ترصد الأوساط الاسرائيلية جهود الوساطة التي تقوم بها
تركيا، بوصفها جزءاً من "حملة نفوذ وتنافس على القيادة الإقليمية" مع تحركات لتعميق تعاونها الأمني مع السعودية وباكستان، وإقامة علاقات وثيقة مع قطر، وذلك مع تزايد عدد الدول الوسيطة لوقف الحرب على إيران.
وقال المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي، وخبير قضايا الشرق الأوسط وأفريقيا، روعي بنياميني: إنه "رغم أن العناوين الرئيسية حول المحادثات الوثيقة لوقف الحرب على إيران ظهرت في إسلام أباد، عاصمة باكستان، وباتت تلفت الأنظار، فمن الجدير بنا أن ننتبه لوسيط آخر معروف، لا ينبع نشاطه النشط في مجال التهدئة من اعتبارات تتعلق باستقرار المنطقة فحسب، بل ومن دوافع أعمق، وقد يشكل بعضها أيضاً تحدياً لإسرائيل في اليوم التالي".
وأضاف بنياميني في مقال نشرته صحيفة "
يديعوت أحرونوت"، وترجمته "عربي21" أن "الأسبوع الماضي شهدت حركة دبلوماسية مكثفة من جانب تركيا، من خلال اتصالات ومحادثات أجراها وزير خارجيتها هاكان فيدان مع كبار المسؤولين الأمريكيين، ومع نظيره الإيراني عباس عراقجي، فضلا عن التنسيق مع وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار إلى أن "جهود الوساطة التركية، تعكس بجانب خوفها الحقيقي من عواقب تفاقم الحرب على الاقتصاد، والوضع في الداخل، وجود دوافع أعمق للتنافس على النفوذ، وثقل موازن للهيمنة
الإسرائيلية في المنطقة، ورغبة بتسليط الضوء أمام إدارة ترامب على أصولها كقوة سياسية تساعد في إحلال السلام والاستقرار".
وأوضح أن "نشاط
أنقرة السريع لإنهاء الحرب مع إيران ينبع من مجموعة متنوعة من الاعتبارات، سواء تلك التي تؤثر على ساحتها الداخلية، أو الأوسع والأكثر استراتيجية، ففي الجانب الداخلي، يخلق تعميق الحرب مع إيران، واحتمال انهيار النظام سيناريوهات سلبية في نظر الأتراك، ليس بسبب التعاطف المفرط معها، أو الود بها، بل بسبب ما يترتب على ذلك من عواقب على تركيا نفسها".
وأكد أن "دوافع تركيا لوقف الحرب على إيران تكمن في خوفها من ظاهرتي الهجرة واللجوء، وتقويض ركائزها الطاقة والاقتصادية، فضلا عن الخوف من استغلال الأحداث لرفع رأس الأقلية الكردية فيها، وقرب حدودها، وهو ما يمكن أن يفسر رد فعلها المحايد نسبياً، بالتأكيد فيما يتعلق بدول الخليج، بعد إطلاق صواريخ إيران على أراضيها، واختيارها عدم مواجهتها بشكل مباشر".
وأضاف أنه "على مستوى أوسع، تشكل جهود الوساطة التركية جزءاً من حملة نفوذ ومنافسة على القيادة الإقليمية، يضاف لذلك خطوات مثل تعميق تعاونها الأمني مع السعودية وباكستان، وإقامة علاقات وثيقة مع قطر، التي تعمل كمرساة اقتصادية ومنصة للتأثير الأيديولوجي في روح جماعة الإخوان المسلمين، ولنتذكر أيضاً دور تركيا في تشكيل الواقع الجديد في سوريا".
وأشار إلى أن "حملة النفوذ التركي، كما تراها إسرائيل، لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط: ففي أفريقيا ومناطق الصراع في ليبيا والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل، تجد تركيا أرضاً مواتية لتوسيع موطئ قدمها في الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية، وحتى الثقافية والدينية، وبالعودة لمشاركتها في الوساطة الحالية مع إيران، تسعى تركيا لوضع نفسها كمفترق طرق يربط بين واشنطن وطهران ودول الخليج والعالم العربي برمته، تبني لنفسها هيمنة عامل قيادي لا يمكن تجاوزه فيما يتعلق بتشكيل الواقع في الأيام التالية للحرب".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أنه "خلافاً لطموح إسرائيل لإسقاط النظام الإيراني، وتحييد قدراته العسكرية الخطيرة، تسعى تركيا فعلياً للحفاظ عليه سليماً لكل الأسباب المذكورة، وهنا يكمن التحدي لإسرائيل أيضاً، فبالنسبة لأنقرة، تُعدُّ التهدئة الفورية مع إيران ضرورة اقتصادية واستراتيجية، وعندما يؤدي ذلك لإنجاز دبلوماسي سريع للحكومة الأمريكية مع تقليل مخاطر التورط العسكري، فإن هذا يعد ربحًا آخر يمكنها أن تقطع عليه قسيمة".
وأكد أنه "بالنسبة لإسرائيل فإن التوصل إلى اتفاق سريع للحرب مع إيران لا يواجه المشاكل الأساسية التي بدأت من أجلها، مما يضع أمامها إشكالية تتمثل بأن إنهاء الحرب دون إلحاق أضرار جسيمة بالقضايا النووية، والصواريخ الباليستية، والوكلاء مثل حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، لا يحل المشكلة من جذورها، بل يجمدها في ظل ظروف أكثر ملاءمة لإيران".
وأشار أنه "كلما نجحت تركيا بوضع نفسها كوسيط فعال في نظر واشنطن، كلما زاد احتمال أن تتغلب مصلحة الاستقرار السريع والواضح من خلال نوع ما من "التسوية المؤقتة" على المطالب الإسرائيلية بالعمق، وفي مثل هذا الواقع، قد تجد إسرائيل في اليوم التالي للحرب نظامًا إيرانيًا لا يزال يتدخل في النظام الإقليمي المرغوب، جنبًا إلى جنب مع مشاركة أعمق لتركيا في الواقع".
رغم السابق لأوانه التنبؤ بما إذا كانت التصريحات الأمريكية حول وقف الحرب مع إيران ستترجم إلى واقع على الأرض، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه دولة
الاحتلال لا يتمثل فقط بمنع التوصل لتسوية إشكالية تشمل الأطراف المعنية مثل تركيا، ولكن في بدء وتصميم بديل أكثر فعالية، سيُنظر إليه على أنه إنجاز دبلوماسي لها، وهنا يكمن التحدي الجديد الذي يواجه الاحتلال أمام زيادة نفوذ تركيا في المنطقة.