بينها ركود الأجور على مدى عقدين، إضافة إلى التداعيات الاقتصادية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي تقول بعض الدراسات إنه أدى إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة تتراوح بين 4 و8 بالمئة.

كما لفتت إلى أن الحكومات البريطانية المتعاقبة فشلت في معالجة أزمة ضعف القدرة الإنتاجية، موضحة أن إنتاجية العامل الأمريكي ارتفعت بين عامي 2008 و2023 بنسبة 21 بالمئة، مقابل 7 بالمئة فقط في بريطانيا.

وأكدت المجلة أن تداعيات "البريكست"، إلى جانب فترة رئاسة ليز تراس للحكومة، وارتفاع أسعار الطاقة، ساهمت جميعها في رفع عوائد السندات البريطانية إلى مستويات هي الأعلى بين دول مجموعة السبع.

اظهار أخبار متعلقة


ورأت أن الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي يمتلكها حزب العمال، والبالغة 165 مقعدا، تحولت من مصدر قوة إلى عامل اضطراب سياسي، موضحة أن تراجع شعبية الحزب دفع العديد من نوابه إلى التمرد خشية خسارة مقاعدهم في أي انتخابات مقبلة.

وقالت المجلة إن ستارمر أضاع فرصة مهمة لإجراء إصلاحات واسعة رغم امتلاكه أغلبية مريحة، مشيرة إلى أن مؤسسات الدولة البريطانية لا تزال قادرة على العمل بكفاءة، كما أن تحسين العلاقات مع أوروبا كان يمكن أن يفتح الباب أمام فرص اقتصادية جديدة.

وأضافت أن الحكومة بدأت بالفعل خطوات لتخفيف البيروقراطية والحد من الإنفاق غير المستدام على الرعاية الاجتماعية، إلا أن هذه الإجراءات ظلت محدودة وغير كافية لإحداث تأثير ملموس.

وأشارت المجلة إلى أن دولا مثل أستراليا وكندا والنرويج واجهت تحديات اقتصادية وسياسية مشابهة، لكنها تمكنت من الحفاظ على استقرار أحزاب الوسط، معتبرة أن جزءا كبيرا من فشل بريطانيا في تحقيق الأمر ذاته يعود إلى أداء ستارمر نفسه.

وأكدت أن رئيس الوزراء البريطاني قيد حكومته مبكرا بتعهدات انتخابية تمنع رفع ضرائب الدخل أو ضريبة القيمة المضافة، فيما جاءت إصلاحاته الاقتصادية ناقصة ومربكة؛ إذ كانت مؤلمة بما يكفي لإثارة غضب الناخبين، لكنها ضعيفة إلى درجة لم تسمح بتحقيق نتائج اقتصادية واضحة.

وأضافت أن الوعود الكبرى التي طرحها ستارمر لم تتحقق، فلا إصلاح ضريبيا شاملا جرى تنفيذه، ولا تغييرات جذرية حدثت في نظام الرعاية الاجتماعية، كما لم يتحقق أي تقارب فعلي مع الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أنه تراجع أيضا عن خطط تسريع إجراءات التخطيط بمجرد مواجهة اعتراضات سياسية.

وتابعت المجلة أن رؤساء الحكومات يحتاجون إلى السلطة والوضوح والرؤية السياسية، وهي صفات قالت إن ستارمر يفتقدها، إذ لا يمتلك تصورا واضحا لمستقبل البلاد، ولا يستند إلى رؤية فكرية راسخة.

وأضافت أن تعقيد صناعة القرار في القرن الحادي والعشرين يجعل الناخبين يبحثون عن زعيم قادر على اختيار الكفاءات المناسبة واتخاذ قرارات حكيمة استنادا إلى الأدلة، معتبرة أن ستارمر فشل في إقناع البريطانيين بامتلاكه هذه القدرات.

واستشهدت المجلة باستطلاع أجرته مؤسسة يوغوف عقب انتخابات الشهر الجاري، أظهر أن 29 بالمئة فقط من النواب يرغبون في استمرار ستارمر بمنصبه، بينما تحول نواب حزب العمال، بحسب وصفها، من حالة القلق إلى "حشد غاضب".

ورغم ذلك، حذرت المجلة من أن الإطاحة برئيس الوزراء لا تخلو من مخاطر، مشيرة إلى أن حزب العمال قد ينزلق نحو اليسار بشكل يثير مخاوف الأسواق المالية، خصوصا إذا استخلص الحزب استنتاجات خاطئة من الأزمة الحالية.

إلا أنها شددت على أن مخاطر بقاء ستارمر باتت أكبر من مخاطر رحيله، معتبرة أنه قد يندفع أكثر نحو اليسار في محاولة لمواجهة خصومه السياسيين، سواء في الأزمة الحالية أو الأزمات المقبلة.

وأكدت المجلة أن أسواق السندات ستظل تفرض قيودا صارمة على أي سياسات إنفاق متهورة، ما يعني أن أي قيادة جديدة ستبقى مضطرة للبحث عن النمو الاقتصادي كخيار أساسي.

وأضافت أن ما تحتاجه بريطانيا حاليا ليس فقط برنامجا اقتصاديا، بل قيادة سياسية تمتلك القدرة على تحديد الاتجاه العام للبلاد والدفاع عنه، معتبرة أن أي انتخابات جديدة على زعامة حزب العمال قد تفرز شخصيات أكثر قدرة على تحقيق ذلك.

وختمت المجلة بالقول إن بريطانيا تقف أمام خيارين؛ إما التجدد السياسي أو استمرار الانحدار، مشيرة إلى أن من سيخلف ستارمر سيحظى بأغلبية برلمانية كبيرة وثلاث سنوات إضافية في السلطة، ما يمنحه فرصة حقيقية لإحداث تغيير.

كما رأت أن مشاكل بريطانيا لا تزال قابلة للحل، في ظل انخفاض أسعار الأصول البريطانية ورغبة الناخبين في التغيير، لكنها حذرت في المقابل من تصاعد الانقسامات الداخلية والتطرف السياسي.

وأشارت إلى أن البديل المحتمل عن حزب العمال يبدو قاتما، لافتة إلى توقعات بخروج حشود في لندن لتحية الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون، المعروف بخطابه المعادي للمهاجرين والمسلمين.

وقالت إن صورة بريطانيا كدولة متسامحة ومتعددة الثقافات بدأت تتعرض للتآكل، مع تصاعد مظاهر التعصب، سواء من خلال معاداة السامية تحت شعارات "فلسطين حرة"، أو الاعتداء على المسلمين تحت دعاوى "الدفاع عن القيم البريطانية".

واختتمت المجلة تحذيرها بالقول إن فشل التيار الوسطي في الصمود سيمنح الشعبويين فرصة الفوز في الانتخابات المقبلة، وهو ما قد يجعل بريطانيا، هذه المرة فعلا، دولة غير قابلة للحكم.
التعليقات (0)