تتصاعد الانتقادات
داخل
حزب العمال البريطاني وسط تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية في
بريطانيا،
حيث تتزايد القناعة بأن رئيس الوزراء
كير ستارمر بات يمثل حلقة جديدة في مسلسل
الحكومات العاجزة عن القيادة.
وبحسب صحيفة
الغارديان
البريطانية، أكدت الكاتبة نسرين مالك، في مقال لها أن حقيقة رئيس الوزراء البريطاني
كير ستارمر بدأت تظهر أخيرا بعد طول انتظار، موضحة أن الطريق إلى هذه النتيجة كان شاقا؛
إذ جرى في البداية التعامل معه بوصفه المنقذ الذي طال انتظاره لحزب العمال، ثم تحولت
النظرة إليه إلى محاولات متكررة لتقديمه على أنه في جوهره شخص جيد وحديث العهد بالسياسة
ويحتاج إلى بعض الوقت، غير أن الانطباع الذي بدأ يتبلور الآن، بحسب الصحيفة، هو أنه
في الواقع شخصية سيئة للغاية.
وأشارت الصحيفة إلى
أن هذا التقييم القاسي بات يتردد حتى داخل الأوساط المقربة من حزب العمال، حيث نقلت
عن أحد المطلعين قوله إن كثيرين يعتقدون أن كير ستارمر رجل جيد لكنه يفتقر إلى الخبرة،
غير أن الحقيقة من وجهة نظرهم أنه أحمق يفتقر إلى الخبرة.
وتابعت أن الاتهامات
باتت تتوالى عليه بسرعة وكثافة، إذ يُنظر إليه على أنه لا يجيد إدارة الفرق، ويضحي
بالآخرين لينجو بنفسه، كما أنه غير قادر على القيام بالمهمة الموكلة إليه. وأضافت أن
قضية بيتر ماندلسون، وآخر فصولها الكشف عن فشله في اجتياز الفحص الأمني، وهي القضية
التي يقول ستارمر إنه لم يتم إبلاغه بها، حملت في طياتها بصيص أمل أخير لأنصاره، لكن
ذلك الأمل سرعان ما تلاشى.
ولفتت الغارديان إلى
أنه بينما بدأ وزراؤه ينأون بأنفسهم عنه ويعلنون استقالاتهم على الهواء مباشرة، لم
يعد حتى أكثر أنصاره إخلاصا قادرا على التمسك بالتكهنات المملة والمضللة حول إمكانية
عودته إلى سابق عهده، مشيرة إلى أن الخلاصة العامة أصبحت أن ستارمر تجاوز مرحلة الإصلاح
وأن مصيره لم يعد سوى مسألة وقت.
وأضافت الصحيفة أن
ما يلي هذه المرحلة هو التخبط، أي حالة حكومة بلا هدف غارقة في الفضائح. وأوضحت أن
هذا الوضع كان يتفاقم منذ فترة في ظل ستارمر المنهك، ثم تسارع بفعل فضيحة لا تنتهي،
وترسخ مع رفضه التنحي، وحسم بسبب غياب الرغبة في إجراء انتخابات قيادية أو التوصل إلى
توافق حول خليفة له.
وأكدت أن بريطانيا
تدخل بذلك عصر الزومبي السياسي، وهو عصر بات مألوفا لدى الجميع، لافتة إلى أن العقد
الماضي شهد أربع فترات لرؤساء وزراء، بعضها كان أقصر من غيره. وبينت أن تيريزا ماي
تشبثت بمنصبها في الوقت الذي وصل فيه اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى
طريق مسدود.
اظهار أخبار متعلقة
وتابعت أن بوريس جونسون
كاد يعلن استقالته بعد سبعة أشهر من انكشاف فضيحة الحفلات داخل مقر الحكومة، في حين
مرت سبعة وعشرون يوما فقط بين الموازنة المصغرة الكارثية واستقالة ليز تروس، وهو ما
يزيد على نصف مدة رئاستها للوزراء. كما أشارت إلى أن ريشي سوناك كان منذ اليوم الأول
رئيس وزراء مؤقتا مكلفا بالمهمة المستحيلة المتمثلة في إنقاذ حزب المحافظين من الانهيار.
وأوضحت الغارديان أن
بقاء رئيس الوزراء في منصبه بدافع الجمود وقلة الخيارات أصبح هو السائد الآن، بدلا
من وجود قائد كفء يقود البلاد، مضيفة أن هذه الفترات لا تمثل مجرد استقرار مؤقت حتى
الوصول إلى حل، بل تقود إلى حكم فوضوي مدمر.
وأكدت أن هذا الحكم
لا يشهد انهيارا حادا في
الاقتصاد أو الخدمات العامة بقدر ما يشهد تدهورا تدريجيا في
مستويات المعيشة، وبشكل أوسع فقدانا للشعور بمصير مشترك تحت قيادة قائد مدرك ومسؤول.
كما أن تكرار هذا النمط عبر إدارات مختلفة يسهم في شلل سياسي أوسع وإحباط شعبي وعزوف
عن المشاركة.
وتابعت أن حكومة الزومبي
تكون مشتتة الذهن وخاملة وتفتقر إلى الطموح والإبداع، مشيرة إلى أن الفجوة بين تحديات
العالم الحقيقي ومشاغل رئاسة الوزراء أصبحت شاسعة. وأضافت أنه بينما يحاول حزب العمال
إيجاد حلول لمشكلته، فإن ما هو على المحك ليس مستقبل رئيس الوزراء وحده بل مصير البلاد
ومسارها.
ولفتت الصحيفة إلى
أن الحرب الإيرانية رفعت أسعار الوقود وزادت التضخم، كما حذر صندوق النقد الدولي من
أن بريطانيا تواجه أكبر ضربة للنمو من الحرب الإيرانية بين جميع اقتصادات مجموعة العشرين،
إلى جانب أعلى معدل تضخم مناصفة مع دول مجموعة السبع.
وأضافت أن تعرض المملكة
المتحدة لصدمات الطاقة يتفاقم بسبب أزمة غلاء المعيشة القائمة مسبقا وارتفاع أسعار
المواد الغذائية، مؤكدة أنه حتى الآن لا يبدو أن رئيس الوزراء يملك خطة لاستباق هذه
الأزمة أو حتى تقديم تطمينات بشأنها، رغم أنه من المتوقع أن تكون طويلة الأمد.
وأشارت الغارديان إلى
أن هناك تحديات جسيمة تهدد التماسك الاجتماعي يفرضها حزب الإصلاح السام الذي فشل حزب
العمال فشلا ذريعا في التعامل معه. وأوضحت أن المناخ الثقافي والسياسي تلوث بالعداء
للمهاجرين، ولم يسهم حزب العمال إلا في تأجيج هذا الوضع عبر إجراءات قاسية وخطاب يحاكي
خطاب إينوك باول، من دون أن يلحق أي ضرر بحزب الإصلاح.
وتابعت أن حزب العمال
مني بهزيمة ساحقة في الانتخابات الفرعية في غورتون ودينتون، بينما لم يدل ستارمر بأي
تصريح سوى تصريحات مشينة وغير لائقة حول السياسة الطائفية. كما يتجه الحزب، بحسب الصحيفة،
نحو أسوأ أداء له على الإطلاق في الانتخابات المحلية الشهر المقبل، مع توقعات بتحقيق
مكاسب كبيرة لحزب الإصلاح، متسائلة: أين هي الجهود الحثيثة لتدارك هذا الوضع؟ ومجيبة
بأن ستارمر لا يقدم شيئا.
وأضافت الصحيفة أن
رؤساء الوزراء الزومبي يسلكون عادة مسارين في الحكم؛ الأول محاولة فرض وجودهم عبر الإعلان
عن سياسات مثيرة للجدل، مثل تراجع ريشي سوناك عن هدف الحياد الكربوني، وإطلاق بوريس
جونسون النسخة الأولى من خطة الترحيل إلى رواندا.
وأشارت إلى أن الخيار
الثاني هو التقاعس التام والانشغال بإخماد الأزمات ومواجهة التحديات الداخلية، وهو
المسار الذي سلكه جونسون ووصل ذروته في تمرد جماعي بين النواب والوزراء عندما رفض الاستقالة.
وأكدت الغارديان أن
أيا كان المسار الذي سيسلكه ستارمر، فإن النتيجة ستكون جمهورا غير مهتم تماما بحكومة
غائبة بل وازدراء لها، وهي غارقة في فضائح بعيدة أو سياسات غريبة وغير ذات صلة.
ولفتت إلى أن هذا هو
نوع الإقطاع المختل الذي وصفه ألكسيس دو توكفيل في كتابه عن الأرستقراطية الفرنسية
"النظام القديم والثورة"، إذ يجادل بأن النبلاء الفرنسيين تشبثوا بامتيازاتهم
فترة طويلة بعد أن تخلوا عن الواجبات التي منحتهم الشرعية، وكان هذا التخلي هو ما أشعل
فتيل الثورة.
وأضافت الصحيفة أن
ستارمر يمثل تلك الطبقة السياسية النبيلة، فهو تجسيد لشيء أكبر بكثير من ذاته. لكنها
أوضحت أنه قبل توليه رئاسة الوزراء بوقت طويل كانت بريطانيا قد دخلت بالفعل عصر سياسة
الزومبي، وهو عصر تفاقم بفعل الحقب السابقة من التخبط التي تميزت بقادة شعروا باستحقاقهم
للسلطة لكنهم فشلوا في توظيف السياسة لتحقيق غايات مادية حقيقية.
اظهار أخبار متعلقة
وتابعت أن ستارمر يمثل
أيضا تتويجا لسياسة تقدمية فشلت في إعادة صياغة دورها في بريطانيا المتغيرة، حيث تآكلت
معاقلها الصناعية والعمالية التقليدية بفعل عقود من تغليب رأس المال على العمل.
وأشارت إلى أن هذه
السياسة لم تعالج الطرق المختلفة التي أصبح بها الاقتصاد مبرمجا لخدمة مصالح عدد متناقص
من ذوي الأجور المرتفعة أو الثروات الطائلة، كما أنها لم ترسخ إحساسا راسخا بالمعنى
والقيم في عالم تخلق فيه قوى متزايدة الوحشية والانتهازية، من الولايات المتحدة إلى
الشرق الأوسط، فراغا في القيادة الأخلاقية.
وأضافت الغارديان أن
غموض شخصية ستارمر سهل على مؤيديه إسقاط شتى أنواع الأوهام عليه، لكن فراغه كان سمته
الأساسية، وهو ما أهله لقيادة هذه النسخة الفارغة من السياسة التقدمية، ليصبح قائدا
أشبه بوعاء لا عامل تغيير.
واختتمت الصحيفة بالتأكيد
على أن الأمل الوحيد في الأشهر أو السنوات القادمة من سياسة الزومبي هو ألا تنتهي ولاية
ستارمر ببداية خاطئة أخرى، مشددة على أن من سيخلفه عليه أن يدرك أن حزب العمال بحاجة
إلى تقديم ما هو أكثر من مجرد إدارة إرث أسلافه المتهالك، لأن عدم تبني التحديات التي
يفرضها الوضع السياسي والاقتصادي الراهن بشجاعة سيقودهم إلى المصير نفسه.