العلاقة بين الصوفي والسياسي في التاريخ الإسلامي.. من التنافر إلى التحالف

رجل السياسة كان يوفر للمتصوفة الملاذ الآمن، بعيدا عن مشاغبات الفقهاء والحياة المرفهة وشيوخ المتصوفة يضمنون ولاء أتباعهم للحاكم ويسهمون في توطيد حكمهم.
رجل السياسة كان يوفر للمتصوفة الملاذ الآمن، بعيدا عن مشاغبات الفقهاء والحياة المرفهة وشيوخ المتصوفة يضمنون ولاء أتباعهم للحاكم ويسهمون في توطيد حكمهم.
شارك الخبر
الكتاب: استعادة المقدس، السلطة والتصوف، السيرورة والتحول
الكاتب: محمد حلمي عبد الوهاب
الناشر: مجمع الأطرش للكتاب المختص تونس 2024 طبعة أولى
 عدد الصفحات: 312 صفحة

1 ـ محمد حلمي عبد الوهاب


ينطلق الباحث من تعريف للتصوف يشكّل لبنة أساسية لكل رؤاه وتحليلاته اللاحقة، ويعرضه بوصفه عملية تربوية عميقة متكاملة للنفس البشرية، تهدف إلى غرس الفضائل في عمق الوعي الإنساني، واقتلاع الرذائل من جذورها، ومواجهة الشهوات والرغبات العابرة التي تعيق تطور الروح وتهذيبها.

وتمتد هذه العملية التربوية لتشمل التدريب على الصبر والتحمل أمام الضغوط اليومية، وتنمية القدرة على الرضا بما قسمه الله، والمثابرة على الطاعات، حتى تصبح الحياة اليومية ممارسة متواصلة للتزكية الأخلاقية والروحية. يصف الباحث التصوف بوصفه رياضة للنفس والروح، تتطلب مجاهدة مستمرة ومكابدة للنزعات الداخلية، ما يمنح الذهن صفاءً استثنائيًا يمكنه من الوصول إلى الحكمة المتجسدة في التأمل العميق، وفهم أسباب الأشياء ونتائجها، وتوسيع آفاق الإدراك الإنساني على المستوى الأخلاقي والروحي والفكري.

ويشير الباحث إلى أن هذه العملية ليست مقتصرة على البعد الشخصي للمتصوف، بل تمتد لتشمل البعد الاجتماعي والإنساني، بحيث تشكّل التربية الروحية أساسًا لإعادة تنظيم علاقة الفرد بالمجتمع، وبالآخرين، والفضاء العام، إذ تمنح التجربة الصوفية الإنسان قدرة على المساهمة في مجتمعه بطريقة متزنة تعكس استقرار النفس وسلامة الروح، فتتجاوز مجرد الانعزال أو العزلة الروحية، وتتحول إلى قوة فاعلة تؤثر في الواقع المحيط، وتعيد صياغة فهم الفرد لدوره ومسؤوليته الأخلاقية تجاه الآخرين، مع الحفاظ على عمق التجربة الذاتية في الوقت ذاته.

ـ 2 ـ

يركز الباحث على فكرة أن التصوف هو عملية تعريف النفس بنفسها، اعتمادًا على نسقها الذاتي، دون اللجوء إلى عوامل خارجية أو مفارقات اجتماعية أو سياسية، بحيث يصبح الفرد واعيًا لقيمه ومبادئه ومواقفه الداخلية، ويتحرك وفق وعي حقيقي لنفسه، لا وفق فرضيات مفروضة أو اعتبارات خارجية. وعند تحقق هذا الوعي، تصبح التجربة الصوفية رؤية شاملة للعالم، تتسم بالعمق والنضج والاكتمال، وتمنح الإنسان قدرة غير عادية على إدراك الحقيقة والتميز بين الظاهر والباطن، ما يجعلها شكلًا متقدمًا من الفهم البشري للوجود وللقيم الروحية، وأكثر أشكال التجربة الروحية قدرة على بناء شخصية متكاملة تستند إلى معرفة ذاتية حقيقية.

ويشير الباحث إلى أن هذه التجربة، رغم كونها ذاتية في جوهرها، إلا أنها تنتقل إلى بعد اجتماعي ملموس، إذ يصبح المتصوف قادرًا على توجيه تأثيره في محيطه، على صعيد العلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية بطريقة تتسم بالحكمة والاعتدال، ما يعكس علاقة التصوف بالمجتمع كإطار تفاعلي مستمر، يوازن بين البعد الفردي والبعد الجماعي للوجود، ويجعل الروحانية قوة فاعلة في الحياة اليومية.

ـ 3 ـ

ينتقد الباحث الافتراضات الأكاديمية التقليدية التي ترى إمكانية دراسة التصوف من خارج تجربته الذاتية والوجدانية. فالصوفية، بوصفها ممارسة باطنية عميقة ومجموعة من التقاليد الروحية المعقدة، لا يمكن إدراكها عبر النظريات المجردة أو التحليل العقلي البارد، فهي تتطلب مشاركة وجدانية ومعاناة روحية حقيقية، تشبه ما يختبره المتصوف في حياته اليومية، مع مواجهة المشاعر المختلفة من انكسار وتأمل وخشوع ودهشة أمام المعارف الروحية.

يرى الباحث أنّ التصوف الإسلامي نشأ في سياق ذلك الاضطراب الذي صاحب مراحل الخلاف والشقاق بين الصحابة، فتجلّى في بداياته على شكل زهد واحتراز عن الانخراط في الصراعات السياسية، تعبيرًا عن موقف أخلاقي يحافظ على نقاء النفس ويجنّبها الانجرار إلى نزاعات الحكم والصراعات الداخلية.
ويؤكد أن دراسة التصوف تجربة شاقة، تجعل الباحث يعيش صعوبات شبيهة بتلك التي يختبرها المتصوف في مساره، فالدراسة العلمية للتصوف لا يمكن أن تكون مجرد نقل معلومات أو تحليل نظري، بل يجب أن تكون محاولة لاستيعاب التجربة من الداخل، لتقريب القارئ من فهم ما تحمله الروحانية الإسلامية من قيم أخلاقية، وما تمثله من استبطان للإسلام السني في مواجهة أشكال الباطنية الشيعية المتنوعة التي ظهرت على مر تاريخ الفكر الإسلامي. ومن هنا يرى الباحث أن التصوف، بأصالته الروحية، تجاوز حدود التجربة الفردية ليصبح أداة لتحدي الأنماط التقليدية للمعرفة والسلطة، ممارسًا أسلوبه الخاص في مواجهة المشكلات الاجتماعية والسياسية عبر الذوق الصوفي العرفاني، بعيدًا عن مناهج الجدال والكلام التقليدي.

ـ 4 ـ

يرى الباحث أنّ التصوف الإسلامي نشأ في سياق ذلك الاضطراب الذي صاحب مراحل الخلاف والشقاق بين الصحابة، فتجلّى في بداياته على شكل زهد واحتراز عن الانخراط في الصراعات السياسية، تعبيرًا عن موقف أخلاقي يحافظ على نقاء النفس ويجنّبها الانجرار إلى نزاعات الحكم والصراعات الداخلية. غير أنّ هذا الموقف التحفّظي تطوّر تدريجيًا، خصوصًا في فترة الفتنة الكبرى، ليصبح موقفًا معارضًا للأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة، بحيث تحوّل الزهد إلى فلسفة مضادة للإيديولوجيا الرسمية، ونواة لأيديولوجيا نقدية للواقع، تتيح للمتصوف بناء موقف مستقل يواجه السلطة ويقيم بدائل روحية وأخلاقية للسلطة التقليدية في كل من الدولتين الأموية والعباسية، بما يجعل التصوف قوة نقدية ومقاومة ضمن البناء الاجتماعي والسياسي المبكر للإسلام.

ـ 5 ـ

في أواخر العهد العباسي، شهدت العلاقة بين السلطة والتصوف تحولًا نوعيًا، اتسم بعملية إدماج متبادلة بين السلطة والجماعات الصوفية، بحيث أصبح التصوف عنصرًا مؤسسيًا داعمًا للشرعية السياسية. فقد كُلّف الشيخ عمر السهروردي من قبل الخليفة الناصر لدين الله بتنظيم الجماعات الصوفية وإدماجها في إطار مؤسسي منضبط، فظهرت الطريقة السهروردية في بغداد، وتبعتها طرق أخرى مثل القادرية والرفاعية والكبروية في المشرق، والشاذلية في الإسكندرية. ويشير الباحث إلى أن هذه المرحلة تمثل الانتقال من الزهد الفردي إلى التنظيم الطُرقي، ما منح التصوف حضورًا كبيرًا في المجال العام، وأكسبه أبعادًا سياسية واجتماعية ملموسة، دون المساس بجوهره الروحي والفكري.

ويظهر الباحث أنّ علاقة السلطة بالتصوف في التجربة الإسلامية الوسيطة اتسمت بالانتقائية، إذ تتحالف السلطة مع التصوف في حالات الأزمات أو الحاجة لتعزيز شرعيتها، بينما تتنكر له أو تضبطه عندما تستقر السلطة وتستعيد السيطرة، كما يتضح في تجربة الدول الأيوبية والموحدية بما يعكس نمطًا من التوظيف النفعي للروحانية، ويبرز دور التصوف بما هو عنصر مركزي في تحقيق الشرعية والهيمنة السياسية، مع قدرة متصاعدة على التأثير الاجتماعي والثقافي في المجتمعات الإسلامية.

ـ 6 ـ

يركز الباحث على دراسة التصوف في مصر وتركيا خلال العصر العثماني، من خلال تحليل الممارسات الدينية والعلاقات البينية بين الطرق والمجتمع والسلطة. في تركيا، أصبح التصوف جزءًا أساسيًا من الحياة الدينية والاجتماعية، مع نظام تنظيمي يربط الدين بالسياسة، ويشمل المساجد والمدارس، وبرز نموذج المدرسة–التكية التي جمعت بين طلبة العلوم الشرعية ومريدي الطرق الصوفية.

كما نشأت أخويات صوفية شملت الزهاد والعباد وطبقات التجار، ونمت لتكتسب نفوذًا معتبرًا في المدن الكبرى، مثل أنقرة. ويرى الباحث أنّ ازدهار التصوف لم يكن نتيجة رعاية السلاطين فقط، بل مرتبط بالبنية الدينية والاجتماعية للمجتمع، إذ شكّل وسيطًا بين السلطة والمجتمع، وموضعًا تتقاطع فيه التربية الروحية مع التنظيم الاجتماعي والسياسي، بما يجعل التصوف قوة مركزية في فهم العلاقة بين الروحانية والسلطة وممارسة الحياة الإنسانية في المجتمعات الإسلامية.

ويردّ هذه المكانة إلى عاملين متوازيين:

ـ  رعاية السلاطين العثمانيين للتصوّف وضمانهم لأمنهم بعد أن عانوا كثيرا، على مرّ التاريخ الإسلامي من التضييق عليهم من قبل الفقهاء المتشدّدين الذي يصل حدّ إهدار دمائهم بتعلة الزندقة والكفر، وينزل هذه الرعاية السلطانية ضمن عملهم على توطيد حكمهم وتثبيته وضمان ولاء مريدي الطرق الصوفية عبر استقطاب شيوخهم.

ينتهي الباحث إلى أن التصوف يعيد للإنسان مركزية روحية وأخلاقية، ويقدّم فهمًا جديدًا لدوره في الكون، بما يجعله قادراً على مقاومة الهيمنة المادية والوظيفية للطغيان الاجتماعي والسياسي الذي يسم العوالم الرأسمالية الحديثة. فيتشيّأ الإنسان ويغترب عن ذاته وعن روحه، وبالمقابل تنفتح في التجربة الصوفية إمكانات بهجة روحية تعيد وصل القلب بالعقل، وتُخرج معنى الوجود من دائرة التجريد النظري إلى أفق المعايشة الحيّة.
ـ  طبيعة البنية الدينية والاجتماعية العامة أو ما يطلق عليه الباحث محمد حلمي عبد الوهاب بالمزاجية الصوفية الشعبوية.

ـ 7 ـ

يصل محمد حلمي عبد الوهاب دراسته بالبحث في تاريخ التصوف وواقع الإنسان في العصر الحديث: ففي ظل خطاب الحداثة ونزعته العلمانية التي تقصي الروحاني من الفضاء العام وفي ظل العوالم المادية التي تسيطر على الحياة، والعقلانية الوضعية التي تفرض عليها قيمًا وظيفية باردة، يمثل التصوّف استجابة متجددة وضرورية للاحتياجات الروحية للإنسان المعاصر. فهو يعيد وصل الإنسان بقيمه الداخلية وبعمق ذاته، ويتيح له استعادة البهجة الروحية والاتصال بالعقل والوجدان معًا، حتى يصبح معنى الوجود حاضرًا في كل تفاصيل حياته، ويمنحه القدرة على التفاعل مع الواقع بشكل متوازن، دون فقدان أصالة ذاته أو النزعة الروحية التي تحدد فهمه للحياة.

وينتهي الباحث إلى أن التصوف يعيد للإنسان مركزية روحية وأخلاقية، ويقدّم فهمًا جديدًا لدوره في الكون، بما يجعله قادراً على مقاومة الهيمنة المادية والوظيفية للطغيان الاجتماعي والسياسي الذي يسم العوالم الرأسمالية الحديثة. فيتشيّأ الإنسان ويغترب عن ذاته وعن روحه، وبالمقابل تنفتح في التجربة الصوفية إمكانات بهجة روحية تعيد وصل القلب بالعقل، وتُخرج معنى الوجود من دائرة التجريد النظري إلى أفق المعايشة الحيّة. ومن ثمّ تغدو الصوفية ملاذًا يلجأ إليه الإنسان كلما اشتدّ طغيان القوى المادية وأفرطت في التحكّم بمسارات الحياة الفردية والجماعية. وفي هذا السياق يستحضر الباحث مقولة ابن عربي التي ترى الإنسان تجلّيًا إلهيًا أعظم على الأرض، ونسخةً للحقّ في العالم؛ وهي رؤية تُعيد للذات الإنسانية مركزيتها الروحية، وتُقابل نزعات الاختزال المادي بردّ الاعتبار إلى بعدها العرفاني. فالتصوّف، بهذا المعنى، لا يكتفي بإحياء الطقس، بل يُعيد تأسيس صورة الإنسان في الكون.

ـ 8 ـ

يمثل الكتاب على نحو ما تأريخا للعلاقة بين الساسة والمتصوّفة في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي مما يشير إليه كاتبه بالبحث في هذه العلاقة على المستويين التاريخي والجغرافي (ويريد بذلك دراسة الظاهر في مناطق مختلفة في العالم الإسلامي مشرقا ومغربا).

ويمكن بشيء من التأويل أن نخلص إلى أن العلاقة بدأت بالتنافر باعتبار أن التصوف نشأ في شكل تحفظ إزاء انحراف بعض الخلفاء بالسلطة وانصرافا عن الحياة العامة ومرّت إلى التوظيف، فقد كان الساسة يلجؤون إلى نفوذ المتصوّفة كلما استشعروا خطرا ما يهدد سلطانهم وانتهت إلى التحالف المريح في العهد العثماني: فرجل السياسة كان يوفر للمتصوفة الملاذ الآمن، بعيدا عن مشاغبات الفقهاء والحياة المرفهة وشيوخ المتصوفة يضمنون ولاء أتباعهم للحاكم ويسهمون في توطيد حكمهم.

ومع ذلك يبدو الباحث متردّدا في الإشارة بالصوت المرتفع إلى هذا التقييم السلبي لدور الطرق الصوفية، خاصة في مراحل متأخرة من التاريخ الإسلامي، محرجا من عملها الثابت على إخضاع العامة لمؤسسة الحكم وتسليمهم بما يمارس ضدّهم من الحيف. فضلا عن ذلك، فهو يصمت بالكل عن التهم التي توجّه إلى هذه الطرق وتحملها قدرا كبيرا مما عاشه المسلمون من انحطاط في عصر كان فيه أعداؤهم ينهضون ويبنون قوتهم ويستعدون إلى غزو بلدانهم. فيبعث في القارئ الانطباع بأن الباحث، لتأكيده أنه يدرس التجربة الصوفية من داخلها في مقدمته، يقارب المسألة من منظور ذاتي غير قادر على الفصل بين الظاهرة في حدّ ذاتها، في صفائها ونبل غاياتها، وانحرافاتها اللاحقة عند من يوظفونها لصالحهم الخاص. ذلك أنّ الأمر لا يتعلّق بالتصوّف فحسب، وإنما يشمل مختلف الظواهر الدينية والاتجاهات الفكرية في كل عصر ومصر.
التعليقات (0)

خبر عاجل