WSJ: هل ستؤدي الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لعودة الحرب الأهلية إلى لبنان؟

الصحيفة رصدت مظاهر التفاوت والانقسام الاجتماعي - الأناضول
الصحيفة رصدت مظاهر التفاوت والانقسام الاجتماعي - الأناضول
شارك الخبر
وسط تصاعد التوترات الأمنية والسياسية في لبنان، تتزايد المخاوف من أن تتحول الضغوط الدولية والإقليمية لنزع سلاح حزب الله إلى شرارة قد تدفع البلاد نحو جولة جديدة من الصراع الداخلي، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمات اقتصادية ومؤسساتية عميقة تجعل قدرتها على فرض سيادتها موضع شك.

وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، في تقرير مطول، أن الحكومة اللبنانية تواجه ضغوطا متزايدة من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب أطراف داخلية لبنانية، لدفعها نحو مواجهة مع حزب الله بهدف تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار الأخير مع إسرائيل، والذي ينص على استعادة الدولة سيطرتها الكاملة على أراضيها تدريجيا ونزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته العسكرية.

وأشارت الصحيفة إلى أن لبنان يعاني أصلا من ضعف مؤسسات الدولة، إذ لا تتمكن الحكومة من توفير الكهرباء إلا لساعات محدودة يوميا، بينما فقدت العملة المحلية معظم قيمتها، وأصبح الدولار الوسيلة المفضلة للتعاملات المالية. كما أن الجيش اللبناني، رغم اعتباره المؤسسة الوطنية الأبرز، لا يزال يأتي في المرتبة الثانية من حيث القوة والنفوذ بعد حزب الله.

وبحسب التقرير، فإن خطة نزع سلاح الحزب ليست جديدة، فقد جرى العمل عليها بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضد حزب الله في أواخر عام 2024، وحققت تقدما محدودا قبل أن تتعثر مع تمسك الحزب بسلاحه ورفضه التخلي عنه. ويُعد حزب الله، الذي يمثل شريحة واسعة من الشيعة اللبنانيين، من أقوى التنظيمات المسلحة غير الحكومية في العالم.

ولفتت الصحيفة إلى أن المشهد اللبناني أصبح أكثر تعقيدا مع اتساع رقعة الصراع الإقليمي. ففي الوقت الذي تطالب فيه إيران بأن يشمل أي وقف لإطلاق النار في مواجهتها مع إسرائيل والولايات المتحدة الساحة اللبنانية أيضا، شهدت المنطقة تبادلا لإطلاق النار بين إسرائيل وإيران عقب غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، ما وضع اتفاق التهدئة الهش أمام اختبار جديد.

وأدت العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة، سواء البرية أو الجوية، إلى نزوح أكثر من مليون شخص داخل لبنان، يعيش عدد كبير منهم حاليا في مخيمات مؤقتة أو خيام منتشرة في شوارع بيروت. وذكرت الصحيفة أن النازحين الشيعة يواجهون في بعض المناطق حالة من النبذ والخشية من أن يؤدي وجودهم إلى استهداف تلك المناطق بغارات إسرائيلية، ما زاد من حدة التوترات بين الطوائف المختلفة.

ورغم تزايد الانتقادات الشعبية لحزب الله بسبب جر البلاد إلى حرب جديدة، فإن الجماعة، التي تعرضت لخسائر كبيرة خلال الحرب السابقة مع إسرائيل، تبدو أكثر تحديا، حيث بدأت تدعو اللبنانيين بشكل علني إلى النزول إلى الشوارع ومواجهة سياسات الحكومة.

ونقلت الصحيفة عن اللواء اللبناني المتقاعد خليل حلو، المعروف بمعارضته لحزب الله، قوله إن الجميع يعرف كيف يمكن أن تبدأ أي محاولة لنزع سلاح الحزب بالقوة، لكن لا أحد يستطيع توقع كيفية انتهائها.

وأكد التقرير أن لبنان ظل طوال تاريخه الحديث يعيش بين أزمات متكررة وصراعات إقليمية وطائفية حالت دون بسط سيادة الدولة بشكل كامل. واستعادت الصحيفة مشاهد الحرب الأهلية التي استمرت بين عامي 1975 و1990، حين تقاسمت الميليشيات الشيعية والسنية والمارونية والفلسطينية والدرزية السيطرة على مناطق مختلفة من البلاد، وتحولت بيروت إلى مدينة مقسمة تفصل بين أحيائها خطوط تماس وحواجز مسلحة.

كما استعرضت الصحيفة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي استهدف منظمة التحرير الفلسطينية ووصلت خلاله القوات الإسرائيلية إلى بيروت، قبل أن تستمر في احتلال أجزاء واسعة من جنوب لبنان حتى عام 2000.

وأوضحت أن كثيرا من اللبنانيين يرون في التطورات الحالية أصداء لتلك المرحلة المضطربة، خاصة مع استمرار الغارات الإسرائيلية وتصاعد الانقسامات الطائفية وتجدد النشاط العسكري لحزب الله.

وخلال جولة ميدانية في لبنان، رصدت الصحيفة مظاهر التفاوت والانقسام الاجتماعي. ففي منطقة زيتونة باي الراقية بالعاصمة بيروت، يواصل الأثرياء حياتهم الطبيعية داخل المطاعم الفاخرة وعلى متن اليخوت، بينما يعيش على بعد أمتار قليلة مئات النازحين، معظمهم من الشيعة إضافة إلى فلسطينيين وسوريين، داخل مخيمات وخيام مؤقتة.

اظهار أخبار متعلقة


وقال بعض النازحين للصحيفة إن ملاك العقارات رفضوا تأجيرهم مساكن بسبب انتماءاتهم الطائفية، في حين اتخذ مسجد القنطاري السني موقفا مختلفا عبر فتح أبوابه أمام النازحين وتقديم المساعدات لهم.

ونقلت الصحيفة عن إمام المسجد عماد صبح قوله إن بعض المصلين أبدوا اعتراضهم على استقبال أفراد من البيئة الحاضنة لحزب الله، محذرين من احتمال استهداف المنطقة إذا وُجد بين النازحين عناصر تابعون للحزب.

وأضاف صبح أن الحرب الحالية تختلف عن حرب عام 2024، لأن الانقسامات الطائفية باتت أكثر وضوحا، مشيرا إلى أنه سمع للمرة الأولى أصواتا من بعض أبناء الطائفة السنية تؤيد الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله وأنصاره، وهو أمر لم يكن مألوفا في السابق.

ووفقا للتقرير، فإن ضعف الدولة في مواجهة حزب الله أدى إلى تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية وارتفاع مستويات الاحتقان والعنف خارج الأطر القانونية. ففي بعض المناطق المسيحية شرق بيروت، بدأت مجموعات مسلحة مرتبطة بتيارات يمينية في الظهور مجددا، في مشهد يذكّر بفترات سابقة من تاريخ البلاد.

وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل أعلنت بوضوح أنها ستواصل استهداف عناصر حزب الله أينما وجدوا، حتى خارج مناطق نفوذ الحزب التقليدية. وذكرت أن إحدى الغارات الإسرائيلية على بلدة عين سعادة المسيحية أدت إلى مقتل بيير معوض، المسؤول في حزب القوات اللبنانية المعارض لحزب الله، إلى جانب زوجته وأحد جيرانه.

وقال الجيش الإسرائيلي إن الغارة استهدفت مركز قيادة عسكريا تابعا لحزب الله، معربا عن أسفه لسقوط مدنيين خلال العملية.

وأعقب الحادثة تصاعد للتوتر المحلي، حيث أفاد مسؤولون بأن بعض ملاك العقارات طردوا عائلات شيعية من مساكنها، بينما شهدت جنازة معوض استعراضا مسلحا تخلله إطلاق نار في الهواء.

كما سلط التقرير الضوء على الغارة الجوية الواسعة التي شنتها إسرائيل في الثامن من أبريل، واستهدفت خلالها مئة موقع في أنحاء لبنان خلال أقل من دقيقة ونصف، بما في ذلك أحياء راقية ومناطق سياحية في بيروت، الأمر الذي زاد من حالة القلق والخوف داخل المجتمع اللبناني.

ورأت الصحيفة أن لبنان كان بالفعل على حافة الانهيار قبل سنوات، بعد الأزمة المصرفية الحادة والانفجار المدمر الذي هز مرفأ بيروت وتعطل الحياة السياسية لفترات طويلة بسبب الخلافات المرتبطة بحزب الله.

وأضافت أن تراجع نفوذ الحزب بعد حرب 2024 أتاح فرصة أمام الدولة اللبنانية لإعادة ترتيب المشهد السياسي، وهو ما تُرجم بانتخاب جوزيف عون رئيسا للجمهورية، وسط دعم أمريكي لمساعي الحكومة لتعزيز سيادتها.

وباشرت القوات المسلحة اللبنانية عمليات لمصادرة مواقع ومستودعات أسلحة تابعة لحزب الله في الجنوب، في خطوات حظيت بإشادة أمريكية وإسرائيلية، كما استفادت أحيانا من معلومات استخباراتية إسرائيلية. إلا أن هذه الجهود تباطأت لاحقا مع نجاح الحزب في إعادة بناء جزء من قدراته العسكرية.

ونقلت الصحيفة عن يوسف الزين، مدير العلاقات الإعلامية في حزب الله، قوله إن إسرائيل كانت تسعى لمنع الحزب من استعادة قوته، بينما كان الحزب يعمل في المقابل على إعادة بناء قدراته العسكرية ومستعدا لتحمل تبعات ذلك.

كما أشارت إلى أن الحكومة اللبنانية فشلت في منع الحزب من الانخراط في الحرب إلى جانب إيران، رغم قرارات رسمية صدرت لحظر أنشطته العسكرية.

واستشهد التقرير بتصريحات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الذي أكد في خطاب سابق أن نزع سلاح الحزب يمثل بالنسبة إليه "إبادة" للجماعة، مؤكدا رفض هذا الخيار بشكل كامل.

ورغم الجهود الأمريكية لدعم الجيش اللبناني، ترى الصحيفة أن المؤسسة العسكرية تواجه معضلة حقيقية، فهي تمثل جميع الطوائف اللبنانية وتسعى للحفاظ على دورها كعامل استقرار، في حين أن الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله قد يهدد وحدتها الداخلية.

وأوضحت أن كثيرا من العسكريين اللبنانيين لا يرغبون في الظهور بمظهر الجهة التي تنفذ أجندة إسرائيلية، كما أن عددا منهم لا يملك الحافز للقتال ضد مواطنين لبنانيين حتى لو كانوا منتمين إلى حزب الله.

وفي المقابل، ورغم آلاف الضربات التي نفذتها إسرائيل ضد الحزب منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، فإن الحزب تمكن من استعادة جزء من قوته العسكرية وتطوير أساليب قتالية جديدة، بينها استخدام طائرات مسيرة مفخخة موجهة بالألياف الضوئية، وهو ما يمثل تحديا متزايدا للجيش الإسرائيلي.

ويرى محللون، بحسب الصحيفة، أن أي محاولة إسرائيلية لنزع سلاح حزب الله بالقوة قد تدفع إسرائيل إلى حرب طويلة ومعقدة وربما إلى احتلال جديد لأجزاء من لبنان.

وفي ظل هذه المعطيات، تبرز مبادرات تقودها الولايات المتحدة لإطلاق مسار سياسي وأمني بين إسرائيل والحكومة اللبنانية دون مشاركة مباشرة من حزب الله. وتستضيف واشنطن محادثات مباشرة نادرة بين الجانبين، كما تعمل على تعزيز التنسيق الأمني بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.

وكشف مسؤولون لبنانيون للصحيفة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يرغب في عقد لقاء يجمع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلا أن عون رفض الفكرة خشية تداعياتها السياسية داخليا.

وفي الوقت ذاته، يدرك الرئيس اللبناني أن إسرائيل تسعى إلى تأمين حدودها الشمالية وضمان أن تكون القوات المسلحة اللبنانية الجهة الوحيدة المسلحة على الجانب اللبناني من الحدود.

وتقوم الخطة الحالية، وفق مسؤولين لبنانيين، على انسحاب إسرائيلي تدريجي من بعض المناطق مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها وبسط سيطرته عليها، وهو ما بدأ بالفعل مع انسحاب القوات الإسرائيلية من بلدة دبين الجنوبية وحلول القوات اللبنانية مكانها.

وترى أوساط رسمية لبنانية أن الحرب الأخيرة منحت الدولة فرصة لإعادة بناء سلطتها، خصوصا بعد تراجع صورة حزب الله لدى جزء من الشارع الشيعي نتيجة الخسائر الكبيرة التي لحقت بالبلاد والانكشاف الأمني الذي تعرض له الحزب أمام الاستخبارات الإسرائيلية.

لكن الصحيفة تؤكد أن الطريق لا يزال طويلا وصعبا، فضعف مؤسسات الدولة يظهر حتى في الملفات اليومية البسيطة. واستشهدت بحادثة شهدتها بيروت في أبريل عندما واجهت قوات الأمن احتجاجات واشتباكات أثناء محاولة اعتقال مشغل مولدات كهربائية مخالف للقوانين داخل منطقة سنية، حيث تساءل السكان عن سبب تطبيق القانون عليهم بينما يعجز المسؤولون عن فرضه على حزب الله.

ونقلت عن النائب وضاح الصادق قوله إن حالة الاستياء الشعبي تتزايد بسبب ما يراه المواطنون تطبيقا انتقائيا وغير متوازن للقوانين، محذرا من أن هذه الرسائل تعكس استعداد بعض الفئات للجوء إلى أساليب مشابهة لفرض مطالبها.

وختمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن شبح الحرب الأهلية لا يزال حاضرا في ذاكرة اللبنانيين، وأن التوترات الطائفية والاحتقان السياسي والأمني المتصاعد يجعل البلاد أمام اختبار بالغ الخطورة، في وقت يحذر فيه مراقبون من أن جميع مقومات الاضطرابات المدنية باتت موجودة على الأرض، وسط تصاعد المشاعر والانقسامات بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني.
التعليقات (0)