أطاحت قضية تتعلق بانتهاك حقوق الملكية
الفكرية بوزيرة
الثقافة المصرية جيهان زكي، بعدما أعلنت الحكومة قبول استقالتها من
منصبها، إثر صدور حكم قضائي نهائي يدينها في قضية وصفت إعلامياً بـ"السرقة
الأدبية"، لتنتهي بذلك فترة لم تدم سوى أشهر قليلة على رأس الوزارة.
وجاءت
الاستقالة بعد ساعات من رفض محكمة
النقض الطعون المقدمة من زكي، وتأييدها الحكم الصادر عن المحكمة الاقتصادية، الذي
أدانها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة والروائية المصرية سهير عبد
الحميد، في نزاع أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط الثقافية المصرية منذ تفجره.
وأكد بيان لمجلس الوزراء المصري أن جيهان
زكي تقدمت باستقالتها من منصبها، الذي تولته عقب التعديل الوزاري الجزئي الذي
أجراه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في شباط/ فبراير الماضي، فيما نقلت وسائل إعلام
محلية عن
الوزيرة قولها إن قرارها جاء "احتراماً لأحكام القضاء"
و"رفعاً للحرج عن الحكومة"، معتبرة أن القضية ذات طابع شخصي ولا ينبغي
أن تؤثر على عمل المؤسسة الرسمية.
نزاع حول كتاب منشور رسمياً
وتعود القضية إلى اتهام الكاتبة سهير عبد
الحميد لوزيرة الثقافة بنقل أجزاء من كتابها البحثي "اغتيال قوت القلوب
الدمرداشية سيدة القصر" دون إذن أو توثيق، وإدراجها في كتاب أصدرته زكي
بعنوان "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين"، والذي نشرته
الهيئة المصرية العامة للكتاب، إحدى المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة.
ورأت المحكمة أن ما ورد في الكتاب يمثل
تعدياً على حقوق المؤلفة الأصلية، وهو ما دفعها إلى إصدار حكم بإلزام الوزيرة بدفع
تعويض مالي قدره 100 ألف جنيه مصري لصالح الكاتبة، إلى جانب سحب الكتاب من الأسواق
ومنع تداوله وإعدام النسخ المخالفة.
وبعد استنفاد درجات التقاضي، أيدت محكمة
النقض الحكم، ليصبح نهائياً وباتاً، الأمر الذي وضع وزيرة الثقافة في مواجهة
تداعيات سياسية وأخلاقية انتهت باستقالتها من منصبها.
سابقة نادرة في وزارة الثقافة
وتعد استقالة جيهان زكي من الحالات النادرة
التي يغادر فيها وزير الثقافة المصري منصبه على خلفية إدانة قضائية تتعلق بحقوق
الملكية الفكرية، وهي القضية التي تكتسب حساسية خاصة بالنظر إلى أن الوزارة تُعد
الجهة الرسمية المعنية بحماية الإبداع وصون حقوق المؤلفين والمفكرين.
وأثار الحكم تساؤلات داخل الأوساط الثقافية
بشأن آليات مراجعة الإصدارات التي تصدر عن المؤسسات الرسمية، ومدى التزامها
بالمعايير الأكاديمية وقوانين حماية حقوق النشر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر
بإصدارات تحمل أسماء مسؤولين حكوميين.
من هي جيهان زكي؟
وتُعد جيهان زكي من الأسماء المعروفة في
مجال علم المصريات، إذ شغلت سابقاً منصب مديرة الأكاديمية المصرية للفنون في روما،
كما كانت عضواً في مجلس النواب المصري، قبل أن يتم اختيارها وزيرة للثقافة ضمن
التعديل الوزاري الأخير.
وعُرفت زكي باهتمامها بالدبلوماسية الثقافية
وبالترويج للتراث المصري في المحافل الدولية، إلا أن القضية القضائية ألقت بظلالها
على مسيرتها، لتصبح أول مسؤول حكومي يغادر الحكومة الحالية بسبب حكم نهائي يتعلق
بانتهاك حقوق الملكية الفكرية.
جدل حول أخلاقيات البحث والنشر
وأعادت القضية إلى الواجهة النقاش حول ظاهرة
"السرقة الأدبية" في الأوساط الأكاديمية والثقافية العربية، في ظل تزايد
المطالب بتشديد الرقابة على الأبحاث والإصدارات، وتعزيز آليات كشف الانتحال
العلمي، خاصة في المؤسسات الرسمية والجامعات.
ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن أهمية القضية
لا تكمن في قيمة التعويض المالي أو العقوبات المترتبة على الحكم، بل في الرسالة
التي يبعثها القضاء بشأن حماية حقوق المؤلفين، وترسيخ مبدأ المساءلة، بغض النظر عن
المناصب التي يشغلها المتقاضون.
وفي المقابل، لم تصدر وزارة الثقافة المصرية
حتى الآن بياناً يوضح آلية التعامل مع آثار الحكم داخل المؤسسات التابعة لها، أو
موعد تعيين وزير جديد لقيادة الوزارة، في وقت تترقب فيه الأوساط الثقافية المصرية
تداعيات هذه السابقة على مستقبل سياسات النشر وحقوق الملكية الفكرية في البلاد.