في ساحة سياسية متصحرة بفعل الانقلاب وما سبقه من معارك استئصالية عقيمة،
صار أقل بصيص نقذ ذاتي يصنع جدلا. وفي كل مجادلة خير، ولكن صناعة الوهم بالتقدم لا
تعني بلوغه، فالمرحلة الموالية للخراب الديمقراطي الكبير تعني عندنا مراجعة الأسس
التي قامت عليها النقاشات، خصوصا ما كان منها بناء يسعى في خير وليس ما كان منها
هدّاما عرفنا نتيجته ونعيشها صحراء سياسية.
وننبه بوعي إلى أن الإيهام بالدخول في مراجعات فكرية وسياسية وأخلاقية أيضا
قد يعني إعادة تدوير الشخص والأفكار للاستعداد لمرحلة أخرى من التخريب الفكري
والتصحير الديمقراطي. إن مراجعة تفصيل ثانوي بإظهار حسن نية تجاه شركاء الوطن ضمن
سياق مغشوش لا ينتج حلولا مستدامة.
وسنوضح وجهة نظرنا حول المطلوب لما بعد الردة على الربيع، ومنها نقارب
أسباب الردة وما نحن فيه من صحراء سياسية يتخللها سراب النقد الذاتي الجزئي
والفردي والهامشي بالقوة.
لا يمكن استيراد الديمقراطية
نقطة الانطلاق في نقاش المراجعات هي تركيز النقاش حول نموذج الديمقراطية التي ننوي العيش فيها وبها
نقطة الانطلاق في نقاش المراجعات هي تركيز النقاش حول نموذج الديمقراطية
التي ننوي العيش فيها وبها. يوجد الآن نقاش
عربي (وعالم ثالثي أو جنوبي) واسع حول
نموذج الدولة ما بعد الكولونيالية أو الدولة الوطنية، وقد بلغ نقطة متقدمة حول فعالية
نموذج الإدارة المستورد تحت مسمى الدولة. وتقترب النقاشات من إجماع معرفي حول غربة
النموذج الغربي عن تراث الفكر السياسي ونماذج الحكم التي كانت سائدة وحطمها
الاستعمار وفرض في ظروف التحرر الوطني نموذج الدولة الغربية التي بناها لشعوبه
وأحسن إدارتها.
داخل هذا النموذج الغربي وفدت فكرة الديمقراطية وتبنتها النخب الحاكمة
والمعارضة على السواء، ولم تخضع لسؤال معرفي عميق عن مدى ملاءمتها للواقع
وللتاريخ. وقد كانت أنماط الحكم السابقة على الاستعمار فاشلة مما سهل استقبال
النموذج الغربي الناجح هناك، على أمل تقليده وتحقيق نفس النتائج.
لقد قامت الفكرة الغربية النموذج على قاعدة لائكية، فمنعت حضور الدين في
الحياة العامة وصاغت ذلك ضمن مشروع التحديث السياسي والفكري. وكان المواطن الغربي
الذي تعذب من تاريخ الكنيسة وممارستها التيوقراطية لقرون طويلة سعيدا بتلك الحرية،
فلم يعترض على هذا التأسيس.
وجب أن نذكّر هنا بأن الفائض الاستعماري المتدفق من المستعمرات ومن
الدويلات المصطنعة التي أخلفته قد ساهم في رفاه المواطن الغربي فلم يسأل عن مصدره،
وتمتع وواصل بيع نموذجه اللائكي لشعوب تائهة عن تراثها وثقافتها، فتحول نموذجه إلى
وسيلة قتل الديمقراطية خارج حدود رفاهه الفردي. (ونعتبر ما جرى في دول المغرب
العربي حالات مدرسية للتدليل على التخريب الديمقراطي باسم الديمقراطية).
سؤال المراجعات في هذه المرحلة والذي نظه سؤال التأسيس لما بعد الردة هو أي
نموذج للديمقراطية نحتاج؟ وما شروط نجاحه لتحقيق هدفين كبيرين ومصيريين: التحرر
الوطني من النموذج التسييري الغربي، والتحرر الثقافي من نمط الفكر الذي قامت عليه
حداثة الغرب السياسية؟
مراجعات أم إعادة تأسيس؟
تكمن العقدة التاريخية في مساءلة النموذج المستورد للدولة وللديمقراطية.
لقد كانت مرحلة الربيع العربي مرحلة تجريب حاولت تجاوز النموذج التسييري الغربي
الذي مارسته الدولة الوطنية، لكن التجربة سقطت بسرعة لأن النموذج ملك أسباب بقاء
ومنعة ضد إعادة التأسيس من نقطة صفر. لقد خلق طبقة مستفيدين أرعبها
التغيير، وهذه
الطبقة لا تطرح أسئلة جوهرية عن نوع الحكم وأسباب الاستقرار والنماء الحقيقية. وقد
استسهل كثيرون وصفها بطبقة الفساد السياسي ولم يجانبوا الصواب.
واقترح الربيع العربي على العرب خاصة بناء نموذج سياسي غير لائكي، أي
مخالف بالجملة لنموذج الديمقراطية الغربية عامة والفرنسية خاصة، أي نموذج يشارك
فيه تيار سياسي بخلفية إسلامية، يفكر من داخل التراث السياسي الإسلامي ويحاول
تطوير التجربة السياسية للعرب وللإسلام دون الاكتفاء بنقل تجربة الغرب نقلا غبيا.
هنا حدث المشكل الكبير الذي انتهى إلى الردة؛ كيفية إشراك الإسلاميين بمرجعياتهم
في تجربة مستنسخة عن تجربة لائكية.
لقد وجدت الدولة المستوردة نفسها تواجه سؤالا كبيرا يطعن في شرعية وجودها، ووجدت
النخبة الحداثية نفسها في نفس الصف مع الدولة التي تنعتها بالفساد رغم أنها سبقت
الإسلاميين إلى معارضتها. وكان السؤال المضني هو: هل يمكن التأسيس مع الإسلاميين؟
فكان الجواب "لا" سريعة وصريحة وعالية، فانقلبت النخب الحداثية إلى نخب
محافظة تتمسك بدولة الفساد وتحمي طبقته وتقطع الطريق على كل تأسيس. وما جرى بعد
الردة (وبدايتها كانت انقلابا عسكريا بدعم استعماري صريح) هو الحفاظ على الوضع
القائم، دون السماح للإسلاميين وخطابهم وأشخاصهم بالمشاركة.
لقد نجت الدولة المستوردة من المراجعات الجذرية ولكننا لا نراها تنجو من
حتمية المراجعة، وكل ما يجري الآن هو وقت مهدر في انتظار العودة إلى السؤال
التأسيسي: كيف نبني مع الإسلاميين دولة جديدة بفكر محلي غير مملى على النخب
الحاكمة والمعارضة؟ إنه سؤال/ استحقاق تاريخي لا يسقط بالقفز فوقه وتجاهله.
مراجعة نموذج التحديث السياسي من
الأصل
كيف نبني نموذجا سياسيا جديدا يشارك فيه تيار ديني مع تيارات التحديث فيتصارعان بوسائل الديمقراطية؟ هذا سؤال المراجعات وليس الاكتفاء بتنظيف التاريخ الفردي من مشاركة في الاستئصال، والتي انتهت لصالح منظومات الفساد والتبعية التي تسمى تعسفا دولا وطنية
من هذه الزاوية فإن الاعتذار للإسلاميين ضحايا الإقصاء يصبح عملا فرديا
جزئيا خارج السياق التاريخي، ويمكن قراءته كتوجه فردي ناتج عن تأنيب ضمير لمن شارك
بقوة في الاستئصال السياسي. فاللحظة تقتضي في تقديرنا (ونتمسك به بقوة) إعادة
التفكير في نموذج التحديث السياسي وقواعد تأسيس الديمقراطية من خارج التجربة
الغربية (النموذج). وإذا كانت الردة على الربيع قد قدمت لنا درسا فهو التالي: إن
إعادة إنتاج نماذج التسيير/ الحكم السابقة على الربيع كررت بسرعة خارقة أسباب الفشل
الذي سبق الربيع وكانت سببا في انفجاره، وها هي توفر له أسباب انفجار أخرى مطابقة.
إنها ردة بلا أفق تمهد بالقوة للمراجعات المطلوبة.
هنا سؤال التحديث الفكري والسياسي. ما جُرب في الغرب وما بني بخصوصية لا
يمكن نقله كما ننقل سيارة بمفتاحها من مصنعها الغربي إلى شارع في تونس أو في مصر.
يوجد هنا معطى تاريخي مؤسس هو الإسلام (النص والتاريخ)، وهو موضوع نقاشات مفتوحة عمرها
قرنان، ويعبر عنه تيار سياسي عمره التنظيمي قرن على الأقل؛ لم يمت ولم يندثر رغم
الأثمان المدفوعة، بل ما يزال يفرض سؤال المراجعات على النخب التي استسهلت التوريد
كما استسهلت ركوب سيارة لم تصنعها.
كيف نبني نموذجا سياسيا جديدا يشارك فيه تيار ديني مع تيارات التحديث
فيتصارعان بوسائل الديمقراطية؟ هذا سؤال المراجعات وليس الاكتفاء بتنظيف التاريخ
الفردي من مشاركة في الاستئصال، والتي انتهت لصالح منظومات الفساد والتبعية التي
تسمى تعسفا دولا وطنية.
متى تبدأ هذه المراجعات الفعالة؟ عندما تقف نخب الحداثة السياسية والفكرية
على حقيقة أننا نتجه بقوة إلى لحظة استقلال جديدة تشبه لحظة مغادرة الاستعمال
المباشر، فيكون العمل فيها على محو تراث الاستبداد المسنود بالاستعمار (أي الدولة
الوطنية) ووضع أسس تجربة ديمقراطية بمواصفات محلية؛ فيها مكون إسلامي بالقوة لا
بالتفضل النخبوي. في الأثناء ستواصل الردة العسكرية الغاشمة توزيع المغانم على جزء
من نخب حداثية ولكنها تخشى التغيير، وقد علمنا أن جوهر الحداثة التغيير.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.