الكتاب: عاصفة على الشرق الأوسط الكبير
الكاتب: ميشيل رامبو، ترجمة الدكتورة ابانة
مشوَّح
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق
، الطبعة الأولى 2020، (عدد
الصفحات 824 من القطع
الكبير)
في الجزء الثالث والأخير من قراءته الخاصة
لكتاب Storm over the Greater Middle
East، الذي ينجزه حصرياً لـ"عربي21"،
يواصل الكاتب والباحث توفيق المديني تفكيك البنية الفكرية والسياسية التي حكمت
الرؤية الغربية للشرق الأوسط بعد نهاية الحرب الباردة، حيث تداخلت الاستراتيجية
بالإيديولوجيا، وتحولت مفاهيم مثل "المجتمع الدولي" و"نشر
الديمقراطية" و"صدام الحضارات" إلى أدوات لتبرير الهيمنة وإعادة
تشكيل الخرائط السياسية للدول العربية والإسلامية.
وينتقل هذا الجزء إلى تحليل ما يسميه النص
بـ "الأغبياء الجدد" بوصفهم النخبة التي أعادت إنتاج خطاب التفوق الغربي
في صيغة جديدة بعد انهيار الثنائية القطبية، مع بروز الولايات المتحدة كقوة وحيدة
تسعى إلى إدارة العالم بمنطق أحادي يقوم على التفكيك والاحتواء وإعادة هندسة
الإقليم عبر الفوضى المنظمة.
وتسعى هذه القراءة إلى إبراز كيف أعادت
الأدبيات الجيوسياسية الغربية صياغة صورة الشرق بوصفه مجالاً للاختبار والصراع
الدائم، وكيف جرى توظيف سرديات ثقافية وأكاديمية لتبرير التدخلات العسكرية وإعادة
رسم توازنات القوى، في لحظة تاريخية اتسمت بتراجع القانون الدولي لصالح منطق
القوة. وفي ختام هذه السلسلة، يطرح النص سؤالاً مركزياً حول مآلات النظام العالمي
المعاصر: هل نحن أمام مرحلة ترسيخ نهائي لهيمنة أحادية القطب، أم أمام بداية
تفككها تحت ضغط التحولات الجيوسياسية وصعود قوى جديدة تعيد تعريف معنى النظام
الدولي ذاته؟
الأغبياء الجدد، والقرن الأمريكي، والنزعة
الإمبريالية
لايزال المخطط الأمريكي ـ الصهيوني في إقليم
الشرق الأوسط يقومُ على تقسيم المنطقة
وتفكيكها إلى دويلاتٍ طائفيةٍ ومذهبيةٍ وعرقيةٍ تسهيلاً لبسط الهيمنة الصهيونية
عليه، مترافقًا مع تصفية القضية الفلسطينية. فهذا المخطط يعود إلى نهاية الحرب
الباردة وزوال الشيوعية، حيث طوَّر كتّـاب غربيون، غالباً أنغلو- سكسونيون، بدءًا
من عام 1990 نظرية المؤامرة الإسلامية وصدام الحضارات، وكان على رأس هؤلاء
المستشرق برنار لويس، وهو دون شك الأب المؤسس للنظريات الإستراتيجية ذات الصلة
التي كان يفترض فيها، في أذهان من أوجدها، أنْ تخدمَ مصالح الإمبريالية الأمريكية
والكيان الصهيوني.فقد فرض هذا الأستاذ الجامعي اللامع المختص بالعالم الإسلامي
نفسه بنوعية أعماله وبشدَّةِ التزامهِ الفكريِّ لصالح الكيان الصهيوني والكمالية
التركية. فقد عمل مستشارًا لمجلس الأمن القومي الأمريكي، ومستشارًا لبنيامين نتنياهو،
وسفيرًا للكيان الصهيوني في الأمم المتحدة بين عامي 1984-1988.
في الموضوع الذي يهُمُّنَا هناَ، لم ينشرْ
لويس كتابه الأول الشرق الأوسط والغرب إلا في عام 1963.كان لا بد من انتظار
الثمانينيات التي طبعت بسقوط الشاه وقيام جمهورية إيران الإسلامية والثورة
الخمينية في 11فبراير 1979، وكذلك باجتياح الجيش الأحمرالسوفياتي لأفغانستان في 27ديسمبر 1979، حتى تصل أفكاره
إلى تطوراتٍ جديدةٍ نادي المستشرق ببلقنة الحزام الأخضرأي العالم العربي
والإسلامي ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
برنار لويس هو نفسه الذي اخترع مفهوم صدام الحضارات، واستخدم العبارة في مؤتمر عقد في واشنطن، فكان لها هذا المستقبل الزاهر، ثم سَرَقَ أُبُوُّتَهَا المساعد الذي اختاره هو عندما عمل في مجلس الأمن القومي في عهد بوش الأب. هكذا أصبح المساعد صامويل هنتنجتون منافس المستشرق على الشهرة.
لقد أصبح أمرًا في غاية الخطورة الرهان على
عالم يمكن فيه للدول الأكثر إخلاصًا والأكثر استقرارًا أنْ تتحوّل بين ليلة وضحاها
إلى ألدِّ الأعداء كما هو حال إيران، بينما آخرون لا يمكن التنبؤ بهم كما هو حال
باكستان، أو أنَّهم يدخلون حكمًا في دائرة الأمن السوفييتي. كما لا يجب إهمال
احتواء الصين فمن يعلم؟. يجب مِنْ ثُمَّ احتواء العراق وإيران وكسر منظمة الدول
المصدرة للنفط (أوبك)التي نشطتها الصدمات النفطية وتدبير مستقبل آخر لدول الحزام
الأخضر، إذ لا بد من إضعافها، وضرب استقرارها، وتجزئتها إلى كياناتٍ ضعيفةٍ،
والأفضل أن تكون معاديةٍ بعضها للبعض الآخر. إنَّ خلقَ كياناتٍ طائفيةٍ أو عرقيةٍ،
وإشاعة التوتر بين الأنظمةِ السُّنِّيَّةِ والشِّيعِيَّةِ، وقلب أنظمة الحكم
العلمانية أو القومية يلبي تمامًا مستلزمات إستراتيجية البلقنة الجديدة.
حاز برنار لويس الذي كان حتى ذاك الحين
معروفًا في الأوساط المختصة على مكانة مرموقة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، إذ
انطلقت كتاباته إلى حقل تنظيري جديد، إِذْ تشرَ في أيلول/سبتمبر 1990 في دورية
أتلانتك مانثلي مقالاً عنوانه جذور الحنق الإسلامي. لكن شهرته ككاتب تعود إلى عام
1993 نتيجة مقال عنوانه: الإسلام والغرب الذي يؤكد فيه بجرأة كبيرة: أصبح الحرس
القديم المعادي للسامية محامي الكيان الصهيوني المتحمس، لأنَّه يكره العرب أكثر من
كرهه لليهود. انضم برنار لويس لبعض الوقت إلى فريق عمل جورج بوش الابن في البيت
الأبيض كمستشار زبيجنيو بريز نسكي الخاص في مجلس الأمن القومي.
الشيء بالشيء يذكر: برنار لويس هو نفسه الذي
اخترع مفهوم صدام الحضارات، واستخدم العبارة في مؤتمر عقد في واشنطن، فكان لها هذا
المستقبل الزاهر، ثم سَرَقَ أُبُوُّتَهَا المساعد الذي اختاره هو عندما عمل في
مجلس الأمن القومي في عهد بوش الأب. هكذا أصبح المساعد صامويل هنتنجتون منافس
المستشرق على الشهرة.
ولد صمويل هنتنجتون في نيويورك عام 1927،
عمل أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة هارفارد التي درّس فيها طوال 58 عامًا. كان
متمرساً في الحياة المهنية عندما دخل مجال السياسة والجغرافية السياسية، ودعاه
برنار لويس للعمل في البيت الأبيض في صيف عام 1993 نشر في مجلة العلاقات الخارجية مقالة طويلة بعنوان
"صدام الحضارات"، ثم نشر عام 1995 كتابه الشهير الذي يحمل العنوان نفسه.
بحسب النظرية التي يعرضها في كتابه، تحولت المواجهة القديمة بين الأمراء والأمراء
لتصبح الأمة. تحولت المواجهة مواجهة بين الدولة الأمة والدولة الويستفالية إلى
نزاع أيديولوجي بين الشيوعية والرأسمالية، صراع نجمت عنه الحرب الباردة. ومع نهاية
هذه الحرب منذ عام 1990، بدأ تحول جديد مع نهاية الخلاف بين الشرق والغرب، وبدأ
الانزلاق من الأيديولوجي إلى الثقافي.
يقول الكاتب ميشيا رامبو:"توصل
المنظران، المستشرق المبتكر والخبير الإستراتيجي المبسط الذي قام مستشار فرنسي
يدعى لوران مورافييك بمساعدته، إلى استنتاج مفاده انتهاء النزاع الأيديولوجي بين
العالم الشيوعي والعالم الحر، وأن هذا الانقطاع السريع والمفاجئ فتح الباب على
مصراعيه أمام صدام الحضارات. أبطال هذا الصدام وجهاته الفاعلة ثماني كتل حضارية.
في إطار هذه اللوحة الفسيفسائية العالمية، يشير أرباب الدراسات الجيو ـسياسية
الثلاثة إلى الصدام المركزي الذي طبع، في رأيهم، مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وهو
النزاع المفتوح والعالمي بين العالم العربي - الإسلامي والعالم اليهودي ـ المسيحي.
بالنسبة لهؤلاء الملهمين المحرضين على
الفتن، هناك قوة وحيدة لا غير هي قائدة محور الخير ونوره الهادي تقع عليها مهمة
قيادة نضال شرس ضد إرهاب منتشر وحاضر في كل مكان، وهو ليس بإرهاب دولة، مصدره
ومنبع مقاتليه من العالم الإسلامي. الرحمة إذن على مواجهة الماضي بين الشرق
والغرب، هذه المواجهة التي حلّ محلّها صدام حضاري بين المشرق والغرب. في الوقت
الذي يتهيأ الغرب للتماهي مع مجتمع دولي خرافي، أصبح يستلهم أفكاره من هذا المشهد
المانوي. مفهوم العالم الحر هذا الذي عاد إلى الأضواء وانتشر كدرجة بلباس يهودي -
مسيحي وبنغمة جديدة تماماً، تنبعث منه رائحة حرب باردة وإقصاء. يقود منطق هذه
الرؤية - وهذا على الأرجح هدفها - إلى الدفع إلى الظلمات بالدول الهشة المفلسة
المارقة المنبوذة، الإرهابية، الحقيرة؛ ورسم صورة الجحيم الشر الذي يتربع على عرشه
عدد من دول المشرق العربي الإسلامي(ص303).
أيديولوجية الأغبياء الجدد هذه تحيلنا إلى
الفيلسوف السياسي ليو ستروس وإلى فكرته الأساسية أن في الشعب فئتين، العديد من
السوقيين والقليل من الأذكياء، وبعبارة أخرى أكثر فظاظة: جمهرة من الأغبياء وقلة
قليلة من نخبة الحكماء مهمة الفئة الثانية الحفاظ على النظام، ويمكنها لتحقيق
غاياتها اللجوء إلى الكذب النبيل. وإذا ما تركت العامة لشياطينها الفردية،
والليبرالية، والنسبية فستحل الفوضى. يجب إذن على القادة الذين يفترض أنهم حكماء
أن يختلقوا أسطورة تولد حرباً دائمة الضبط الرعاع المشاة حرصاً على مصلحتهم. لم
يبق الآن إلا أن تجد هذه الفكرة انعكاساً لها على الصعيد الإستراتيجي.
هذه النشوة المتغطرسة لليمين الأمريكي
المحافظ الجديد ليست سراً على أحد ولا تتم بالخفاء، بل هي معلنة على رؤوس
الأشهاد: نحن في مركز العالم، ويجب أن
نبقى فيه... على الولايات المتحدة أن تقود العالم بحمل الراية الأخلاقية والسياسية
والعسكرية راية الحق والقوة، وأن تكون قدوة لكل الشعوب. بهذه العبارات التي وردت
في كتاب ميشيل شو سودوفسكي حرب وعولمة على
لسان جيسي هيلمز كما رأى الأمور، وصرح بها بكل بساطة في عام 1996. المجد للطبيعة
التي تكره الفراغ، بما في ذلك الفراغ الإستراتيجي. الإمبراطوريات الأبدية التي
تؤسس على القوة العنيفة والغباء الذي لا أمل في الشفاء منه هي إمبراطوريات عادة ما
تكون آيلة للزوال. وهذا هو مصير الإمبراطورية الأمريكية التي تعيش مرحلة الأفول
التاريخي.
الخطاب الإمبريالي الأمريكي و مقولة "المجتمع
الدولي"
حاولت الإمبريالية الأمريكية دائماً أن
تبرّر عملها العدواني ضد الدول التي تعارض سياستها الخارجية ، ، برغبتها بفرض
احترام حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية، وهو ما يذكره إيريك واديل في مجلة
غلوبل ريسرتش بعددها الصادر في شباط 2007 تحت عنوان الحرب الأمريكية الصليبية على
العالم. الواقع أن الأمر في أغلب الأحيان كان كناية عن عمليات الهدف منها زعزعة
الاستقرار، ذهبت في بعض الأحيان إلى حد تقسيم البلاد كما حدث في السودان 1990 ـ 2011.
بما أن الاتحاد السوفييتي اختفى، فإن أمريكا
تنوي الاستفادة من انتصارها الأيديولوجي لممارسة هيمنة تامة على العالم الذي تحرر
من الارتهان للشيوعية. لكنها تردّدت في البداية بشأن النهج الذي ستتبعه: إلى أي
مدى يمكنها أن تذهب إلى أبعد الحدود؟ سرعان ما اعتادت وضعها الجديد، فأخرجت كل ما
في جعبتها من سهام على أنواعها لاجئة إلى كل الوسائل وسرعان ما لم يعد شيء يذهلنا
من قبل هذه القوة الهائلة التي خرجت منتصرة من معركة الجبابرة التي خاضتها ضد
الاتحاد السوفييتي. لم يفكر أحد على الإطلاق - لقلة الحيلة وانعدام الرغبة - في أن
يعارض حقها في فرض الديمقراطية على الطريقة الغربية طبعاً في كل أرجاء العالم
الواسع وخاصة على حد قول الأدبيات المرجعية في العالم الحر، على الأراضي الغريبة
والهمجية والمتمردة بطبيعتها والتي يسيطر عليها الإسلام.
حاولت الإمبريالية الأمريكية دائماً أن تبرّر عملها العدواني ضد الدول التي تعارض سياستها الخارجية ، ، برغبتها بفرض احترام حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية، وهو ما يذكره إيريك واديل في مجلة غلوبل ريسرتش بعددها الصادر في شباط 2007 تحت عنوان الحرب الأمريكية الصليبية على العالم. الواقع أن الأمر في أغلب الأحيان كان كناية عن عمليات الهدف منها زعزعة الاستقرار، ذهبت في بعض الأحيان إلى حد تقسيم البلاد كما حدث في السودان 1990 ـ 2011.
يقول الكاتب ميشيل رامبو :نُصِّب الغرب إذن
مجتمعاً دولياً لغياب البديل، وبرزت نيته
في إدارة الكرة الأرضية كما يحلو له خاصة إدارة هذا العالم العربي - الإسلامي الذي
يسبب له القلق من الواضح أن محور الخير اليهودي ـ المسيحي لديه مع العرب
والمسلمين، وإن كان لا يحتمل أن يقول له أحد هذا. خلف هذه المشكلة والصعوبة التي
يواجهها في إقامة علاقات غير انفعالية هناك الميراث التاريخي، وهناك بشكل خاص من
الطرف الأوروبي المسائل المتنازع عليها التي خلفها الاستعمار الذي لم تهضمه الشعوب
بعد، وتطبعه ذكريات مسمومة كاتفاقية سايكس - بيكو وغيرها، ووعد بلفور
حاولت فرنسا بشرف أن تميز نفسها عن هذا
التاريخ طوال أربعين عاماً، إلا أنها لم تكن أقل المستعمرين خسة ودناءة في شمال
أفريقيا بدءاً من الجزائر، ولكن أيضاً في المشرق إذ لم تنس الشعوب قطُّ حماس فرنسا
الشديد في تفتيت الأراضي التي كانت تحت انتدابها بعد تفكيك الإمبراطورية
العثمانية، وهذا الشعور يعاود الظهور بقوة في هذا الزمن الكئيب. بكل الأحوال من
غير المجدي تقديم الحجج على تورط فرنسا في الشراك الأطلسية والصهيونية الأمر الذي
يخدم تخليها عن سياستها العربية الديغولية. بطبيعة الحال، كانت الصورة مختلفة من
الجانب العربي، والغرب لم يعد محصوراً بفرنسا أو بريطانيا التي ردّت إلى مصاف
الأسماك الصغيرة أو المتوسطة، وإنما أصبح الإمبراطورية الأمريكية، أما الاثنان
الكبار فلم يعودا في هذا الغرب سوى مجرد أقاليم كما يتردّد بلا حرج في مجموعة
بلدربرغ"(ص350).
إن مفاهيم الدول الهشة، والدول الفاشلة،
والدول المارقة، والدول المفتتة، ومفاهيم أخرى غيرها باتت مألوفة بالنسبة للشعوب
العربية والإسلامية. هي منتج المختبرات القانونية واللغوية لآلة صنع الديمقراطية
التي أوجدتها أمريكا. وهي مفاهيم وضعت في الوقت نفسه الذي برز فيه مفهوم المجتمع
الدولي، أي أنها برزت - بالمعاني التي نعرفها لها ـ بعد سقوط جدار برلين وانهيار
الاتحاد السوفييتي1990. وقد دخلت لاحقاً ومع مرور السنين في المصطلح السياسي
والإعلامي الغربي، لتفرض نفسها على العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
أشار الكاتب ميشيل رامبو إلى التداعيات
الكارثية لزوال الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية على التوازن العالمي. فمنذ عام
1990-1991، ترافقت نهاية الحرب الباردة بتبدل في الأجواء الدولية على الصعيدين
السياسي والعسكري وكذلك بتدهور عام في الأمن العالمي. وعاش المجتمع الدولي طوال
عقدين من الزمن عشرين سنة عظيمة في تاريخه، إذ أخذت ثلاث أو أربع دول غربية كانت
تعيش في ظل الحماية الأمريكية التي أصبحت منذ ذاك الحين القوة العظمى الوحيدة،
تتماهى مع هذا المجتمع الدولي المأمول الذي كان يفترض أن ينهض بعد انتهاء الحرب
الباردة نهاية التاريخ بالنسبة لفوكوياما. والواقع أن هذه الدول لم تكن جميعها
متساوية فيما بينها. باتت المعمورة المذهلة مقسومة إلى قسمين متمايزين للغاية، كل
واحد مدعو لاختيار معسكره عليها: المجتمع الدولي يقف في الجانب الجيد من خط
التماس، والدول الفاشلة والمارقة، إلخ... تقف في الجانب السيئ. هذه المقاربة ذات
المعايير المزدوجة المبنية فقط على موازين القوى ستدفع الولايات المتحدة وأعوانها
وخدمها في الغرب، وباسم القدرة التمثيلية المغتصبة، إلى اللجوء بانتظام إلى
استخدام القوة، أو إلى التهديد باستخدامها، لإجبار حكومات الدول الفاشلة، أو
المارقة، أو.. إما على الخضوع وإما على الانسحاب والتخلي عن مواقعها.
تتبع الولايات المتحدة سياسة أحادية الجانب
مبنية على الإنكار التام للقانون الدولي ومبادئه، ولقيمه التي تتشدق بها، وهذا ما
يمكن أن يجعلها تفقد كل مصداقية أخلاقية لدى من أمكنهم الاقتناع بوجودها، أو من
يمكن أن يكونوا ما زالوا على هذه القناعة. شراسة، وتعذيب، وانتهاك للحريات، ومجازر
ترتكب بحق المدنيين عبر قصف الهدف منه الحماية قائمة انتهاكاتها للقانون الدولي
تطول إلى حد أنها لا تستحق حتى أن تذكر. لقد أصبحت أمريكا دولة مارقة ومن أسوأ
الأنواع، دولة تخفي فضلاً عن ذلك خستها تحت أكوام من الهذيان والمرجعيات المبتذلة.
يؤدي الاتحاد الأوروبي أكثر فأكثر دوره على الشكل الأمثل، وهو أن يكون الناطق باسم
سيده.
أعاد ارتباطه بشياطينه القدامى، والتزم
أساليب إلهه الأمريكي القديمة، فاستعاد ردود الفعل والانفعالات الاستعمارية
الوقاحة القديمة، كما أن الاتحاد الأوروبي عاد لعجرفته وصفاقته وراحة ضميره التي
أذاق بها العالم الأمرين الغرب كله لحق بهذا الشبح الأمريكي الخارق في حرب الهدف
منها الإبقاء على الهيمنة وبلا أي منازع.
إن العودة القوية لردود الأفعال والتصرفات
الاستعمارية هي حقيقة يومية، ونتيجة طبيعية للنظام أحادي القطب الذي سيطر على
العالم طوال عشرين عاماً من عصر ما بعد الاتحاد السوفييتي. كانت الغطرسة في
أمريكا، وما زالت، واضحة بلا أي زخرف. لم يعد واضحاً في الدول الأوروبية الكبرى
التي كانت في الماضي إمبراطوريات واسعة فيما وراء البحار إن كانت الوقاحة تعكس
رغبة في العودة إلى الاستعمار فهل يكرر التاريخ نفسه؟، أم إنها تعبّر عن خضوع
القادة و/ أو عن استعمار للعقول. يكفي بالنسبة لبريطانيا الفخورة بنفسها أن تتذرّع
بالعلاقة الخاصة التي تربطها بواشنطن، توعمها الذي ورثته من صلة القربى والتاريخ.
وبالنسبة لفرنسا القرن الواحد والعشرين التي لحقت بـ الأسرة الغربية، فإن النزعة
الأطلسية والصهيونية هما حملتا سياستها الخارجية، كما كانتا في الماضي في فترة ما
بعد الحرب. أصبح هناك انتحاء ثنائي يجلب خيبات أمل أكثر مما يولد مشاعر الرضا.
ليست أمريكا وحدها من يريد.
إقرأ أيضا: بين التاريخ والاستراتيجية.. تفكيك سردية الصراع على الشرق الأوسط الكبير
إقرأ أيضا: "إسرائيل" والنظام العالمي.. من التأسيس الاستعماري إلى التحول الأمريكي