حذرت صحيفة “
نيويورك تايمز” الأمريكية من اقتراب
السودان من كارثة إنسانية جديدة، مع تصاعد المخاوف من سقوط مدينة الأُبيض في قبضة قوات
الدعم السريع، معتبرة أن تجاهل المجتمع الدولي للحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات يهدد بمفاقمة واحدة من أكثر الأزمات دموية في العالم.
ودعت الصحيفة الولايات المتحدة والقوى الإقليمية إلى التحرك الفوري لوقف القتال، محذرة من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من المجازر والنزوح وعدم الاستقرار في المنطقة.
وقالت الصحيفة، في افتتاحية بعنوان "العالم بحاجة إلى التحرك لمنع الرعب القادم في السودان"، إن المؤشرات الحالية تنذر بتكرار المآسي التي شهدتها مدن سودانية أخرى، بعدما حشدت قوات الدعم السريع مقاتليها على مشارف مدينة الأُبيض ذات الأهمية الاستراتيجية، وباتت على وشك فرض حصار عليها.
وأضافت أن نحو 600 ألف شخص داخل المدينة يواجهون نقصا حادا في الغذاء والمياه والأدوية، فيما بدأت قوات الدعم السريع، بحسب الصحيفة، بتنفيذ غارات عبر طائرات مسيرة أوقعت قتلى بين المدنيين.
ونقلت الصحيفة عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قوله إن "المؤشرات القادمة من الأُبيض واضحة ولا لبس فيها، فكارثة جديدة لحقوق الإنسان تتكشف في السودان".
اظهار أخبار متعلقة
حرب دامية لا تحظى بالاهتمام
ورأت الصحيفة أن الحرب السودانية لا تحظى بالاهتمام الدولي الذي تستحقه، رغم أنها تعد من أكثر النزاعات دموية في العالم، مرجعة ذلك إلى انشغال المجتمع الدولي بالحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط، إضافة إلى ما وصفته بتجاهل الصراعات الأفريقية، وهو ما يعكس، بحسب الصحيفة، ازدواجية في المعايير السياسية والاقتصادية.
وأكدت أن استمرار الحرب لفترة طويلة خلق حالة من اليأس دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن جهود السلام أصبحت بلا جدوى، إلا أنها شددت على أن هذا المنطق يضاعف كلفة الحرب الإنسانية والسياسية.
وأشارت الصحيفة إلى أن تقديرات المراقبين المستقلين تشير إلى سقوط ما بين 150 ألفا و400 ألف قتيل منذ اندلاع الحرب، فضلا عن نزوح ملايين السودانيين داخليا ولجوء مئات الآلاف إلى دول الجوار، محذرة من أن استمرار النزاع يهدد بتوسيع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها.
دعوة إلى تحرك أمريكي وإقليمي
واعتبرت نيويورك تايمز أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على ممارسة ضغوط حقيقية على القوى الإقليمية المؤثرة في النزاع، وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات، لدفعها نحو استئناف مسار السلام وفرض وقف لإطلاق النار.
ودعت الصحيفة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تجديد التزامها بملف السودان، والعمل على حماية المدنيين الذين يواجهون، بحسب وصفها، خطر القتل والاغتصاب والتعذيب.
وأوضحت الصحيفة أن الأزمة الحالية تعود إلى الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عام 2018 بعد قرار نظام الرئيس المخلوع عمر البشير رفع الدعم عن الوقود والقمح، والتي انتهت بإطاحته في العام التالي عبر تحالف جمع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
لكن هذا التحالف لم يصمد طويلا، إذ تحول إلى صراع مفتوح على السلطة والنفوذ والسيطرة على الموارد الطبيعية، خاصة الذهب والنفط والأراضي الزراعية، بحسب الصحيفة.
وأكدت أن دوافع الصراع الحالية ترتبط بالانقسامات العرقية أكثر من ارتباطها بالدين، مشيرة إلى أن غالبية سكان السودان مسلمون، لكنهم ينقسمون بين مجموعات عربية وأخرى أفريقية غير عربية.
اظهار أخبار متعلقة
اتهامات للطرفين بارتكاب انتهاكات
وأشارت الصحيفة إلى أن القوات المسلحة السودانية، بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، تلقت دعما من مصر وإيران، لكنها تواجه في الوقت نفسه اتهامات أممية بارتكاب جرائم حرب، من بينها التعذيب والعنف الجنسي واستخدام أسلحة كيميائية.
في المقابل، أكدت الصحيفة أن الأمم المتحدة تتهم قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، بارتكاب أعمال إبادة جماعية بحق مجموعات غير عربية في إقليم دارفور منذ عام 2023، فضلا عن تورطها في الانتهاكات التي شهدها الإقليم قبل نحو عقدين.
وأضافت أن مسؤولين أمريكيين سبق أن أشاروا إلى حصول قوات الدعم السريع على دعم من دولة الإمارات.
ولفتت الصحيفة إلى أن الحد الأدنى لتقديرات القتلى في السودان، والبالغ 150 ألف شخص، يفوق بأكثر من الضعف الحصيلة الرسمية للقتلى في قطاع غزة، ويقارب إجمالي أعداد القتلى من المدنيين والعسكريين في الحرب الأوكرانية، رغم أن النزاع السوداني يحظى باهتمام إعلامي وسياسي أقل بكثير.
خارطة طريق فشلت
وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة، بالتعاون مع مصر والسعودية والإمارات، طرحت في أيلول/ سبتمبر الماضي خارطة طريق لوقف الحرب، تضمنت هدنة لمدة ثلاثة أشهر تعقبها مفاوضات لتشكيل حكومة انتقالية مدنية.
لكن القوات المسلحة السودانية رفضت المبادرة، بينما أعلنت قوات الدعم السريع قبولها لها قبل أن تشن، بحسب الصحيفة، هجوما واسعا على مدينة الفاشر، أدى إلى مقتل نحو 6 آلاف مدني خلال ثلاثة أيام، وفقا لتقرير أممي اعتبر أن الهجوم يحمل "السمات المميزة للإبادة الجماعية".
واختتمت الصحيفة افتتاحيتها بالتأكيد على أن اقتراب حصار مدينة الأُبيض يفرض تحركا عاجلا من المجتمع الدولي، مطالبة إدارة ترامب والقادة الأوروبيين ومصر والسعودية والإمارات بإعطاء الأولوية لإنهاء الحرب بدلا من التنافس على النفوذ داخل السودان.
وأضافت أن العالم يشهد منذ بداية العقد الحالي أعلى معدلات للقتلى في النزاعات المسلحة منذ الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، معتبرة أن الحرب السودانية تمثل أحد أبرز أسباب هذا التدهور، وأن وقفها بات ضرورة ملحة لمنع اتساع دائرة المآسي الإنسانية، بحسب افتتاحية "نيويورك تايمز".