تميم البرغوثي يرثي خامنئي.. قصيدة بين الرمز السياسي والجدل الثقافي

يشتغل النص على بناء خطاب رثائي يتجاوز الفرد إلى الرمز، حيث يتم تقديم خامنئي ليس فقط كشخصية سياسية، بل كامتداد لمسار تاريخي طويل من “المظلومية” في الوعي الشيعي.. فيسبوك
يشتغل النص على بناء خطاب رثائي يتجاوز الفرد إلى الرمز، حيث يتم تقديم خامنئي ليس فقط كشخصية سياسية، بل كامتداد لمسار تاريخي طويل من “المظلومية” في الوعي الشيعي.. فيسبوك
شارك الخبر
أثار نص شعري منسوب إلى الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي، في رثاء المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية الراحل علي خامنئي، جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية والسياسية العربية، إذ لم يُقرأ بوصفه مجرد نص أدبي في سياق الرثاء، بل باعتباره تقاطعًا كثيفًا بين الشعر والهوية المذهبية والسياسة الإقليمية، وما يحمله ذلك من شحنات رمزية متراكمة حول إيران ودورها في المنطقة.

القصيدة بين رثاء الرموز واستحضار الذاكرة المذهبية


في مقاطع القصيدة المتداولة، يشتغل النص على بناء خطاب رثائي يتجاوز الفرد إلى الرمز، حيث يتم تقديم خامنئي ليس فقط كشخصية سياسية، بل كامتداد لمسار تاريخي طويل من “المظلومية” في الوعي الشيعي، الممتد منذ استشهاد الإمام علي بن أبي طالب وما تلاه من سرديات الاضطهاد السياسي والديني في الذاكرة الشيعية.

ويبرز في هذا السياق توظيف مكثف لمفهوم “الشهادة” بوصفه قيمة مركزية، لا تُقدَّم كحدث موت فحسب، بل كمرتبة وجودية عليا في الخطاب الديني والسياسي، حيث تتحول إلى معنى أخلاقي وجمالي في آن واحد، يرتبط بفكرة التضحية المستمرة في سبيل “القضية” وامتدادها عبر الزمن.

ويعكس هذا البناء الشعري تقاطعًا بين البنية الصوفية/الدينية لفكرة الشهادة، وبين الاستخدام السياسي الحديث لها في سرديات المقاومة والهوية، وهو ما يجعل النص مفتوحًا على قراءات متعددة، تتراوح بين الاحتفاء الرمزي والاعتراض الإيديولوجي.

علي خامنئي.. شخصية بين الدور الديني والجدل العربي الحاد


يأتي الجدل حول القصيدة مرتبطًا بشكل مباشر بالشخصية التي تتم رثاؤها، أي علي خامنئي، الذي يُعد أحد أبرز القادة السياسيين والدينيين في العالم الإسلامي المعاصر، ومرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ عام 1989.

وقد ارتبط اسم خامنئي عربيًا بسجالات سياسية حادة، خاصة منذ الأزمة السورية عام 2011، حيث لعبت إيران دورًا عسكريًا وسياسيًا داعمًا للنظام السوري، وهو ما جعل شخصيته محل انقسام واسع في الرأي العام العربي بين من يراه قائد محور “المقاومة” ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وبين من يعتبره جزءًا من مشروع إقليمي مثير للجدل في أكثر من ساحة عربية.

كما ارتبط اسمه بملفات أخرى في العراق ولبنان واليمن، ما جعل حضوره يتجاوز البعد الديني الداخلي داخل إيران إلى كونه لاعبًا مركزيًا في توازنات الشرق الأوسط، وهو ما يضاعف من حساسية أي نص أدبي يُستحضر فيه بوصفه شخصية رثاء أو تمجيد.

تميم البرغوثي.. شاعر فلسطين بين القصيدة والسياسة


في المقابل، لا يمكن قراءة هذا الجدل بمعزل عن موقع تميم البرغوثي نفسه في المشهد الثقافي العربي، بوصفه أحد أبرز الأصوات الشعرية الفلسطينية المعاصرة، وابن الشاعر الكبير مريد البرغوثي والكاتبة رضوى عاشور، ما وضعه منذ بداياته في قلب تقاطع الأدب مع السياسة والهوية.

عرف البرغوثي بقدرته على تحويل القصيدة إلى فضاء خطابي يجمع بين الأداء الجماهيري واللغة الشعرية الكلاسيكية، مع حضور قوي لقضايا فلسطين بوصفها مركزًا رمزيًا في مشروعه الشعري، خصوصًا في أعماله التي تناولت القدس والهوية والاحتلال.

وقد جعل هذا المزج بين الشعر والموقف السياسي من تجربته مادة دائمة للجدل: فبينما يرى فيه أنصاره شاعرًا يعيد الاعتبار للقصيدة العربية بوصفها فعلًا جماعيًا مقاومًا، يرى منتقدوه أنه يقترب أحيانًا من الخطاب السياسي المباشر على حساب استقلالية النص الجمالي.

الشعر في قلب الاستقطاب الإقليمي


في المحصلة، تكشف القصيدة المنسوبة إلى تميم البرغوثي ـ سواء ثبتت نصيًا أو ظلت في دائرة التداول ـ عن طبيعة التحول الذي يشهده الشعر العربي المعاصر، حيث لم يعد النص الأدبي معزولًا عن حقول السياسة والهوية والصراع الإقليمي، بل أصبح جزءًا من معارك التأويل الكبرى في المنطقة.

وبين المظلومية التاريخية في الوعي الشيعي، والجدل العربي حول الدور الإيراني، وحضور شاعر فلسطيني مثقل بالرمزية السياسية، تتحول القصيدة إلى أكثر من رثاء: إنها مساحة تتقاطع فيها الذاكرة بالدين والسياسة، ويغدو فيها المعنى نفسه ساحة خلاف مفتوحة لا تقل حدّة عن الواقع الذي تستمد منه لغتها.

التعليقات (0)

خبر عاجل