مجلة أمريكية: إسرائيل روجت لنجاح "عقيدة غزة" وتوسعها إلى إيران

تواصل طائرات الاحتلال المقاتلة قصف جنوب لبنان وبيروت ومدن أخرى بلا هوادة- جيتي
تواصل طائرات الاحتلال المقاتلة قصف جنوب لبنان وبيروت ومدن أخرى بلا هوادة- جيتي
شارك الخبر
نشرت مجلة "نيويورك فور بوكس ريفيو" مقالا للمحاضر في جامعة كوين ماري في لندن، نيف غوردون، قال فيه إن "إسرائيل" باتت تصدر "عقيدة غزة" أو بالأحرى "عقيدة الضاحية" إلى أماكن أخرى في الشرق الأوسط، من لبنان إلى إيران. وتركز هذه العقيدة على استهداف البنى التحتية المدنية بطريقة تدفع السكان المدنيين للرحيل من مكان إلى آخر، حسب وتيرة القصف وأوامر الإخلاء. 

وقال غوردون إن جيش الاحتلال الإسرائيلي، في يوم الجمعة الموافق 13 آذار/ مارس، وبعد مرور أسبوعين تقريبًا على بدء عملية "زئير الأسد" على الجبهة اللبنانية، قصف قرية برج قلاوية جنوب البلاد. ودمر القصف مركزا صحيا، ما أسفر عن استشهاد اثني عشر طبيبا ومسعفا وممرضا ومريضا.

 وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "عاملا واحدا فقط نجا من إصابة بالغة". ومن بين الضحايا، وفقا لتقرير الصحفية ليلى يونس لموقع "دروب سايت"، مسعف كان قد ألقى كلمة في خريف العام الماضي في تأبين لعدد من زملائه الذين قتلوا في غارة جوية إسرائيلية خلال الحرب السابقة في لبنان. ونقل عنه قوله حينها: "حتى لو قتلنا واحدا تلو الآخر، فلن نتخلى عن واجبنا".

وقد امتدت الحرب غير الشرعية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي بدأت في المراحل الأخيرة من مفاوضات تجديد الاتفاق النووي، إلى لبنان. وانضم حزب الله إلى المعركة في اليوم الثاني، بعد أن أسفرت غارة أمريكية إسرائيلية مشتركة عن مقتل علي خامنئي في طهران. مع أن الغارات الجوية الإسرائيلية شبه اليومية على لبنان استمرت خلال االخمسة عشر شهرا الماضية منذ توقيع الهدنة بين الطرفين، ما أسفر عن مقتل أكثر من 300 شخصا. 

اظهار أخبار متعلقة


ومنذ الثاني من آذار/مارس، تواصل طائراتها المقاتلة قصف جنوب لبنان وبيروت ومدن أخرى بلا هوادة، كما شنت إسرائيل توغلا بريا في الجنوب. وفي حين تتعاون الولايات المتحدة وإسرائيل في إيران، تتولى إسرائيل زمام المبادرة في لبنان، بينما تقدم الولايات المتحدة الأسلحة والدعم اللازم.

وأسفرت الحرب حتى الآن عن خسائر فادحة في البلدين، ففي أقل من أسبوعين، نزح أكثر من أربعة ملايين من كليهما، منهم 3.2 مليون في إيران وأكثر من مليون في لبنان، حيث أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء تغطي 14% من أراضي لبنان. وبلغ إجمالي عدد القتلى الآلاف، بالإضافة إلى أكثر من 20,000 جريحا. وحتى يوم الخميس، ووفقا لبيان للأمم المتحدة استند إلى إحصاءات الهلال الأحمر الإيراني، فقد تضررت أكثر من 65,000 موقعا مدنيا في إيران وحدها. 

ومن بين هذه المواقع، عدد كبير بشكل مثير للقلق من المراكز الطبية. ويفيد الهلال الأحمر بأن الغارات الأمريكية الإسرائيلية ألحقت أضرارا بـ 236 منشأة صحية حتى الآن. وبحلول 11 آذار/مارس، تحققت منظمة الصحة العالمية من 18 هجوما من هذه الهجمات، وأفادت بأنها وحدها تسببت في وفاة 8 من العاملين في مجال الرعاية الصحية. في اليوم الثاني من الحرب، ألحقت الغارات الجوية أضرارا جسيمة بمستشفى غاندي في طهران، حيث أظهرت لقطات وصور فوتوغرافية واجهة المبنى المدمرة والمتناثرة بالحطام، فضلا عن المعدات المحطمة والزجاج المكسور داخل الأجنحة. وكشف رئيس المجلس الطبي الإيراني، محمد رئيس زاده، عبر وسائل الإعلام الرسمية، أن الغارة عطلت قسم التلقيح الصناعي في المستشفى، وأفاد شهود عيان لقناة "العالم" التلفزيونية الحكومية أنه تم إجلاء الأطفال حديثي الولادة ومرضى آخرين. وفي لبنان، يبدو أن البنية التحتية الصحية تتعرض لهجوم مباشر أكثر. 

ووثقت وزارة الصحة اللبنانية ما لا يقل عن 128 غارة إسرائيلية على مرافق طبية وسيارات إسعاف في الجنوب، معظمها تابعة للجمعية الصحية الإسلامية في المنطقة، ما أسفر عن استشاه استشهاد 40 من العاملين في مجال الرعاية الصحية وإصابة أكثر من 100 آخرين. وبحلول 11 آذار/مارس، أي قبل الغارة على المركز الطبي في برج قلاوية، كانت منظمة الصحة العالمية قد أكدت بالفعل 25 من هذه الهجمات. وأشارت التقارير إلى إغلاق 49 مركزا إضافيا للرعاية الصحية الأولية وخمسة مستشفيات، "عقب أوامر الإخلاء الصادرة عن الجيش الإسرائيلي".

 ونتيجة لذلك، تراجعت الخدمات الصحية في الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى الرعاية الطبية. ويبدو أن الهجمات على الرعاية الصحية تهدف إلى تشجيع النزوح الجماعي: ففي مقابلة مع صحيفة "الغارديان"، وصف أحد العاملين في قسم الطوارئ للجمعية الصحية الإسلامية هذه الهجمات بأنها جزء من حملة "لمنع الحياة في منطقتنا ودفع الناس إلى الفرار".

ومنذ بدء عمليتي "زئير الأسد" و"الغضب الملحمي"، اتهم النقاد إسرائيل بتوسيع نطاق عقيدتها في غزة - وهي مزيج من التهجير الجماعي والقتل الجماعي والتدمير الشامل للبنية التحتية المدنية، لتشمل مناطق أخرى من الشرق الأوسط. إلا أن التدمير في غزة لم يقتصر على منطقة محددة وسكانها، بل أصبح أسلوب عمل الجيش في جميع أنحاء القطاع. وقد تبنت إسرائيل، سواء كان ذلك مفاجئا أم لا، هذا الاتهام، حيث ألقت منشورات على بيروت تذكر سكان المدينة بـ"النجاح الكبير" الذي حققه الجيش الإسرائيلي في غزة. 

ومن أبرز سمات "عقيدة غزة"، والحروب المعاصرة عموما، تحويل المواقع الطبية الحيوية كالمستشفيات والعيادات الصحية وسيارات الإسعاف إلى أهداف. وقد استندت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل إلى "التفكيك المتعمد والمنهجي للأنظمة الصحية والحيوية في غزة" لتبرير سلوك الجيش الإسرائيلي في القطاع بأنه يرقى إلى تعريف الإبادة الجماعية. وتثير التقارير الواردة من إيران ولبنان احتمالا مقلقاً للغاية، وهو أن إسرائيل تأمل في تكرار هذا "النجاح" في الخارج.

وذكر الكاتب أن اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لعام 1977 تمنح الوحدات الطبية "حماية خاصة" بالإضافة إلى "الحماية العامة" الممنوحة للمنشآت المدنية أثناء الحرب. وبموجب هذه القيود، لا يجوز للأطراف المتحاربة مهاجمة الوحدات الطبية إلا إذا "ارتكبت، خارج نطاق وظيفتها الإنسانية، أعمالا ضارة بالعدو". ولكن حتى عندما ترتكب الوحدات الطبية مثل هذه الأعمال، فإن الحماية الخاصة تلزم الأطراف المتحاربة بموازنة الفائدة المتوقعة من الهجوم مقابل الضرر المحتمل وإصدار تحذير وإتاحة وقت كاف للإجلاء. 

إلا أن العدوان الصحي على غزة انتهك وبكل المقاييس، هذه المبادئ عدة مرات. ولم يسلم أي من مستشفيات القطاع الستة والثلاثين من الهجوم. وتعرض العديد منها لحصار مطول، غالبا أثناء إيوائها حشودا كبيرة من النازحين، قبل مداهمتها وتفكيكها. في آذار/مارس 2024، وكما وثقت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل، عانى آلاف المرضى والموظفين والنازحين في مستشفى الشفاء، أكبر مستشفى في غزة، لمدة أسبوعين من الهجوم "دون طعام أو ماء أو كهرباء أو رعاية طبية". وبحلول وقت انسحاب القوات الإسرائيلية، "كان المستشفى في حالة خراب تام"، ودفن ما لا يقل عن 80 جثة، وربما مئات، حوله في مقابر جماعية. وبين تشرين الأول/أكتوبر  وكانون الأول/ديسمبر 2024، وبينما كان الجيش الإسرائيلي ينفذ "خطة الجنرالات" في شمال غزة، صمد مستشفى كمال عدوان "لأكثر من ثمانين يوما من الحصار والقصف والعرقلة الممنهجة لوصول المساعدات الإنسانية"، على حد تعبير منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل، قبل أن تُشلّه غارة جوية تمامًا.

وفي نمط يبدو أن إسرائيل تكرره الآن في لبنان، كانت هذه الهجمات بمثابة محركات للنزوح الجماعي. وفي محاضرة ألقاها مؤخرا في جامعة كوين ماري بلندن، أكد غاي شاليف، مدير منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل، أن هجوم إسرائيل على مستشفى كمال عدوان كان مرتبطا ارتباطا مباشرا بجهود الجيش لتهجير السكان الفلسطينيين جنوبا. فعندما يدمر آخر شريان حياة، و"لا يجد الناس مركزا طبيا لعلاج أفراد أسرهم"، كما أوضح، "يضطرون إلى الرحيل". 

وتتردد أصداء الضرر الناجم عن هذه الضربات على نطاق واسع. فمنذ آذار/مارس 2025، حين هدمت إسرائيل مستشفى الصداقة التركية الفلسطينية، وهو المستشفى الوحيد لعلاج السرطان في غزة، لم يعد أمام المرضى 10,000 مريضا الذين كان يعالجهم المستشفى سنويا أي مكان يذهبون إليه. وقال طبيب الأورام الفلسطيني صبحي سكيك لمجلة "لانسيت للأورام": "الإصابة بالسرطان في غزة تعني الموت، وقبل الموت، تعني معاناة وألما شديدين". وبما أنه يتم تشخيص ما بين 2,000 إلى 2,500 شخصا إضافيا في غزة بالسرطان سنويا، فإن تدمير المستشفى سيؤدي بلا شك إلى آلاف الوفيات الإضافية في السنوات القادمة.

اظهار أخبار متعلقة


ويمكن توسيع نطاق هذا النوع من التحليل ليشمل الضرر الناجم عن تدمير إسرائيل لخمس من أصل سبع وحدات غسيل كلى في غزة، بما في ذلك مركز الكلى الوحيد في شمال غزة. 

وفي بعض الحالات، عندما اتهم منتقدون إسرائيل بشن هجمات غير قانونية على مرافق الرعاية الصحية وغيرها من المواقع المحمية في غزة خلال العامين الأولين من العدوان على القطاع، قوبلوا بنفي قاطع. وعندما ضغطت عليه هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بشأن الهجوم الإسرائيلي آنذاك على مستشفى الشفاء، رفض الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ التقارير ووصفها بأنها "تضليل من حماس"، رغم أن جميع الأدلة تشير إلى عكس ذلك. 

وفي حالات أخرى، وبالاستناد إلى استراتيجية استخدموها على نطاق واسع منذ حرب غزة 2008-2009، اتهم متحدثون سياسيون وعسكريون إسرائيليون حماس بإساءة استخدام المرافق الطبية من خلال حماية المقاتلين أو الأسلحة الموجودة بداخلها. فهذا، في نهاية المطاف، يستغل الاستثناء القانوني الوحيد الذي قد يبطل الحماية العامة والخاصة لهذه المرافق. وتعد قضية مستشفى الشفاء مثالا توضيحيا. فقبل أسابيع من إرسال إسرائيل قواتها إلى المستشفى لأول مرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بدأ متحدثوها في بناء ملف قانوني لدعم الهجوم. وقد أشار تحقيق أجرته صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن "الادعاءات كانت محددة بشكل ملحوظ". وحتى لو ثبتت صحة الأدلة التي ادعى الجيش الإسرائيلي تقديمها، فإنها لن تثبت بأي حال من الأحوال أن حماس كانت تسيء استخدام المستشفى لإخفاء "مركز قيادتها وسيطرتها"، وبغض النظر عن ذلك، فإن الهجوم على المستشفى لم يكن ليعتبر متناسبا مع حجم الضرر، نظرا للخدمات التي يقدمها مستشفى الشفاء للسكان. ولعل هذا كان أبرز مثال على نمط يتكرر كثيرا. وما بين تشرين الأول/أكتوبر2023 وكانون الثاني/يناير 2026، شنت إسرائيل 937 هجوما على مرافق الرعاية الصحية في غزة وحدها، دون تقديم أي دليل ملموس على إساءة استخدامها في "أعمال تضر بالعدو".

وتشير الإحصاءات المتعلقة بالهجمات الحالية على النظامين الصحيين في إيران ولبنان، كما ورد في تقارير وزارتي الصحة في البلدين، إلى سلسلة من الانتهاكات. ففي 6 آذار/مارس، أفاد المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الإيرانية بأن الغارات الأمريكية الإسرائيلية أدت إلى تعطيل تسعة مستشفيات وتدمير أكثر من اثنتي عشرة قاعدة إسعاف ميدانية وإلحاق أضرار بالغة بالعديد من المرافق الصحية المحلية والريفية. 

وعندما تواجه إسرائيل والولايات المتحدة بضغوط بشأن هذه الهجمات على المرافق الطبية وغيرها من البنى التحتية المدنية، عادة ما تكون ردود الفعل مماثلة لتلك التي استخدمت في حالة غزة. فبعد غارة جوية أسفرت عن مقتل 175 شخصا، معظمهم من الأطفال الصغار، في مدرسة للبنات جنوب إيران في اليوم الأول من الحرب، نفى الرئيس ترامب مسؤوليته عن الهجوم، ملمحا للصحافيين حتى 7 آذار/مارس إلى أن صاروخا إيرانيا أُطلق بالخطأ. وفي 11 آذار/مارس، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن تحقيقا عسكريا  توصل إلى استنتاج أولي مفاده أن المدرسة أُصيبت بصاروخ توماهوك أمريكي. وفي اليوم السابق، وخلال مؤتمر صحافي، اتهم وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إيران بـ"نقل منصات إطلاق صواريخ إلى أحياء سكنية بالقرب من المدارس والمستشفيات في محاولة لمنع قدرتنا على توجيه ضربات. هكذا يعملون... إنهم يستهدفون المدنيين. أما نحن فلا نفعل ذلك".

وفي غضون ذلك، وبعد الهجوم الإسرائيلي على المنشأة الصحية في برج قلاوية، زعم متحدث عسكري إسرائيلي على  منصة إكس أن مقاتلي حزب الله كانوا يستخدمون سيارات الإسعاف والمنشأة الطبية لأغراض عسكرية. وكما هو معروف فإخفاء مركبة عسكرية على هيئة سيارة إسعاف يعد خيانة طبية، وهي جريمة حرب بموجب القانون الدولي. 

وكما أشار موقع "دروب سايت"، فإن إسرائيل هي الطرف المتورط في الخيانة الطبية خلال الحرب الحالية، فقبل أسبوع، اقتحمت قوات مظلية إسرائيلية مقبرة نبي شيت، وهي بلدة في سهل البقاع شمال شرق لبنان، في محاولة لاستعادة رفات يحتمل أنها تعود لطيار إسرائيلي أسقطته حركة أمل وأسرته قبل أربعين عاما. وبعد أن قتلت القوات الإسرائيلية مقاتلا من حزب الله، اندلع اشتباك مسلح بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي حزب الله وسكان محليين. وبحلول وقت انسحاب الإسرائيليين، كان ما لا يقل عن 41 شخصا قد لقوا حتفهم، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية.

 وفي مقابلات مع مراسلين من "بي بي سي" و"سيدني مورنينغ هيرالد" وصحيفة "الشرق الأوسط" العربية الصادرة في لندن، روى السكان أن بعض القوات الإسرائيلية وصلت في سيارة إسعاف لبنانية بزي مرتبط بالجمعية الصحية الإسلامية.

ولن تكون هذه المرة الأولى في الذاكرة الحديثة التي ترتكب فيها القوات الإسرائيلية خيانة طبية: ففي كانون الأول/ديسمبر 2024، استخدم خمسة جنود إسرائيليين سيارة إسعاف لدخول مخيم بلاطة للاجئين في الضفة الغربية، في غارة أسفرت عن مقتل مدنيين اثنين، أحدهما امرأة تبلغ من العمر 80 عاما، وقبل ذلك بأقل من عام، داهم مسلحون إسرائيليون متنكرون في زي نساء مسلمات وأطباء مستشفى في جنين وأعدموا ثلاثة فلسطينيين عزلا.

اظهار أخبار متعلقة


إن نكار الادعاءات الموثقة جيدا بارتكاب جرائم واتهام الأعداء بارتكابها دون أي دليل يذكر، ما هو إلا مقدمة لخطوة أكثر تطرفا تتمثل في رفض القانون الدولي رفضا قاطعا. ولعل أكثر ما يثير الصدمة في الحرب الحالية هو أن إسرائيل والولايات المتحدة لم تكلفا نفسيهما عناء تبرير قصف البنية التحتية المدنية. قال هيغسيث في مؤتمر صحافي عقد في 13 آذار/مارس مرددا تصريح الرئيس ترامب الشهير عقب اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو: "لا هوادة ولا رحمة"، مرددا: "لستُ بحاجة إلى القانون الدولي". وفي إشارة إلى هجمات إسرائيل على إيران ولبنان، قال بنيامين نتنياهو في 12 آذار/مارس: "إن التحول الجذري في قوتنا مقارنة بقوة أعدائنا هو مفتاح ضمان وجودنا. التهديدات تأتي وتذهب، ولكن عندما نصبح قوة إقليمية، وفي بعض المجالات قوة عالمية، نمتلك القوة لدفع المخاطر بعيدًا عنا وتأمين مستقبلنا" ولم يذكر مصطلحا "القانون" و"النظام القانوني" ولو لمرة واحدة.

ويقول غوردون: "هذه كلمات رجال غمرتهم نشوة السلطة، فعقيدة غزة انعكاس مباشر لهذا التسمم، والتدمير الشامل للمرافق الصحية ليس سوى أحد مظاهره، والذي بات يشاهد في جميع أنحاء العالم". وقد وثق تحالف حماية الصحة في النزاعات، وهو مجموعة تضم أكثر من ثلاثين منظمة تعمل على حماية العاملين في مجال الصحة والخدمات والبنية التحتية، ما معدله عشرة هجمات على الوحدات الطبية يوميًا خلال عام 2024، أي بزيادة تسعة أضعاف منذ عام 2016، وهو العام الذي اعتمد فيه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارا "يدين بشدة الهجمات على المرافق الطبية والعاملين فيها في حالات النزاع". ولم تكن حروب إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان وحدها هي الدافع وراء هذه الزيادة، بل أيضا الحروب في السودان وأوكرانيا وميانمار. ومع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية في تقويض النظام الدولي الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، ينبغي لنا أن نتساءل عن الأدوات الجديدة التي يمكننا تطويرها لحماية العالم من أولئك الذين لا يبررون الحق إلا بالقوة.
التعليقات (0)