مع إحياء العديد من عواصم العالم للذكرى الثامنة والسبعين للنكبة
الفلسطينية، تتوجه الأنظار الإسرائيلية نحو إحياء هذه المناسبة في ولاية نيويورك، حيث عُمدتها، زهران
ممداني، الذي يواصل إنكار الاعتراف بدولة
الاحتلال الإسرائيلي.
ذكر خبير الصراع الفلسطيني الاسرائيلي عوزي رابي، أن "ممداني، الذي يمثل اليسار التقدمي، أصبحت القضية الفلسطينية جزءا من هويته السياسية القائمة على النضال العالمي ضد الظالمين، ويمثل هذا التغيير انهيارا للإجماع حول إسرائيل في الولايات المتحدة، ولم تعد العاصفة المحيطة بممداني ويوم
النكبة مجرد نقاش مفصل حول إسرائيل أو الفلسطينيين، بل تعبير عن صراع بين روايتين تاريخيتين، ولغتين أخلاقيتين".
وأضاف في
مقال نشره موقع ويللا ، وترجمته "عربي 21" أن "ممداني يتبنّى فعليا الرواية الفلسطينية لعام 1948 بكل معانيها، ويرى أن "النكبة" ليست مجرد حدث تاريخي، بل مفهوم عالمي، ورمز لفقدان الوطن، وتفكك المجتمع، واستمرار القمع، ويكمن الابتكار الرئيسي في أن القضية الفلسطينية لم تعد تنظر إليها كصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين فحسب، بل كجزء من خطاب عالمي لـ "الظالمين" و"المظلومين".
وأوضح أن النكبة الفلسطينية بالنسبة لجيل جديد من السياسيين التقدميين في الولايات المتحدة، وكثير منهم من نسل المهاجرين والأقليات، فإن قضية فلسطين ليست مجرد موقف في السياسة الخارجية، بل جزء من الهوية السياسية، ويُعدّ ممداني تعبيرًا واضحًا عن هذا التيار، فهو ليس سياسيًا مسلمًا "طائفيا" بالمعنى التقليدي، بل يُمثل صلة جديدة بين اليسار التقدمي، وسياسات الهوية، والتطرف المؤيد للفلسطينيين.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار أن البعض يصف المواقف الأمريكية المؤيدة للفلسطينيين من شتى الانتماءات الفكرية والأصول الأيديولوجية، بـ "التحالف الأحمر الأخضر"، من خلال لقاء بين خطاب اليسار الراديكالي وخطاب سياسي إسلامي مناهض للغرب وإسرائيل، ليس الأمر دائما تحالفًا تنظيميًا محكمًا، لكنه بالتأكيد ائتلاف من الأفكار: مناهضة الاستعمار، وريبة عميقة تجاه إسرائيل، وعداء للمؤسسة الأمريكية القديمة، والتعاطف مع الفلسطينيين كرمز لنضال عالمي.
وأكد أن ما يُثير قلق إسرائيليين كثيرين هو الشعور بأن ممداني والدوائر الأيديولوجية المحيطة به لا يتحدون السياسة الإسرائيلية فحسب، بل فكرة الدولة اليهودية نفسها، ليس الأمر نقاشا حول حل الدولتين، ولا نزاعا على الحدود، ولا نقاشا عاديا حول حكومة إسرائيلية دون أخرى، بل تحدّ لشرعية السيادة اليهودية المستقلة، وعندما يُنسب هذا الموقف إلى عمدة نيويورك التي تضم أكبر جالية يهودية في العالم خارج إسرائيل، يصبحالمعنى قاسيًا.
وأضاف أن "ممداني يُمثل تيارًا تقدميًا جديدًا يتبنى رواية "النكبة" كدليل على أن قيام إسرائيل نفسه كان مشروعا استعماريًا غير شرعي، وبمجرد أن يصبح الإطار الأخلاقي هو "الاستعمار"، فإن النتيجة، في نظر بعض النشطاء، ليست تصحيحًا أو تسوية أو ترتيبًا، بل نزعًا للشرعية عن البنية بأكملها، وهنا يحدث تصادم قطارات"، فبالنسبة للعديد من الإسرائيليين واليهود، تمثل الدولة اليهودية ردا على المحرقة؛ أما بالنسبة لبعض أطياف اليسار التقدمي الجديد، فتقدم هذه الدولة نفسها كجزء من نظام عالمي للقمع والاستعمار وعدم المساواة".
وأشار أنه لم يعد النقاش يدور حول الحدود أو السياسات أو حكومة معينة في إسرائيل، بل حول شرعية الرواية الصهيونية ذاتها، مع أنه لعقود، تمتعت الرواية الإسرائيلية بمكانة شبه إجماعية في المؤسسة السياسية الأمريكية، وظل الفلسطينيون في الغالب على هامش الخطاب، لكن الآن يحدث تغيير جوهري، لأن جيلا جديدا مستعدا للتحدث عن إسرائيل بلغة كانت حكرًا على الأنظمة الاستعمارية، وللنظر إلى الفلسطينيين لا كطرف في الصراع، بل كمجتمع مضطهد".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أن "ممداني لم يُحدث هذا التغيير بمفرده، بل منحه صوتًا ووجها وشرعية شعبية، لذا، يصعب اعتباره ظاهرة معزولة، فهو إلى حد كبير الثمرة السياسية لعملية فكرية طويلة جرت في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، وبعد أن فشلت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) في عزل إسرائيل اقتصاديًا، لكنها نجحت نجاحًا باهرًا في مجال آخر من خلال تشكيل الوعي. فقد خلقت جيلا من النشطاء والطلاب والسياسيين الذين يتحدثون عن إسرائيل بلغة أخلاقية جديدة كليا".
وختم بالقول إن "هذا التغيير ينتقل بالفعل من الجامعات إلى السياسة الوطنية، فإذا كانت هذه المواقف في الماضي على هامش اليسار الأمريكي الراديكالي، فإنها اليوم تدخل قلب المدن الكبرى ومجالسها وهيئاتها المنتخبة، ويرمز ممداني لهذا الانتقال من الأوساط الأكاديمية إلى الساحة السياسية، وبهذا المعنى، فإن عاصفة النكبة ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشر على أن الموقف تجاه إسرائيل في أمريكا لم يعد قائماً على إجماع قديم، بل دخل ساحة جديدة أكثر استقطاباً، حيث تتصادم الذاكرة والهوية والسلطة السياسية بشكل مباشر".
تقدم هذه القراءة الإسرائيلية انطباعا محبطا من سلوك ممداني الذي يمثل في نظر الكثير من الإسرائيليين قفزة جديدة نحو مزيد من الاستعداء الأمريكي للاحتلال، وبعد أن كان في الأروقة الشعبية والجماهيرية، فقد أخذ خطوة كبيرة نحو المرافق الرسمية والحكومية، وهنا مكمن القلق الاسرائيلي.