كيف استثمرت باكستان الحرب الإيرانية لتحسين صورتها؟

استضافت باكستان أول اجتماعات رفيعة المستوى وجها لوجه بين إيران والولايات المتحدة منذ أكثر من عقد- جيتي
استضافت باكستان أول اجتماعات رفيعة المستوى وجها لوجه بين إيران والولايات المتحدة منذ أكثر من عقد- جيتي
شارك الخبر
نشرت مجلة "نيويوركر" مقالا للصحفي سودارسان راغافان قال فيه إن ظهور باكستان كوسيط غير متوقع بين الولايات المتحدة وإيران يوضح كيف أصبحت الدبلوماسية أكثر شخصية ونفعية في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأشار الصحفي إلى موقف ترامب خلال ولايته الأولى، إذ نشر في الأول من كانون الثاني/يناير 2018 تغريدة قال فيها: : "لقد منحت الولايات المتحدة باكستان، بتهوّر، أكثر من 33 مليار دولار كمساعدات على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، ولم تقدم لنا باكستان سوى الأكاذيب والخداع، معتبرة قادتنا حمقى، إنهم يوفرون ملاذا آمنا للإرهابيين الذين نطاردهم في أفغانستان، دون تقديم أي مساعدة تُذكر. كفى!".

وبعد ثلاثة أيام، قطعت الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات من المساعدات العسكرية عن إسلام آباد.

وفي ولاية ترامب الثانية، تغيرت العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان مرة أخرى: فاليوم، تساعد إسلام آباد ترامب في إيجاد مخرج من أزمة افتعلها بنفسه مع إيران، وهي حرب هزّت الاقتصاد العالمي وأضعفت الحزب الجمهوري قبيل انتخابات التجديد النصفي.

بصفتها الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران، اكتسبت باكستان مصداقية جديدة كوسيط سلام وشريك أمني، محققة ما لم تستطع أي دولة أو هيئة دولية أخرى تحقيقه: استضافة أول اجتماعات رفيعة المستوى وجها لوجه بين إيران والولايات المتحدة منذ أكثر من عقد.

وكانت باكستان في أمس الحاجة إلى تحسين صورتها، فالبلاد، التي يُديرها جيشها إلى حد كبير، تُعاني من عدم استقرار سياسي واقتصادي، يتسم بتزايد القمع الحكومي والإرهاب والتمردات الداخلية والديون الضخمة، وقد قاد الجيش نفسه، الذي يُشرف على الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، حملة سجن رئيس الوزراء السابق عمران خان، وهي خطوة لاقت إدانة واسعة من الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان الدولية.

كما تخوض باكستان حربها الخاصة مع حركة طالبان في أفغانستان، وهي جماعة دعمتها إسلام آباد في السابق، في حين لا تزال التوترات مع الهند، عدوها الإقليمي الرئيسي، على أشدها.

اظهار أخبار متعلقة



وقال مايكل كوغلمان، الباحث البارز في شؤون جنوب آسيا بالمجلس الأطلسي: "حتى لو انهارت المحادثات ولم يتم التوصل إلى اتفاق، ستظل باكستان هي الرابحة. إنه تحولٌ ملحوظ، إذ يبدو أنها تطورت من دولة منبوذة إلى صانعة سلام".

ويقود هذا الانفراج الجديد لباكستان المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني وأقوى شخصياته، والذي نسج علاقات وثيقة مع ترامب. وبحسب رايان كروكر، السفير الأمريكي السابق لدى باكستان: "لقد أدرك الباكستانيون، كغيرهم، كيف تُدار اللعبة مع ترامب، وقد أتقنوها ببراعة. افعل ما يُرضيه، وتملّقه بلا خجل، وقدّم صورة تُعجبه".

لعقود، اتسمت العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة بالتوتر الشديد، وإن كانت تكافلية، لطالما كانت إسلام آباد حذرة من أهداف الولايات المتحدة ووعودها، لا سيما بعد أن تخلت أمريكا عن باكستان عقب الانسحاب السوفيتي من أفغانستان عام 1989.

بعد أن حققت واشنطن أهدافها الجيوسياسية، خفضت المساعدات العسكرية والاقتصادية وتُركت باكستان لتواجه تداعيات الحرب الأهلية الأفغانية والتي شملت استقبال ما يقرب من أربعة ملايين لاجئ أفغاني.

وسعيا لتحقيق الاستقرار في جارتها وتأسيس حكومة موالية لها، ساعدت وكالة الاستخبارات الباكستانية القوية، المعروفة باسم "ISI"، في إنشاء ودعم حركة طالبان، التي سيطرت على أفغانستان لأول مرة عام 1996.

بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر والإطاحة اللاحقة بطالبان، أصبحت إسلام آباد شريكا حيويا في مكافحة الإرهاب، لكن سرعان ما اتهم مسؤولون عسكريون واستخباراتيون أمريكيون باكستان بممارسة لعبة مزدوجة بدعمها سريا طالبان وشبكة حقاني.

ومن جانبها، اتهمت باكستان واشنطن بازدواجية المعايير، إذ اعتمدت على باكستان كشريك في مكافحة الإرهاب، لكنها لم تدعمها بشكل كامل في صراعاتها مع الهند.

وفي عام 2011، خلال رئاسة باراك أوباما، وصلت العلاقات الأمريكية الباكستانية إلى أدنى مستوياتها. في ذلك العام، عثرت القوات الخاصة الأمريكية على أسامة بن لادن وقتلته في مخبئه في أبوت آباد، باكستان، في عملية نفذتها الحكومة الأمريكية دون إبلاغ إسلام آباد، التي اتُهمت بإيواء بن لادن عن علم.

واستمرت العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان بدافع الضرورة الاستراتيجية، حتى بعد مقتل بن لادن، ظلت باكستان بوابة رئيسية لدخول القوات والإمدادات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى أفغانستان.

وتبادلت إسلام آباد وواشنطن معلومات استخباراتية أدت إلى القبض على قادة ومقاتلين من تنظيم القاعدة، لا سيما أولئك الذين هددوا الدولة الباكستانية.

كما لعبت باكستان دورا خفيا في تيسير محادثات السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، تراجعت الأهمية الجيوسياسية لباكستان، إذ سعت واشنطن إلى كسب ود الهند كحصن منيع ضد طموحات الصين.

في ذلك العام، لم تُخصص الولايات المتحدة لباكستان سوى 87 مليون دولار من المساعدات، وهو أدنى مبلغ منذ عشرين عاما.

عندما عاد ترامب إلى منصبه العام الماضي، انتهزت باكستان الفرصة لإعادة ضبط علاقاتها مع واشنطن.

وبالتعاون مع الولايات المتحدة، ألقت القوات الباكستانية القبض على محمد شريف الله، العقل المدبر المزعوم لتفجير مطار كابول في آب/ أغسطس 2021، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 170 شخصا، بينهم ثلاثة عشر جنديا أمريكيا، وذلك أثناء إجلاء الجيش الأمريكي للأفغان عقب سيطرة طالبان على المطار.

وسُلّم شريف الله إلى الولايات المتحدة لمواجهة التهم الموجهة إليه، مما منح ترامب انتصارا فوريا في بداية ولايته الثانية. وفي خطابه أمام الكونغرس العام الماضي، شكر ترامب إسلام آباد "للمساعدة في القبض على هذا الوحش".

وفي بداية ولايته الرئاسية، وافق ترامب على تقديم مساعدات عسكرية لباكستان بقيمة تقارب أربعمئة مليون دولار.

ثم، في أيار/ مايو، تبادلت الهند وباكستان، الجارتان النوويتان، الضربات لمدة أربعة أيام. وعندما انتهى النزاع بوقف إطلاق النار، نسب ترامب الفضل لنفسه، وقال لاحقا إنه منع "حربا نووية".

اظهار أخبار متعلقة



رفضت نيودلهي مزاعم ترامب، وقالت إنها توصلت إلى الهدنة مباشرة مع إسلام آباد. مع  ذلك، صرّح رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، بأن ترامب قد لعب "دورا محوريا وهاما".

وبعد أسابيع قليلة، رشّحت باكستان رسميا ترامب لجائزة نوبل للسلام، مُعلنة أن الرئيس الأمريكي قد أظهر "بصيرة استراتيجية عظيمة وحكمة سياسية بارزة" في منع نشوب صراع أوسع بين "دولتين نوويتين". وقالت فرزانة شيخ، الخبيرة في الشؤون الباكستانية في مركز تشاتام هاوس للأبحاث بلندن: "أدركت باكستان أن هذه فرصة سانحة".

وأشا المقال إلى أن التحول الذي جعل باكستان وسيطا في الحرب الأمريكية الإيرانية، قد يكون مرتبطا بلقاء جمع ترامب بالمشير عاصم منير قبل نحو عام، فبعد التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، استضاف ترامب منير على مأدبة غداء خاصة في البيت الأبيض، بينما كانت الحرب المستمرة بين دولة الاحتلال وإيران لا تزال دائرة.

ونددت إسلام آباد مؤخرا بالضربات الإسرائيلية على إيران باعتبارها انتهاكا للقانون الدولي. وكان من المتوقع أن يحث منير ترامب على عدم التدخل في الصراع والسعي إلى وقف إطلاق النار.

وخلال الاجتماع، الذي استمر نحو ساعتين، ناقش ترامب ومنير التوترات بين دولة الاحتلال وإيران، والتنمية الاقتصادية، والمناجم والمعادن، والطاقة، والعملات المشفرة، وفقا للجيش الباكستاني. وبعد الاجتماع، صرّح ترامب للصحفيين بأن الباكستانيين "يعرفون إيران جيدا، أفضل من معظم الناس". كما وصف منير مرارا بأنه "مشيري المفضل".

وفي الشهر التالي، وبعد أن قصفت الطائرات الحربية الأمريكية ثلاثة مواقع نووية إيرانية، أشاد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، خلال اجتماع مع كبار المسؤولين الباكستانيين، باستعداد إسلام آباد للعب دور الوسيط مع إيران.

وتأمل باكستان أن تجلب لها مكانتها الجديدة مكاسب اقتصادية. وقد وسّع منير صلاحياته لتشمل الإشراف على تجارة البلاد واستثماراتها الخارجية، وتوالت الصفقات.

ففي أيلول/ سبتمبر، وقّعت شركة "يو إس ستراتيجيك ميتالز" اتفاقية استثمار بقيمة خمسمئة مليون دولار مع الجيش الباكستاني لاستخراج معادن مثل الذهب والنحاس والأنتيمون، بعد أيام قليلة، دُعي منير مجددا إلى البيت الأبيض، هذه المرة برفقة رئيس الوزراء شريف، لمناقشة طموحات باكستان في مجال المعادن الحيوية.

وفي الشهر نفسه، وقّعت باكستان اتفاقية دفاعية مع السعودية. وفي كانون الثاني/ يناير، أشرف منير أيضا على توقيع شراكة في مجال العملات الرقمية بين باكستان وشركة تابعة لشركة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، وهي شركة شارك ترامب في تأسيسها.

وأكد الكاتب أنه لا شك في أن باكستان ستجني الكثير إذا انتهت الحرب مع إيران، حيث تعتمد باكستان بشكل كبير على النفط والأسمدة التي تتدفق عبر مضيق هرمز، الذي أغلق فعليا بسبب الحصار الأمريكي والإيراني المتنافس.

كما تُهدد الحرب تحويلات ملايين العمال الباكستانيين في الخليج العربي، والتي تُقدر بنحو 38 مليار دولار سنويا، أي ما يُعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي لباكستان. تشترك باكستان في حدود مع إيران، وتضم أكبر جالية شيعية خارج إيران.

وبطريقة ما، كانت باكستان الخيار الواقعي الوحيد، بعد أن استُهدفت الدول الوسيطة التقليدية مثل قطر وعُمان، اللتين تتواجد فيهما قواعد عسكرية أمريكية - بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية ردا على ذلك، مما جعلها غير محايدة.

وبحسب المقال، تواجه باكستان الآن وضعا دقيقا يتطلب منها تحقيق توازن دقيق، إذ يتعين عليها التوفيق بين مطالب الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج العربي، وحتى دولة الاحتلال وإن كان ذلك بشكل غير مباشر عبر واشنطن، الذين يرغبون جميعا في إنهاء الحرب، ولكن بشروط مختلفة، وعليها أن تفعل ذلك دون أن تبدو منحازة لأي طرف، فإذا نُظر إلى باكستان على أنها قريبة جدا من واشنطن أو الرياض، فقد تواجه ردود فعل عنيفة من إيران عسكريا وسياسيا، فضلا عن ردود فعل سلبية من الأقلية الشيعية المضطربة في باكستان، وإذا بدا أنها تُحابي طهران، فقد تُضيّق دول الخليج الخناق على ملايين العمال الباكستانيين الذين تُشكّل تحويلاتهم المالية ركيزة الاقتصاد.

كما أن علاقة البلاد المتنامية مع ترامب قد تُؤدي إلى اضطرابات داخلية. ففي أواخر مايو/أيار، حاول ترامب الضغط على عدة دول ذات أغلبية مسلمة، من بينها باكستان، لتوقيع اتفاقيات أبراهام، التي تُطبع العلاقات مع دولة الاحتلال.

وقالت رابعة أختر، خبيرة شؤون الأمن في جنوب آسيا وعميدة كلية العلوم الاجتماعية بجامعة لاهور: "إن أي خطوة تبدو وكأنها تخلي عن القضية الفلسطينية ستكون بمثابة انفجار سياسي داخل باكستان".

اظهار أخبار متعلقة



وأثارت محاولات إسلام آباد للتماشي مع هذا الموقف انتقادات لاذعة من الجمهوريين المتشددين. كتب السيناتور ليندسي غراهام في منشور على منصة "إكس" الأسبوع الماضي: "لقد بات واضحا لي منذ فترة طويلة أن باكستان كوسيط تُشكّل إشكالية كبيرة، فعداؤها لإسرائيل متأصل منذ زمن طويل".

وفيما يتعلق بتنافسها مع الهند، فقد استفادت باكستان بالفعل، أدى تجاهل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لترامب في جائزة نوبل للسلام إلى فرض واشنطن تعريفات جمركية عالية على الهند، وفقا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز العام الماضي.

وتفاقمت العلاقات الأمريكية الهندية بعد أن فرضت إدارة ترامب رسوما قدرها مئة ألف دولار وقيودا أخرى على تأشيرات  H1-B، وهي سياسة أثرت بشكل غير متناسب على العمال المهرة من الهند، زاد تجدد وصول باكستان إلى ترامب من مخاوف الهند من أنها لم تعد شريكا لا غنى عنه لواشنطن في آسيا.

وبينما تتلقى باكستان إشادة من ترامب وقادة آخرين في المنطقة لجهودها في الوساطة، يستغل الجيش الباكستاني هذا البروز العالمي كغطاء لتعزيز قبضته على السلطة داخل البلاد، وإذا تم التوصل إلى اتفاق، تأمل باكستان في الحصول على المزيد من المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية، وصفقات الاستثمار، والشراكات التجارية، والتمويل من دول الخليج، واستمرار دعم ترامب، لكن لا ينبغي لها بالضرورة أن تتوقع الكثير.

وكما أوضحت فرزانة شيخ، في آخر مرة لعبت فيها باكستان دور الوسيط المهم بتسهيل التقارب الأمريكي الصيني عام 1971 توقعت من واشنطن، في المقابل، منع انفصال شرق باكستان، وأرسلت الولايات المتحدة قوات بحرية كبادرة، لكنها لم تفعل الكثير غير ذلك، وأصبحت شرق باكستان بنغلاديش.
التعليقات (0)