يشهد المسار السياسي في
بريطانيا حالة من الارتباك داخل الحكومة وحزب العمال، في ظل تزايد الحديث عن مستقبل رئيس الوزراء
كير ستارمر وإمكانية استمراره في منصبه.
ويصف غوردون راينر وهو صحفي استقصائي مخضرم المشهد بأنه إذا وقفت في أي مكان داخل قصر وستمنستر الآن وألقيت سهما ورقيا، يمكنك أن تكون واثقا تقريبا أنك ستصيب شخصا يناقش أحد ثلاثة أسئلة: هل سيغادر السير كير ستارمر، متى سيغادر، ومن سيخلفه؟.
ويضيف في
مقال نشرته صحيفة "التليغراف" الجمعة، من البديهي أنه إذا كان الناس يتحدثون عن مستقبل رئيس الوزراء، فإنهم لا يناقشون كيف ستجعل هذه الحكومة البلاد أفضل، والمشكلة بالنسبة لبريطانيا أن الأمر نفسه ينطبق داخل رقم 10.
ينشغل التفكير داخل مقر الحكومة في "داونينغ ستريت" بإدارة الأزمات اليومية بهدف بقاء ستارمر في منصبه، بدلا من طرح حلول لملفات أساسية مثل أزمة تكاليف المعيشة، أسعار الطاقة، الهجرة غير الشرعية، والإنفاق الدفاعي، وفق مصادر في وايتهول أكدت غياب أي خطة حتى لخمسة أيام، مع اقتصار الهدف على "الاستمرار حتى الغد".
ويعني الشلل الناتج عن ذلك أنه لا شيء يُنجز، كما يعترف مطلعون في حزب العمال. ويتحدثون عن "جمود" في رقم 10، ينتشر إلى الخدمة المدنية، فالموظفون الحكوميون يعرفون "البطة العرجاء" عندما يرونها، والخطر بالنسبة للسير كير هو أن تعليماته قد يتم تجاهلها لأنهم يفترضون أنه في طريقه للخروج.
لقد فقد الآن كل احترام
نقل راينر عن أحد المطلعين في حزب العمال قائلا: "لا يحدث أي شيء على الإطلاق"، مضيفا "لا يستطيعون اتخاذ قرارات، لا يوجد تنظيم، إنهم فقط يحاولون تجاوز اليوم. لكن ستارمر لن يستقيل، لذا سيستمر هذا الوضع".
ويقول شخصية بارزة في الحزب: "لم يفقد فقط سلطته، بل فقد الآن كل احترام، وبمجرد أن يضيع ذلك، لا يمكن استعادته. الناس على مستوى مجلس الوزراء يتحدثون علنًا عن جداول زمنية لاستبداله، لذلك بطبيعة الحال لم يعودوا يأخذون تعليماته على محمل الجد.
اظهار أخبار متعلقة
ويضيف المصدر ذاته أن من أبرز سمات ستارمر عدم حسمه للقرارات، إذ يكرر عبارة "سأتشاور مع الفريق" عند عرض أي ملف عليه، مشيرا إلى أن هذا الفريق كان يضم سابقا شخصيات مثل سو غراي أو مورغان ماكسويني، ما كان يمنح احتمالية لاتخاذ قرار، بينما يضم حاليا رئيسة الموظفين بالإنابة فيدهيا ألاكيسون وفريقا من صغار الموظفين، ما أدى إلى غياب التقدم، مع تركيز ستارمر على الإحاطات والملفات الخارجية.
ويثير توقيت خطاب الملك المقرر في 13 أيار/ مايو، بعد ستة أيام من الانتخابات المحلية، غضبا بين عدد من نواب حزب العمال، إذ يرون أنه محاولة لصرف الأنظار عن نتائج متوقعة سيئة في 7 أيار/ مايو.
وتشير مصادر حكومية إلى أن هذا التوقيت سيصعب إطلاق تحد قيادي، نظرا لانشغال الأجندة بالبرنامج التشريعي الجديد.
ويؤدي تقديم خطاب الملك مبكرا إلى تعثر تمرير عدد من مشاريع القوانين، إذ يوجد نحو 14 مشروع قانون في مراحل متقدمة، وقد يفشل ما يصل إلى نصفها في استكمال المسار التشريعي.
ويقول أحد النواب: "لقد اختاروا موعد خطاب الملك بناء على ما يفيد ستارمر، وليس ما يفيد البلاد. لقد أمضينا أشهرا في العمل على مشاريع قوانين لن تمر الآن عبر البرلمان، كل ذلك لمحاولة تشتيت وسائل الإعلام عن نتائج الانتخابات المحلية عند صدورها".
ويرى راينر أن هذا الأسلوب يعكس ذهنية قانونية أكثر من كونه نهجا سياسيا، مشيرا إلى أن ما قد ينقذ ستارمر هو طرح رؤية شاملة للبلاد، وهو أمر لا يتوقعه حتى مؤيدوه، خاصة أنه لم يقدم خطة واضحة خلال سنواته الأربع في المعارضة.
وتتزايد الشكوك حول إمكانية إجراء تعديل وزاري بعد الانتخابات المحلية، رغم تسريبات سابقة، إذ يرى أحد قدامى حزب العمال أن مثل هذه الخطوة صعبة حتى على القادة الأقوياء، مضيفا أن الوزراء قد يرفضون الانصياع لأي تغييرات، معتبرا أن ستارمر "يمتلك حكما سيئا ولن يتحسن"، وأنه يواصل إقالة الأشخاص للحفاظ على منصبه.
اظهار أخبار متعلقة
ويصف مصدر حكومي كبير الأجواء داخل الحكومة بأنها "كئيبة وباهتة"، مؤكدا أن "الجميع مكتئب"، في وقت امتنع فيه عدد من الوزراء عن المشاركة في الحملات الانتخابية خوفا من الارتباط بنتائج متوقعة سلبية.
واقتصر نشاط الحكومة خلال الأسبوع على الإعلان عن حظر قانوني للهواتف الذكية في المدارس، رغم الاعتراف بأن هذا الإجراء مطبق بالفعل، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإظهار اتخاذ قرارات، علما بأن حزب العمال كان قد رفض هذه الفكرة سابقا.
ويقر المصدر الحكومي بأن "المركز يحتاج إلى الجرأة" لتمرير إصلاحات حقيقية، لكنه "لا يستطيع لأنه ضعيف". وفي هذا السياق، ألقى وزير الطاقة إد ميليباند خطابا تعهد فيه بـ"المضي قدما لا التراجع" نحو الحياد الكربوني، وهو ما فاجأ مراقبين، إذ رأى مصدر في الحزب أنه تحرك بدافع الإحباط من غياب التقدم، مشيرا إلى أن ميليباند "يؤمن بقضية"، وقد يكون له دور في تحديد توقيت نهاية مرحلة ستارمر.
ويرى بعض نواب حزب العمال أن إزاحة ستارمر قد لا تحل الأزمة، إذ يخشون أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الوضع. وينقل عن عضو في مجلس اللوردات قوله إن النواب يعيشون حالة من التردد بين المطالبة برحيله والخشية من بدائل محتملة مثل أنجيلا راينر، ما يخلق حلقة مفرغة من النقاشات.
ويقارن قدامى العاملين في حكومة بوريس جونسون الوضع الحالي بآخر أيامه في المنصب، حيث يروي غوتو هاري، مدير الاتصالات السابق، أن الحكومة آنذاك عجزت عن تحويل خطط بناء محطات نووية إلى واقع بسبب الشكوك حول بقاء جونسون.
ويوضح هاري أن العمل في ظل أزمات متلاحقة يستهلك طاقة الحكومة ويؤثر على تركيزها ومعنوياتها، ويؤدي إلى تعقيد حتى المهام الروتينية، كما يضعف موقع رئيس الوزراء داخليا وخارجيا، مع توقف الخدمة المدنية عن تنفيذ المبادرات.
ويشير وزراء في الحكومة إلى أن "تغيير القائد لا يغير الأرقام"، في إشارة إلى استمرار تحديات العجز والدين العام، إلا أن غالبية حزب العمال ترى أن الفوز في الانتخابات المقبلة بوجود ستارمر بات أمرا غير مرجح، ما يجعل استبداله مسألة وقت.
اظهار أخبار متعلقة
ويزيد تصعيد ستارمر ضد الخدمة المدنية من حدة الأزمة، بعد تحميله إياها مسؤولية عدم إبلاغه بفشل اللورد ماندلسون في اجتياز التدقيق قبل تعيينه سفيرا لدى الولايات المتحدة، وهو ما قد يدفع الموظفين إلى التباطؤ أو الامتناع عن تنفيذ توجيهاته.
ويرى مراقبون أن هذا السلوك يعكس تركيز ستارمر على النجاة اليومية، إذ تمكن من تجاوز أزمة يوم الاثنين بإلقاء اللوم على مسؤولين، لكنه واجه تداعيات جديدة في اليوم التالي بعد ردود مضادة أمام البرلمان.
وينقل عن أحد أصدقاء ستارمر قوله: "سأكون متفاجئا جدا إذا استقال من تلقاء نفسه. الشيء الوحيد الذي يؤمن به هو نفسه، وهذا يتفوق على كل شيء. لا شيء خطؤه أبدا، لذلك لا يرى سببا لتحمل المسؤولية عن أي شيء".
ويتساءل أحد المطلعين في حزب العمال عن جدوى الحكومة الحالية، قائلا إنه لا يمكن تحديد إنجازات واضحة لستارمر، مقارنة حتى بحالات قصيرة مثل فترة ليز تراس.
ويعتمد بقاء ستارمر على عدم تحرك 81 نائبا من حزب العمال، أي 20 في المئة من الكتلة البرلمانية، لإطلاق انتخابات قيادية، ما قد يسمح له بالاستمرار في منصبه رغم حالة الجمود، في ظل إدارة يومية للأزمات دون رؤية واضحة.