أعاد الكاتب والروائي البريطاني كورتيا نيولاند فتح النقاش حول استقلالية الإبداع ودور
الأدب في مقاومة الهيمنة الثقافية، عبر
كتابه الجديد "فن المعارضة: حول الأمل والصمود والتعبير الإبداعي خارج نطاق السائد"، الذي يدافع فيه عن حق الفنانين، ولا سيما المنتمين إلى الأقليات، في إنتاج أعمال تتحرر من إملاءات السوق وضغوط المؤسسات الثقافية، ويقدم رؤية تربط بين التعددية الثقافية وتجدد التجربة الأدبية والحضارية.
ويمثل الكتاب، الذي صدر عن دار"فابر"،
مجموعة من المقالات الفكرية والنقدية التي يستند فيها نيولاند إلى تجربته الممتدة
روائياً وكاتب سيناريو ومسرحياً، ليقدم دفاعاً عن حق الفنانين، ولا سيما المنتمين
إلى الأقليات العرقية، في التعبير عن ذواتهم بعيداً عن القوالب الجاهزة والضغوط
التجارية التي تفرضها صناعة النشر والإنتاج الثقافي.
امتداد لتقليد ثقافي مقاوم
وترى الكاتبة البريطانية ديانا إيفانز، في
مراجعتها للكتاب بصحيفة "الغارديان"، أن "فن المعارضة" يندرج
ضمن تقليد ثقافي طويل سعى إلى منح الفنانين السود في
بريطانيا مساحة مستقلة
للتعبير عن قضاياهم، مستحضرة كتاب "عواصف
القلب" الذي حرره الكاتب والمخرج الغاني الراحل كويزي أووسو عام 1988، والذي
جمع أصواتاً بارزة في الأدب والفنون السوداء، وكان بمثابة إعلان رفض لتهميش
الإنتاج الثقافي القادم من أبناء الشتات الأفريقي.
ورغم اختلاف الشكل بين العملين، فإن القاسم
المشترك بينهما يتمثل في مقاومة ما تصفه إيفانز بـ"الغيتوهات الثقافية"،
أي حصر إبداع الفنانين السود في موضوعات وهويات محددة، أو التعامل مع أعمالهم
بوصفها هامشية مقارنة بما تنتجه المؤسسة الثقافية السائدة.
مواجهة إملاءات السوق
ويستعيد نيولاند في مقالاته مسيرته الأدبية،
موضحاً كيف وجد نفسه منذ بداياته في مواجهة توقعات دور النشر والنقاد، الذين رحبوا
بأعماله الواقعية التي تناولت حياة الشباب في أحياء غرب لندن، بينما أبدوا حماساً
أقل لمشاريعه الأكثر تجريبية، خصوصاً تلك التي تنتمي إلى الخيال العلمي ذي
المرجعيات الأفريقية.
ويشير إلى أن روايته الأولى "العالِم" حققت نجاحاً لافتاً
بفضل تناولها العنف والمخدرات داخل المجتمعات المهمشة، إلا أن المؤسسات الثقافية
فضلت تصنيفه ككاتب لـ"الأدب الحضري"، في حين كان يسعى إلى كتابة أعمال
أكثر تحرراً من التصنيفات التقليدية، مثل روايته "نهرٌ يُدعى "الزمن" التي تستلهم الخيال
العلمي والأفروفيوتشرية.
ويؤكد أن الإبداع الحقيقي لا ينبغي أن يخضع
لما يطلبه السوق أو لما يتوقعه الجمهور، بل لما يريد الفنان قوله، معتبراً أن
"الهدف الأسمى هو أن نقول ما نعنيه بالفعل"، حتى لو تعارض ذلك مع
المعايير التجارية السائدة.
الحقيقة قبل الصورة النمطية
ومن أبرز مقالات الكتاب تلك التي يناقش فيها
الجدل الذي أحاط بالمسلسل البريطاني الشهير "توب بوي"، والذي تعرض لانتقادات بدعوى تكريسه صوراً
نمطية عن السود من خلال التركيز على العصابات والعنف.
ويرفض نيولاند هذا المنطق، معتبراً أن معيار
تقييم العمل الفني يجب أن يكون صدقه في تمثيل الواقع، لا مدى توافقه مع الصورة
التي يرغب الآخرون في رؤيتها.
ويستشهد بحادثة وقعت أثناء زيارته لسجن
واندسوورث، عندما طلب منه أحد السجناء ألا يتوقف عن الكتابة عن حياتهم، وهو ما
اعتبره الكاتب التزاماً أخلاقياً بمواصلة نقل تجارب المجتمعات المهمشة كما هي،
بعيداً عن الرقابة الذاتية أو إرضاء التوقعات الخارجية.
أزمة التمثيل الثقافي
ويخصص نيولاند مساحة واسعة لمناقشة العلاقة
بين الفنانين السود والنقد الأدبي، معتبراً أن المشكلة لا تقتصر على ضعف التمثيل
داخل المؤسسات الثقافية، بل تمتد إلى غياب نقاد يمتلكون فهماً عميقاً للسياقات
الثقافية التي تنبثق منها هذه الأعمال.
ويكتب أن الفنانين المنتمين إلى الأقليات
"يجدون باستمرار أن طرق تفكيرهم وإحساسهم تُهاجم أو تُنكر بسبب الكيفية التي
يتخيلهم بها الآخرون، أو بسبب ما يريدونه من فنهم"، مؤكداً أن استعادة
السيطرة على صورة الذات تمثل إحدى أهم معارك الإبداع المعاصر.
قراءة في الثقافة السوداء
ولا يقتصر الكتاب على التجربة الذاتية، بل
يقدم قراءات
نقدية لعدد من الأسماء البارزة في الأدب والموسيقى والثقافة السوداء،
من بينهم الروائي الأمريكي بيرسيفال إيفريت، الذي يشيد به نيولاند بسبب تمسكه
بالتجريب الأدبي ورفضه اختزال الكتاب السود في موضوعات الهوية العرقية.
كما يتناول تجربة مغني الراب البريطاني روتس مانوفا، مقدماً
قراءة موسيقية تربط بين موسيقى الدَب والخيال العلمي، ويستعرض الفروق الفكرية بين
"الأفروفيوتشرية" و"المستقبلية الأفريقية"، باعتبارهما تيارين
مختلفين في تصور علاقة الأفارقة بالمستقبل والتكنولوجيا.
وفي جانب آخر، ينتقد تغييب الكتّاب السود عن
النقاشات المتعلقة بأدب الطبقة العاملة في بريطانيا، رغم وجود طبقة عاملة سوداء في
البلاد منذ القرن السادس عشر، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، استمرار الإقصاء حتى داخل
الخطابات التي تدّعي الدفاع عن الفئات المهمشة.
الفن بوصفه مقاومة
وترى إيفانز أن أهمية الكتاب تتضاعف في ظل
ما تصفه بتراجع مكانة الفنون وتصاعد الهجمات السياسية على التيارات التقدمية، التي
كثيراً ما تُوصم في الخطاب المحافظ بأنها تعبير عن "ثقافة اليقظة" أو
"الووكية".
وفي هذا السياق، يقدم نيولاند تصوراً للفن
باعتباره فعلاً من أفعال المقاومة، مؤكداً أن ازدهار ثقافة الكراهية داخل التيار
السائد يدفع، في المقابل، إلى نشوء ثقافات مضادة تتحول إلى فضاءات للاعتراض وإعادة
تعريف الهوية.
ولا ينظر الكاتب إلى الإبداع باعتباره
نشاطاً جمالياً معزولاً، بل كأداة لإنتاج معرفة جديدة، وإعادة كتابة السرديات التي
طالما احتكرت المؤسسات الثقافية تمثيلها.
الأدب المقاوم.. تقاطعات بين التجربتين
الغربية والعربية
ولا يقدم نيولاند مفهوم
"المعارضة" بوصفه مواجهة سياسية مباشرة فحسب، بل باعتباره موقفاً
جمالياً وأخلاقياً يدافع عن حق الكاتب في مقاومة الهيمنة الثقافية والاقتصادية،
وهي رؤية تلتقي، وإن اختلفت سياقاتها، مع مفهوم "الأدب المقاوم" الذي
عرفته الثقافة العربية منذ عقود، ولا سيما في التجربة الفلسطينية، حيث ارتبط الأدب
بمقاومة الاحتلال والاستعمار والحفاظ على الهوية الوطنية.
غير أن الأدب المقاوم في السياق الغربي اتخذ
منحى أكثر اتساعاً، إذ لم يقتصر على مقاومة السلطة السياسية، بل شمل أيضاً مقاومة
التهميش العرقي، وهيمنة السوق، واحتكار المؤسسات الثقافية لتمثيل الهويات
المختلفة. ومن هنا يلتقي المفهومان في الدفاع عن حرية الإنسان وحقه في سرد تجربته
بنفسه، وإن اختلفت طبيعة الخصم الذي يواجهه كل منهما.
التعددية الثقافية.. مصدر قوة للأدب الغربي
ويكشف كتاب نيولاند عن إحدى السمات التي
أسهمت في تجديد الأدب الغربي خلال العقود الأخيرة، وهي انفتاحه المتزايد على أصوات
تنتمي إلى هويات متعددة، من أبناء المهاجرين والأقليات العرقية والثقافات
المختلفة. فقد أتاح هذا التنوع ظهور موضوعات وأساليب سردية جديدة أعادت تشكيل
المشهد الأدبي، وأغنت النقاشات الثقافية والفكرية، وأسهمت في تطوير الرواية والشعر
والمسرح والسينما.
كما أن احتضان المؤسسات الثقافية
البريطانية، بدرجات متفاوتة، لهذه الأصوات عبر الجوائز ودور النشر والجامعات، جعل
التعددية الثقافية تتحول من مجرد واقع اجتماعي إلى رافعة للإبداع، ومصدراً لتجديد
الثقافة الغربية نفسها. ويعكس كتاب "فن المعارضة" هذا التحول، إذ يدافع
عن التنوع لا بوصفه مطلباً حقوقياً فحسب، وإنما باعتباره شرطاً لازماً لازدهار
الأدب والثقافة، ومن ثم إثراء التجربة الحضارية برمتها.
وبهذا المعنى، لا يقتصر "فن
المعارضة" على كونه مجموعة مقالات أدبية، بل يمثل بياناً فكرياً يدافع عن
استقلالية الفنان، وحقه في إنتاج أعمال لا تستجيب لمعايير السوق أو حسابات
المؤسسات، بل تنطلق من قناعة بأن الفن يظل أحد أكثر أشكال المقاومة قدرة على مساءلة
السلطة، وإعادة تشكيل الوعي، والدفاع عن التعددية الثقافية في مواجهة كل أشكال
الإقصاء.