كتاب فلسطيني جديد يوثق الناس والذاكرة والهوية تحت الاحتلال

لا يقدم هذا العمل فلسطين بوصفها جغرافيا للصراع فقط، بل باعتبارها مجتمعاً حياً ذا ذاكرة ممتدة، تشكلت عبر قرون من التفاعل الإنساني والثقافي.
لا يقدم هذا العمل فلسطين بوصفها جغرافيا للصراع فقط، بل باعتبارها مجتمعاً حياً ذا ذاكرة ممتدة، تشكلت عبر قرون من التفاعل الإنساني والثقافي.
شارك الخبر
صدر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات كتاب جديد يوثق الحياة الاجتماعية والثقافية في فلسطين خلال فترة الاحتلال البريطاني بين عامي 1917 و1948، مسلطاً الضوء على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين من عادات وتقاليد وأنماط عيش وعلاقات اجتماعية، بما يعيد رسم صورة المجتمع الفلسطيني بوصفه كياناً إنسانياً متجذراً في الأرض والتاريخ، لا مجرد ساحة للصراع السياسي. ويأتي هذا الإصدار في سياق بحثي وتوثيقي يسعى إلى إبراز حضور الإنسان الفلسطيني وذاكرته الجماعية، وحفظ ملامح هويته الثقافية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه عبر العقود.

يكتسب إصدار مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات لكتاب "الحياة الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال البريطاني 1917–1948" بعداً يتجاوز حدود التأليف الأكاديمي التقليدي، ليغدو شهادة مركّبة على مجتمع يُكتب تاريخه بالمعرفة كما يُكتب بالدم.

فالكتاب الذي أعدّه الباحث الفلسطيني الراحل الدكتور فتحي بشير البلعاوي، لا يقدّم مجرد دراسة توثيقية للحياة الاجتماعية في فلسطين التاريخية، بل يتحول في سياق إنتاجه وظروفه إلى فعل مقاومة معرفية في وجه محاولات محو الذاكرة الفلسطينية وإعادة تشكيل حضورها في الوعي الإنساني.

وتتضاعف رمزية هذا العمل مع استشهاد مؤلفه في قصف إسرائيلي على دير البلح في تشرين الأول/أكتوبر 2023 قبل أن يرى كتابه النور، ثم استشهاد المؤرخ الدكتور زكريا السنوار الذي كان مقرراً أن يكتب تقديمه، ليغدو النص نفسه محاطاً بدلالة مأساوية تُحوّله من إنتاج معرفي إلى وثيقة حياة وشهادة على الثمن الذي يدفعه المثقف الفلسطيني دفاعاً عن ذاكرته وهويته. في هذا السياق، لا يعود الكتاب مجرد مشروع بحثي، بل يتحول إلى امتداد لفكرة أن المعرفة في الحالة الفلسطينية هي شكل من أشكال البقاء.

ويأتي هذا الإصدار في ظل حرب إبادة متواصلة تستهدف الإنسان الفلسطيني وفضاءه المادي والرمزي على حد سواء، ما يمنح التوثيق الاجتماعي والثقافي معنى مضاعفاً، إذ يغدو حفظ تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين ـ من العادات واللباس والأغاني والطقوس ـ فعلاً مضاداً لسياسات المحو، ومحاولة لإعادة بناء صورة المجتمع الفلسطيني بوصفه كياناً تاريخياً متجذراً، لا مجرد موضوع للصراع. ومن هنا، يقدّم الكتاب فلسطين كما عاشها أهلها في أواخر العهد العثماني وفترة الانتداب البريطاني، لا بوصفها ساحة أحداث سياسية فقط، بل باعتبارها نسيجاً إنسانياً كثيفاً تشكّل من تفاصيل الحياة اليومية.

ويقع العمل في 512 صفحة موزعة على ستة فصول، يرسم كل منها جانباً من البنية الاجتماعية الفلسطينية، بدءاً من الحياة في القرى والمدن والبادية، مروراً بالعلاقات العائلية والحمائلية، ووصولاً إلى دور الأسواق والمضافات والمقاهي كفضاءات مركزية للتواصل الاجتماعي والثقافي.

ويعيد الكتاب تركيب المشهد الفلسطيني بوصفه عالماً متكاملاً، حيث تتداخل فيه أنماط العيش مع التحولات السياسية التي فرضها الاحتلال البريطاني وبدايات المشروع الصهيوني، بما يعكس دينامية مجتمع لم يكن ساكناً بل خاض تحولاته التاريخية تحت ضغط الاستعمار وتغيرات البنية الاقتصادية.

وفي مقاربة أكثر تفصيلاً، يتوقف الكتاب عند الطقوس الاجتماعية بوصفها مفاتيح لفهم البنية الثقافية للمجتمع الفلسطيني، من الزواج والخطبة والأعراس الشعبية إلى عادات الولادة والختان والوفاة، إضافة إلى توثيق دقيق للأزياء التقليدية بما تحمله من رموز جغرافية واجتماعية، خصوصاً أثواب النساء وتطريزاتها التي تعكس تنوع الهوية الفلسطينية وثراءها المحلي. كما يبرز العمل حضور المرأة الفلسطينية بوصفها فاعلاً اجتماعياً وثقافياً لا هامشياً، مشاركاً في النضال والعمل المجتمعي وحفظ الذاكرة الجمعية، بما يعيد تصحيح صور نمطية رسختها قراءات خارجية أو مبتسرة.

ولا يكتفي الكتاب بالتوثيق الاجتماعي، بل يفتح أفقاً واسعاً على الفنون الشعبية الفلسطينية، من الأغاني والأهازيج والرقصات إلى الأمثال والحكايات والألعاب التقليدية، باعتبارها تعبيرات عن روح جماعية حافظت على استمراريتها رغم التحولات السياسية العاصفة. كما يسلط الضوء على المواسم الدينية والأعياد الإسلامية والمسيحية، في تأكيد على الطابع التعددي للنسيج الثقافي الفلسطيني الذي تشكل تاريخياً على قاعدة التعايش والتداخل الحضاري.

أما على المستوى الاقتصادي، فيقدّم الكتاب قراءة معمقة لبنية الإنتاج والمعيشة في فلسطين، متناولاً حياة الفلاحين والبدو والعمال والتجار، وأنماط الملكية الزراعية، والتحولات التي رافقت السياسات العثمانية ثم الانتداب البريطاني، وصولاً إلى التغيرات التي مهدت لمرحلة لاحقة من الصراع على الأرض والهوية. وفي هذا الإطار، يتبدى المجتمع الفلسطيني كنسيج اقتصادي واجتماعي متكامل تعرض لضغوط استعمارية متراكبة أعادت تشكيل بنيته دون أن تنجح في تفكيكه كلياً.

وتكمن أهمية الكتاب أيضاً في لغته العلمية الرصينة واعتماده على مصادر ووثائق وسجلات تاريخية متعددة، ما يمنحه قيمة مرجعية تتجاوز حدود السرد التوثيقي إلى بناء معرفة أكاديمية قابلة للاستخدام في الدراسات الاجتماعية والتاريخية المعاصرة. لكنه في الوقت نفسه يحافظ على سلاسة لغوية تجعله متاحاً للقارئ العام، بما يحقق توازناً نادراً بين الدقة العلمية والجاذبية السردية.

وفي المحصلة، لا يقدم هذا العمل فلسطين بوصفها جغرافيا للصراع فقط، بل باعتبارها مجتمعاً حياً ذا ذاكرة ممتدة، تشكلت عبر قرون من التفاعل الإنساني والثقافي. وفي زمن يتعرض فيه هذا المجتمع لمحاولات مستمرة لتقويض وجوده المادي والرمزي، يصبح توثيق تفاصيل حياته اليومية شكلاً من أشكال الدفاع عن حقه في الاستمرار داخل الذاكرة الإنسانية. ومن هنا، يغدو كتاب “الحياة الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني” ليس فقط مرجعاً في التاريخ الاجتماعي، بل أيضاً شهادة على أن فلسطين، رغم الجراح، ما تزال تُكتب وتُروى وتُقاوم بالمعرفة كما بالميدان.
التعليقات (0)

خبر عاجل