تتكثف الأسئلة حول أهداف الحرب
الإسرائيلية الأمريكية ضد
إيران، لا سيما فيما يتعلق بقدرة الأطراف على تحمّل كلفتها السياسية والعسكرية، وسط حديث متزايد عن عقيدة إيرانية تاريخية تتعلق بالقدرة على المعاناة والصمود في وجه الظروف الصعبة.
ولا يعد مفهوم الصمود والصبر على المعاناة في الوجدان الإيراني مجرد خيار تكتيكي، بل هو استراتيجية وجودية متجذرة في مفهوم "الممالك المحروسة - The Guarded Domains"، التي ترى في إيران قلعة محاصرة تاريخياً وجغرافياً.
جذور فكرة المعاناة
تعد الإمبراطورية الساسانية (224-651م) المختبر الأول الذي تبلورت فيه استراتيجيات الصمود الإيراني في مواجهة قوى عالمية متفوقة تقنياً وعسكرياً مثل روما وبيزنطة، ولم يكن البقاء الساساني يعتمد فقط على شجاعة الفرسان، بل على إدراك عميق لـ"الجغرافيا"، حيث تم استخدام الهضبة الإيرانية كحواجز دفاعية طبيعية تنهك الجيوش الغازية.
وتقدم حملة الإمبراطور الروماني يوليان ضد ساسان في عام 363م درساً في كيفية تحويل المعاناة إلى سلاح فتاك، فعندما توغل الجيش الروماني الضخم نحو العاصمة تيسفون، اعتمد الشاه شابور الثاني استراتيجية "الأرض المحروقة - Scorched Earth"، وهي ممارسة تتضمن تدمير كل ما يمكن أن يستفيد منه العدو من طعام وماء ومأوى.
اظهار أخبار متعلقة
وتشير السجلات التاريخية إلى أن الرومان وجدوا أنفسهم يسيرون في "صحراء مشتعلة"، حيث حُرق القمح الناضج، وسُممت الآبار، ونُفقت الماشية عمداً من قبل الإيرانيين.
وهذا النوع من التضحية بالرفاهية المحلية من أجل السيادة الوطنية يمثل الجين الأول في الهوية الإيرانية المعاصرة التي تتقبل "اقتصاد المقاومة" كضرورة للبقاء، بحسب تقارير لـ"
مشروع أو إي آر"، وموقع "
أولكاشن".
ومع صعود الدولة الصفوية في عام 1501، دخل مفهوم الصمود مرحلة جديدة من خلال دمج الهوية القومية الفارسية بالعقيدة الشيعية الاثني عشرية، مما وسّع "المعاناة" من حالة جسدية وواقعية إلى حالة روحية ودينية.
وكان مقاتلو "القزلباش" يمثلون طليعة الصمود الصفوي، حيث كانت علاقتهم بالشاه تتجاوز الجندية إلى علاقة المريد بالقطب الصوفي. هذا الولاء المطلق، الذي وصل أحياناً إلى حد الاستشهاد الطوعي والمشي وسط النيران أو القتال من دون دروع، منح الدولة الصفوية قدرة بشرية هائلة على امتصاص الصدمات العسكرية.
في مواجهة التفوق العثماني في الأسلحة النارية والمدفعية، لجأ الصفويون مجدداً إلى استراتيجيات التراجع التكتيكي، مستغلين جبال زاغروس كحصون دفاعية طبيعية، بحسب "إيرانيكا أونلاين" الأمريكية التابعة لجامعة كولومبيا.
وأدرك القادة الصفويون، وخاصة الشاه عباس الكبير، أن الصمود يتطلب مرونة اقتصادية، وعندما حاول العثمانيون خنق إيران اقتصادياً من خلال السيطرة على طرق تجارة الحرير، قام الصفويون بتطوير ممرات بديلة عبر الخليج العربي وبالتعاون مع التجار الأرمن وبعض القوى الأوروبية.
ويمثل هذا الالتفاف التاريخي على العقوبات جذور الاستراتيجية الإيرانية الحالية في الالتفاف على العقوبات النفطية والمالية الأمريكية، بحسب دراسة لجامعة "
كامبريدج".
"الشاهنامه"
لا يمكن فهم "الصمود الإيراني" دون التطرق إلى ملحمة "الشاهنامة" التي تُنسب إلى أبو القاسم الفردوسي، وأبو منصور الدقيقي الطوسي، وهي التي كُتبت في لحظة تاريخية كان يُخشى فيها اندثار اللغة والثقافة الإيرانيتين.
وتقدم الشاهنامة نماذج لأبطال مثل "رستم" الذين يواجهون محناً لا تُطاق من أجل حماية "إيران-شهر"، بينما أصبحت روح "التوكل" و"الثقة بالحق" التي تتخلل أبيات الملحمة تياراً ثقافياً يغذي العقلية السياسية الإيرانية.
والصمود في الشاهنامة ليس مجرد انتصار عسكري، بل هو الحفاظ على "الهوية" في وجه "الآخر" المعتدي، سواء كان تورانياً أو رومانياً أو عربياً أو غربياً. هذا التراكم الثقافي جعل من المواطن الإيراني "كائناً صبوراً" بطبعه، يرى في المحن جزءاً من مسيرة "الخلاص الملحمي".
الثورة الإسلامية
بعد عام 1979، أصبح مفهوم الصمود في إطار "المقاومة الإسلامية" أكثر وضوحاً، حيث تم تحويل تجربة الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) إلى حجر زاوية في العقيدة العسكرية والسياسية للدولة.
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب تقرير لموقع "مودرن دبلوماسي"، كانت الحرب مع العراق بمثابة "المعاناة الكبرى" التي أعادت صياغة المجتمع الإيراني، وفقدت إيران أكثر من 188 ألف مقاتل، بمتوسط 70 قتيلاً يومياً على مدار 2887 يوماً.
وذكر الموقع أن "هذه التضحيات البشرية الهائلة خلقت ما يسميه علماء الاجتماع عتبة ألم عالية جداً، حيث يصبح فقدان الأرواح في سبيل القضية الوطنية-الدينية أمراً متوقعاً ومستوعباً شعبياً".
وطرح المرشد الإيراني علي خامنئي مفهوم "اقتصاد المقاومة" في عام 2011 كرد فعل مباشر على تصاعد العقوبات الدولية.
ويتجاوز هذا المفهوم كونه خطة اقتصادية تقشفية إلى كونه سياسة لتحويل الضغوط الخارجية إلى فرص للتنمية المحلية، وتعتمد السياسة العامة لاقتصاد المقاومة على 24 نقطة، ومن أبرزها: الاعتماد على الطاقات البشرية المحلية والابتكار، وتقليل الاعتماد على صادرات النفط الخام، وإصلاح نمط الاستهلاك وتجنب التبذير، وتطوير التجارة مع دول الجوار، والالتفاف على القنوات المالية التقليدية.
وذكر موقع "
مدراس كوريير"، في إطار إجابته على تساؤل "لماذا لن ينتهي الهجوم على إيران بشروط أمريكا"، أن التباين الحاد عند مقارنة قدرة إيران على تحمل المعاناة مع قدرة خصومها يبرز في القدرة على تحمل الاستنزاف.
وأوضح الموقع أنه بينما تمتلك إيران "عقيدة الفرد المتفاني"، تعاني المجتمعات الغربية من "حساسية مفرطة تجاه الخسائر البشرية والاقتصادية".
خصوم إيران
تمتلك "إسرائيل" تفوقاً جوياً واستخباراتياً هائلاً، وقد أثبتت ذلك في "حرب الـ12 يوماً" في تموز/يونيو 2025، وفي ضربات نهاية شباط/فبراير 2026 التي استهدفت القيادات العليا، ومع ذلك فإنها تعاني من "نقاط ضعف بنيوية" تتلخص في صغر المساحة، ما يجعل المراكز الاقتصادية عرضة للشلل التام بصواريخ إيران والجهات المسلحة الموالية لها، بحسب مركز "
تشاتام هاوس" للأبحاث.
وذكر المركز أن فقدان العملاء الميدانيين والمشغلين المتخصصين مثل وحدات الموساد في تموز/يونيو 2025 يحد من قدرتها على خوض حرب طويلة الأمد، وذلك بالإضافة إلى الضغوط السياسية، حيث يحتاج نتنياهو إلى انتصارات سريعة وخاطفة لضمان بقائه السياسي في عام الانتخابات 2026.
اظهار أخبار متعلقة
أما
الولايات المتحدة، فقد دخلت عام 2026 وهي منقسمة سياسياً واجتماعياً. تشير استطلاعات الرأي في عام 2026 إلى أن 21 بالمئة فقط من الأمريكيين يؤيدون عملاً عسكرياً ضد إيران، بينما يعارض 75 بالمئة منهم أيضاً سياسات توسعية مثل "ضم جرينلاند" التي طرحها ترامب.
وتستعد الولايات المتحدة في صيف 2026 لاستضافة نهائيات كأس العالم، وهي النسخة الأولى التي ستستضيف 48 منتخباً، بزيادة 16 منتخباً عن النسخة السابقة، وهو محفل دولي عالمي لا يتكرر إلا كل 4 سنوات، وكانت الولايات المتحدة قد استضافته في آخر مرة عام 1994.