كشف خبران تداولها الإعلام مؤخرا عن تقديم
مصر دعما لوجستيا وعسكريا للاحتلال
الإسرائيلي في حربه التي يشنها إلى جانب الجيش الأمريكي على
إيران منذ 28 شباط/ فبراير الماضي، ما اعتبره مراقبون مخالفة واضحة لما يعلنه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، عن حياد بلاده في الأزمة التي حملت تداعيات خطيرة على مصر والخليج العربي.
ويفيد الخبر الأول بأن "
أركيا" وهي ثاني أكبر شركة طيران في "إسرائيل"، نقلت أعمالها إلى مدينتي طابا المصرية والعقبة الأردنية لتأزم الملاحة بمطار بن غوريون مع قصف إيران المرافق الحيوية، حيث تنقل الشركة المسافرين بالحافلات عبر الحدود مع مصر لمطار "طابا" بسيناء حيث تواصل رحلاتها لدول العالم.
وكان
بيان للسفارة الأمريكية بـ"إسرائيل" قد كشف عن تسهيلات مصرية واسعة للمسافرين من "إسرائيل" عبر معبر "طابا" ومطاري "طابا" و"شرم الشيخ" بسيناء، مؤكدا أنه يمكن الحصول على تأشيرة دخول لمدة 30 يوما عند وصول "طابا" مقابل 30 دولارا، ويمكن للمسافرين الحصول على ختم دخول مجاني يسمح هذا الختم بالسفر داخل جنوب سيناء فقط.
أوروبا ترفض ومصر تستقبل
الخبر الثاني، جرى نقله عن "حركة مقاطعة إسرائيل" (BDS)، حيث يقول: "بينما يستمر العدو الإسرائيلي في الإبادة الجماعية ضد شعبنا الفلسطيني، ويوسّع المعسكر (الأمريكي-الإسرائيلي) عدوانه ضد شعوب المنطقة وسيادتها ومقدّراتها، من لبنان إلى إيران، تُدرج إحدى السفن المحمّلة بفولاذ عسكري لتغذية العدو الإسرائيلي ميناءَ أبوقير المصري ضمن مسارها، بعد أن واجهت صعوبات في الرسوّ بموانئ إسبانيا وإيطاليا واليونان وتركيا بسبب الاحتجاجات".
اظهار أخبار متعلقة
وذكر البيان، الذي انتشر بشكل موسع منذ الأحد الماضي، أن التحليل بين أن سفن الشركة السويسرية (MSC) تنقل الفولاذ لشركتي (Elbit Systems) و(IMI Systems) في رامات هشارون، وهما المصنّعان الرئيسيان للذخيرة الإسرائيلية، ملمحا إلى أن البيانات، أكدت قيام "سفينتين بنقل شحنات الصلب لتغذية النظام الإسرائيلي الإبادي، من شركة (R L Steels & Energy Limited) الهندية".
وأوضحت الحركة أنه خلال يومي 20 و21 آذار/ مارس الجاري، "تم رصد تغيير السفينتين لمساريهما لتجنّب تلك الموانئ (بسبب الاحتجاجات المتوقعة)، حيث اتجهت سفينة (MSC Vega) لإيطاليا بينما تتجه سفينة (MSC Danit) لميناء أبوقير (الإسكندرية)"، مشيرة إلى أن موعد وصولها كان صباح الاثنين 23 آذار/مارس الجاري.
وبينت أن سفنا تابعة للشركة السويسرية تنقل 23 حاوية تحمل نحو 600 طن من الفولاذ العسكري من الهند لإسرائيل، لإنتاج 13 ألف قذيفة مدفعية عيار 155 ملم، ملمحة إلى أن هذه القذائف يمكن تجهيزها بأنواع مختلفة من الرؤوس الحربية، بينها المتفجرات التقليدية والذخائر العنقودية والفوسفور الأبيض.
ودعت (BDS) التي تأسست 9 تموز/ يوليو 2005، الشعب المصري للضغط على الجهات المسؤولة لمنع سفينة (MSC Danit) التي ترفع علم بنما، والمحمّلة بالفولاذ العسكري من استخدام الموانئ المصرية لإيصالها إلى العدوّ الإسرائيلي، ملمحة إلى دور احتجاجات النشطاء ومجموعات المقاطعة بإسبانيا وإيطاليا واليونان وتركيا بمنع رسو شحنات (MSC) وتغيير مسارها.
وتساءلت الحركة الفلسطينية: "هل ستكون مصر عقبة في طريق الشحنة أم ستسمح بمرورها وتسهيل نقلها إلى شركات السلاح الإسرائيلية الضالعة في الإبادة والعدوان الوحشي؟".
ووفقا لموقع "مارين ترافيك"، فإن سفينة الحاويات (MSC Danit) انطلقت من ميناء "فيزينجام" الهندي 17 شباط/ فبراير الماضي، ووصلت ميناء أبوقير صباح الثلاثاء الماضي 24 آذار/ مارس الجاري، بعد توقف 3 أيام بميناء "سينيش" البرتغالي.
وكشفت بيانات ذات الموقع عن رسو السفينة بميناء أبوقير التابع لميناء الإسكندرية حتى ظهر الخميس، وقت كتابة هذا التقرير.
وقائع سابقة
وخلال حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وحتى ذات الشهر من العام الماضي، جرى الكشف عن استقبال موانئ مصرية شحنات عسكرية إسرائيلية رفضت موانئ أوروبية استقبالها.
وفي وقائع سابقة، وفي شباط/فبراير 2024، جرى رصد قيام سفينة الحاويات "
بي إيه إن جي جي" (PAN GG) التي ترفع العلم المصري، بـ25 رحلة متتابعة من ميناء "بورسعيد" وميناء "الدخيلة" بالإسكندرية إلى ميناء أشدود الإسرائيلي مدة عام خلال حرب طوفان الأقصى من شباط/فبراير 2023، وحتى الشهر ذاته من العام التالي.
اظهار أخبار متعلقة
ورست السفينة "
MV Kathrin"، بميناء الإسكندرية في تشرين الأول/أكتوبر 2024، بعد رفض مالطا وناميبيا وأنغولا استقبالها، بينما كانت محملة بـ150 ألف كيلوغرام من مادة (RDX)، لشركة "Elbit Systems" الإسرائيلية لتستخدمها بتصنيع القنابل وقذائف الهاون والصواريخ لقصف غزة ولبنان.
وفي 22 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وعقب رفض عدة دول، رست سفينة الشحن "
هولغر جي" (Holger G) بميناء بورسعيد، وهي تحمل 440 طنا من المعدات العسكرية ومكونات قذائف الهاون والصلب العسكري قادمة من الهند، إلى ميناء حيفا، لنقلها لشركة (Elbit Systems) الإسرائيلية، إحدى أكبر مزوّدي جيش الاحتلال بالسلاح.
وكشف موقع "port2port" العبري، في أيار/مايو 2024، أن شركة الشحن "
Medkon Lines" قررت إنشاء خطين ملاحيين يربط الأول: ميناء رافينا الإيطالي بميناء الإسكندرية وموانئ أشدود وحيفا، فيما يربط الثاني الموانئ المصرية مباشرة بالموانئ الإسرائيلية.
ويأتي استقبال الموانئ المصرية لسفن الشحن العسكرية التي تقصد إسرائيل، في وقت تسببت حربها وواشنطن على إيران، في تكبيد اقتصاد مصر خسائر فادحة، فبين خسائر قناة السويس، والسياحة المصرية، يأتي هروب نحو 6.7 مليارات دولار من سوق الدين المصري، وهبوط العملة المحلية من نحو 47 جنيها مقابل الدولار إلى أكثر من 52 جنيه.
فاعل صامت
وحول مدى اعتبار رسو سفن محملة بمواد عسكرية وموجهة إلى إسرائيل بموانئ مصرية ومرور السفن الحربية الأمريكية من قناة السويس، مشاركة من القاهرة في الحرب الجارية ضد إيران، قال الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمد الصاوي: "ليست كل الدول التي لا تطلق النار محايدة؛ بعضُها يكتفي بفتح الطريق لها"، مؤكدا لـ"عربي21"، أنه "حين يصبح رسو السفن العسكرية بالموانئ أو مرورها موقفا سواء من قناة السويس وحتى مضيق ملقا، فإن ذلك يكشف عن كيف تُدار الحروب دون إعلان".
وأضاف: "في عالم اليوم، لم تعد الحروب تُخاض فقط عبر الجبهات، بل عبر الممرات؛ فالدول لا تُقاس بما تطلقه من صواريخ فحسب، بل أيضا بما تسمح له بالرسو بموانئها أو العبور بمضائقها، وهنا تبرز مصر، ليس كطرف بالصراع، بل كفاعل صامت داخل بنيته"، مبينا أن "الحياد بالحروب الحديثة لم يعد موقفا أخلاقيا، بل وظيفة لوجستية تُدار عبر الموانئ والممرات".
وتابع: "تمثل الموانئ المصرية ومعها قناة السويس أحد أهم الشرايين الاستراتيجية عالميا، ووفقا لـ(إدارة معلومات الطاقة الأمريكية) يمر عبرها نحو (10–12بالمئة) من التجارة العالمية، بما في ذلك النفط والمواد ذات الاستخدام المزدوج (EIA, 2023)، وهذه الحقيقة تجعل من أي شحنة ترسو بالموانئ المصرية أو تمر عبر القناة حدثا جيوسياسيا، لا مجرد عملية نقل، فموقع تلك الموانئ وقناة السويس جعلهما ليس مجرد ميناء أو ممر تجاري، بل أداة تأثير جيوسياسي تُعيد تشكيل موازين الصراع دون إطلاق رصاصة".
الحياد الوظيفي
الصاوي، أشار إلى أنه "خلال حرب غزة 2014، لم تُغلق الموانئ المصرية أو القناة، واستمرت حركة الملاحة، بما في ذلك السفن المرتبطة بسلاسل إمداد حساسة، وفق تقارير رويترز (Reuters, 2014)؛ وتكرر النمط ذاته بصورة أكثر تعقيدا خلال حرب غزة (2023–2025)، حيث استمرت حركة الملاحة دون تعطيل، في وقت اعتمدت فيه العمليات العسكرية على شبكات إمداد عالمية تشمل مواد مزدوجة الاستخدام تمر عبر ممرات تجارية مدنية، وقد أشارت تحليلات غربية حديثة إلى أن هذه الشبكات أصبحت جزءا أساسيا من استدامة العمليات العسكرية، دون أن تُصنف رسميا كدعم عسكري مباشر".
ويرى أن "ما كشفت عنه حرب غزة الأخيرة هو أن استدامة الحرب لا تعتمد فقط على السلاح، بل على الطرق التي يصل بها"، ملمحا إلى أنه "بالسنوات الأخيرة، كشفت تحليلات (وول ستريت جورنال) عن اعتماد متزايد على ممرات مثل السويس في نقل مكونات تدخل في الصناعات الدفاعية ضمن شبكات لوجستية معقدة (WSJ, 2024)".
واستدرك: "لكن مصر ليست استثناء؛ فتركيا، عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، واجهت معضلة مشابهة خلال الحرب (الروسية-الأوكرانية)، حيث طبقت (اتفاقية مونترو) بشكل انتقائي للحد من مرور السفن الحربية، دون تعطيل كامل للملاحة، في محاولة لتحقيق توازن بين الالتزامات القانونية والمصالح الاستراتيجية، كما أوضح معهد بروكينغز (Brookings, 2022)".
اظهار أخبار متعلقة
وفي جنوب شرق آسيا، تدير سنغافورة مضيق ملقا—أحد أكثر الممرات ازدحاما في العالم—بنهج (الحياد التجاري الصارم)، حيث تتيح المرور المفتوح حتى في أوقات التوتر، لكنها تفرض رقابة دقيقة على الأنشطة ذات الطابع العسكري، وفق دراسات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS, 2021)".
وخلص للقول: "تكشف هذه النماذج أن ما تمارسه مصر ليس شذوذا، بل جزء من نمط عالمي يمكن تسميته بـ(الحياد الوظيفي): حيث لا تشارك الدولة في الحرب، لكنها لا تعرقل تدفق الموارد المرتبطة بها، فالممرات البحرية لم تعد مجرد بنى تحتية للتجارة، بل تحولت إلى أدوات لإدارة الصراع، حيث يُقاس النفوذ ليس فقط بمن يطلق النار، بل بمن يسمح باستمرارها".
ما الثمن؟
ويعتقد أن "هذا النموذج ليس بلا ثمن؛ فمصر تعتمد على شراكة استراتيجية مع واشنطن، مدعومة بمساعدات عسكرية واقتصادية موثقة في تقارير خدمة الأبحاث البرلمانية الأمريكية (CRS, 2023)، كما ترتبط بتنسيق أمني حساس مع إسرائيل في ملفات سيناء وغزة، وهذه العوامل تجعل من المرور خيارا محسوبا، لا مجرد إجراء تقني".
وأكد أنه "لم يعد السؤال من يقاتل؟، بل من يسمح باستمرار القتال؟"، مبينا أن "المشكلة أن هذا التوازن يصبح أكثر هشاشة مع تصاعد الصراعات، خصوصا في ظل احتمالات توسع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، ففي هذه الحالة، قد تتحول الممرات البحرية من أدوات حياد إلى نقاط اختبار للانحياز".
وأنهى حديثه بالقول: "لم يعد السؤال ما إذا كانت مصر تشارك في الحرب؟، بل كيف تُعرّف مشاركتها؟، فحين تتحول الموانئ والممرات إلى شرايين لوجستية للعمليات العسكرية غير المباشرة، يصبح السماح بالمرور فعلا سياسيا بامتياز، وفي عالم يُعاد فيه تعريف الحياد، قد لا يكون الامتناع عن إطلاق النار كافيا لإثباته، ولا الصمت ضمانة للبقاء خارجه، بل إنه في عالم تُدار فيه الحروب عبر الممرات، قد يكون السماح بالمرور شكلا من أشكال المشاركة".
شريك بأوامر سيادية
وعبر صفحته بـ"فيسبوك" أكد رئيس تحرير موقع "International Investigative Centre" الاستقصائي، ناجي عباس، أن "مصر شريك غير مباشر لإسرائيل بتلك الحرب"، مشيرا إلى أن "شحنات الموت الإسرائيلي بغزة والضفة ولبنان وسوريا وإيران تبحث عن مرفأ بالمنطقة ولا تجد إلا المرافئ المصرية"، مبينا أن أوامر سيادية خلف الحادثة التي تتكرر منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وبين الصحفي المصري المعارض أن سفينة الحاويات (MSC Danit) التي رست بأبوقير تحمل 15 حاوية تضم 390 طنا من الفولاذ العسكري تكفي وفق تقديرات العسكريين لتصنيع ما 8500 قذيفة مدفعية.
وقال إن هذه الوقائع تكشف أنه "كلما ضاقت أمام السفن الحاملة لمواد عسكرية بوابة أوروبية أو بالمنطقة، فُتح أمامها مرفأ مصري-بأوامر سياسية سيادية- وبينما وقّعت 50 دولة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، رسالة إلى الأمم المتحدة تطالب بوقف إمدادات الأسلحة لإسرائيل، لا تزال مصر تتيح موانئها".