ملأ الشيخ الزين العربي الدردير بخطبته قبل
أسبوع الدنيا وشغل الناس في
ليبيا، وأصبحت مادة خطبته مثار
جدل حاد بين مؤيد
لمضمونها، وهم أغلبية من تفاعلوا مع موضوعها، ومعارضون معظمهم انطلق من أساس ديني
يدور حول عدم جواز التعرض لأولياء الأمور.
مدار
الخطبة كان حول الهوة بين المسؤولين
وعموم الليبيين، خاصة في الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد مؤخرا من انقطاع
الكهرباء لساعات طوال ونقص الوقود وتدني الخدمات الصحية...الخ، وبقدر ما ظهر
للخطبة من ارتدادات كان لها أصداء في اتجاهات عدة دوى بعضها في "طريق
السكة" بالعاصمة طرابلس، حيث مقر رئاسة الحكومة، بقدر ما أثارت قضايا فكرية
حساسة في مقدمتها: سؤال الوعي ودور النخبة في بنائه وترقيته.
لقد كان من أبرز معيقات عملية الانتقال من الاستبداد والتخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في ليبيا هو محدودية الوعي المطلوب لتأطير وتفعيل وحماية عملية التحول إلى دولة المؤسسات والمجتمع المتفاعل إيجابيا مع متطلبات البناء في كافة المجالات.
لقد كان من أبرز معيقات عملية الانتقال من
الاستبداد والتخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في ليبيا هو محدودية
الوعي المطلوب لتأطير وتفعيل وحماية عملية التحول إلى دولة المؤسسات والمجتمع
المتفاعل إيجابيا مع متطلبات البناء في كافة المجالات.
وغياب الوعي الكافي لضمان الانتقال وتحقيق
كافة اشتراطاته لا يقتصر على جموع الناس الذين وقعوا تحت ضغط تزييف وعيهم لحقبة
غير قصيرة من الزمن، بل طال شريحة غير قليلة ممن يقع عليهم نشر الوعي وصونه من
التحريف من النخبة بمختلف مشاربهم، فالفرق شاسع بين المعرفة والوعي، ويحصل في
مجتمعاتنا التي تعاني قدر لا بأس به من التخلف وجود أعداد كبيرة من حملة الشهادات
العليا إلا إنهم يعيشون على هامش الفعل والتدافع، ويفتقرون إلى الوعي الذي يحولهم
إلى فواعل تسهم في تغيير واقع الناس المزري إلى الأفضل، وتكون لهم بصمتهم في
التأثير على قرارات وسياسات الحكومة.
خطبة الدردير وضعت الليبيين أمام هذا
التحدي، من جهة دور النخبوي عند وقوع النوازل واضطراب الأوضاع والانحرافات عن
المسارات الصحيحة ومعاناة عموم الناس اقتصاديا واجتماعيا. فأن يٌعتبر تناول خطيب
الجمعة قضايا تشغل المصلين وتقض مضجعهم انحرافا عن الدور المنوط بالخطباء وأن
تناول الخطباء لتلك الموضوعات هو من قبيل الخوض في السياسة أو الوقوع في محظورات
شرعية هي محل خلاف فقهي بالأساس، فهذا مؤشر على خلل في الوعي وعلامة جلية على
الانعطاف بعيدا عن مسار الإصلاح.
ويأتي في مقدمة علامات التجافي مع الوعي
المطلوب لتحرير العقول وتوسيع مساحة المشاركة في تصحيح المسار تبرم السلطة من
النقد وقلقها من الخطاب البناء الذي يصدر عن النخبة، فالقيادي والمسؤول المصلح
الذي يتفهم معاناة الناس ويقترب منها قولا وعملا لا يجد غضاضة في الانتقاد إذا كان
له مبرره وما دام نقدا موضوعيا ويبتعد عن الافتراء والتحريض.
إن السير في الاتجاه نحو التغيير وبخطى
ثابتة يبدأ بتصدر من يحملون هموم الناس ويتحلون بالوعي والمسؤولية والنزاهة، ليكون
شغلهم الشاغل إعادة بناء الوعي في المجتمع والدفع باتجاه الإصلاح المؤسسي
والمساهمة في وضع وتنفيذ الخيارات الرشيدة من قبل صناع القرار.
هناك حاجة ماسة للكلمة الصادقة التي تتحول إلى شعار يلهم جموع الناس في المجتمع الليبي، وإلى الجملة التي تتحول إلى مثل يتداول بين مختلف الفئات فتدفعهم إلى العمل والإنتاج والفعل البناء، وإلى التصريح والخطبة والمقالة الهادفة التي يصير مضمونها منهاج حياة للشباب وغيرهم ممن تقوم عليهم عملية الانتقال الصحيح والتحول الصائب.
الظاهر اليوم هو بروز عدد محدود جدا من
المثقفين والنشطاء في الفضاء السياسي والثقافي والإعلامي الليبي، وليس جميعهم ممن
يدركون متطلبات معالجة أزمات الدولة ونوازل المجتمع، بل إن اعدادا ممن يحسبون على
رواد المجتمع جنحوا بمواقفهم وأراءهم بعيدا عن خط البناء من خلال تبرير السلوك
الاستبداد القهري الذي يقيد الحريات وينتهك الحقوق ويرهن مؤسسات الدولة لفئة
محدودة، لذا فإن هناك حاجة لانخراط أعدادا أكبر من أهل المعرفة والوعي والنزاهة في
مجالات السياسية والاقتصاد والاجتماع والثقافة بمداها الواسع في صناعة الوعي
المجتمعي الشامل، والإسهام في وضع الاستراتيجيات التي تجمع بين مسؤوليات الدولة
وحراك مكونات المجتمع لتحقيق النهوض.
هناك حاجة ماسة للكلمة الصادقة التي تتحول
إلى شعار يلهم جموع الناس في المجتمع الليبي، وإلى الجملة التي تتحول إلى مثل
يتداول بين مختلف الفئات فتدفعهم إلى العمل والإنتاج والفعل البناء، وإلى التصريح
والخطبة والمقالة الهادفة التي يصير مضمونها منهاج حياة للشباب وغيرهم ممن تقوم
عليهم عملية الانتقال الصحيح والتحول الصائب.
أما المسؤولون فعليهم أن يدركوا أن صلاحهم
إنما يظهر في تماهيهم مع الدور النخبوي الوطني الرشيد ليتكون من اجتماع الفكر
والمعرفة مع سلطة القرار مسارا تغييرا جذريا للوضع البائس الذي تواجهه الدولة
ويعاني منه الشعب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.