أعادت عمليات القصف الواسعة التي نفذتها "
إسرائيل" والولايات المتحدة في
إيران، وكان أبرزها ما نتج عنه اغتيال المرشد علي
خامنئي، تسليط الضوء على "مقاربة الخنق" التي يتم الاعتماد عليها لضمان نجاح عمليات الاغتيال، خاصة تلك التي تُنفذ ضد أهداف محصنة بعمق تحت الأرض.
وبسبب نقص المعلومات الاستخباراتية في كثير من الأحيان، اتجه الاحتلال إلى استغلال "النواتج الكيميائية" للانفجارات كوسيلة للقتل الجماعي والاختناق. هذا التحول لم يكن وليد تخطيط استراتيجي مسبق، بل جاء نتيجة اكتشاف عرضي في عام 2017.
نفق كيسوفيم
في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2017، اكتشف جيش الاحتلال نفقًا هجوميًا حفرته حركة الجهاد الإسلامي، وكان يمتد من قطاع غزة مخترقًا الحدود بعمق يصل إلى كيلومترين بالقرب من مستوطنة "كيسوفيم".
اظهار أخبار متعلقة
وكان رئيس الأركان حينها غادي إيزنكوت في زيارة خارجية، فتولى نائبه أفيف كوخافي إدارة الموقف، وأصدر أوامره لسلاح الجو بتدمير النفق باستخدام قنابل خارقة للتحصينات، مع تعليمات مشددة بتجنب وقوع عدد كبير من الشهداء لمنع انزلاق المنطقة نحو تصعيد كبير.
وذكر تقرير لمجلة "
972" أن "المفاجأة وقعت عندما تبين أن القصف، الذي تم خارج قطاع غزة، أدى إلى استشهاد جميع المقاتلين المتواجدين داخل النفق في الجانب الفلسطيني على بعد مئات الأمتار والكيلومترات".
وأضاف التقرير أن "الأكثر دهشة كان مقتل 12 عنصرًا من فرق الإنقاذ التابعة للجهاد الإسلامي الذين دخلوا النفق بعد ساعات من القصف لانتشال الجثث، حيث قضوا جميعًا اختناقًا رغم ارتدائهم لأقنعة واقية". ويروي العميد احتياط غاي حازوت، الذي كان يقود فرقة في القيادة الجنوبية آنذاك، أن هذا الحادث مثل "لحظة اختراق" في الفهم العسكري الإسرائيلي.
وأوضح: "أدرك الجيش أن الغازات السامة الناتجة عن القنابل تظل محبوسة تحت الأرض وتحول الأنفاق إلى 'مصائد موت' لا يمكن النجاة منها".
وأثبتت دراسات فيزيائية وكيميائية أجراها سلاح الجو الإسرائيلي عقب حادثة 2017 أن الانفجار في مساحة مغلقة كالنفق يولد "تأثيرًا كيميائيًا" مضاعفًا.
وذكر أن "القنبلة الخارقة للتحصينات تستهلك الأكسجين في النفق لحظة الانفجار، وبسبب نقص الأكسجين يحدث احتراق غير كامل للمواد المتفجرة، مما ينتج كميات هائلة من غاز أول أكسيد الكربون".
يُعرف أول أكسيد الكربون بالقاتل الصامت؛ فهو عديم اللون والرائحة، ويرتبط بهيموغلوبين الدم بقوة تفوق الأكسجين بـ200 ضعف، مما يمنع وصول الأكسجين إلى الأعضاء الحيوية ويؤدي إلى الوفاة السريعة بالاختناق.
وفي بيئة الأنفاق، يعمل هيكل النفق كأنبوب أو جيب يوجه الغاز لمسافات طويلة بتركيزات قاتلة، مما يعني أن الجيش لم يعد بحاجة إلى إصابة الهدف بشكل مباشر، بل يكفي "تسميم" هواء النفق أو مدخل المكان المحصن تحت الأرض.
الاختبار الميداني الأول
في أيار/ مايو 2021، خلال تصاعد العدوان ضد قطاع غزة، انتقل جيش الاحتلال الإسرائيلي من الاكتشاف إلى التخطيط المتعمد. وضعت القيادة خطة "عملية البرق" لاستدراج مئات المقاتلين من حماس إلى شبكة الأنفاق عبر الإيهام بهجوم بري، ثم قصف مداخل الأنفاق بقنابل خارقة للتحصينات، بحسب ما ذكرت المجلة الإسرائيلية وما ورد في تقرير سابق لوكالة "
الأناضول".
والهدف لم يكن تدمير الأنفاق ماديًا فحسب، بل "خنق" المتواجدين بداخلها. وبالرغم من أن العملية لم تقتل المئات كما كان مأمولًا، إلا أن تقارير وزارة الصحة في غزة أكدت حينها وصول جثامين لمقاتلين قضوا اختناقًا بالغازات دون جروح ظاهرية، وهو ما أكد فاعلية "التكتيك الجديد".
اظهار أخبار متعلقة
وخلال حرب الإبادة ضد قطاع غزة التي انطلقت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، توسع جيش الاحتلال في استخدام ما يعرف باستراتيجية "التبليط - Tiling"، وهي قصف مربعات سكنية كاملة بعشرات القنابل الثقيلة لضمان تشبع شبكة الأنفاق أسفلها بالغازات السامة.
وأدى هذا التكتيك إلى أزمة أخلاقية كبرى في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، عندما استهدفت "إسرائيل" نفقًا في جباليا يتواجد فيه القيادي أحمد غندور. لم يقتل القصف غندور وحده، بل تسبب في مقتل ثلاثة أسرى إسرائيليين وهم رون شيرمان، نيك بيزر، وإيليا توليدانو، كانوا محتجزين معه، بحسب ما ذكرت المجلة.
وكشفت تقارير التشريح لاحقًا أن الأسرى ماتوا اختناقًا بالغازات السامة الناتجة عن القصف الإسرائيلي، واتهمت معيان شيرمان، والدة أحد الأسرى، الجيش بقتل ابنها عمدًا بالغاز السام، مؤكدة أن جثته كانت سليمة تمامًا من أي كسور أو جروح.
نصر الله
جاء اغتيال الأمين العام الأسبق لحزب الله اللبناني حسن نصر الله في أيلول/ سبتمبر 2024 ليكون التطبيق الأكثر وضوحًا لهذا التكتيك على الجبهة الشمالية، وحينها أسقط الاحتلال 80 طنًا من قنابل "MK84" الخارقة للتحصينات على المقر المركزي الذي يقع على عمق 90 قدمًا تحت الأرض (حوالي 27 مترًا).
وأكدت "القناة 12" وصحيفة "معاريف" أنه "تم اغتيال نصر الله اختناقًا في عذاب أليم" نتيجة تسرب الغازات السامة إلى الغرفة الحصينة التي تحولت إلى حيز مغلق تمامًا بعد انهيار مداخلها. وعدم وجود تهوية في المكان المحصن جعل من نواتج الانفجار الكيميائية وسيلة القتل الأساسية، وهو ما يفسر بقاء جثمانه سليمًا دون أي شظايا.
اغتيال خامنئي
ذكرت المصادر الإسرائيلية أنه تم خلال الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك على إيران، والذي بدأ صباح السبت، إلقاء 30 قنبلة على مقر إقامة المرشد الأعلى الإيراني.
وقالت القناة: "تم إلقاء 30 قنبلة على المقر، كان علي خامنئي تحت الأرض، لكن من المحتمل أنه لم يكن في ملجئه الخاص".
وفي وقت سابق من السبت، نشرت القناة 12 صورة التقطتها أقمار صناعية قالت إنها تظهر مجمعًا يتبع لخامنئي، حيث ظهر ما يبدو أنها آثار دمار لحقت بمبانٍ داخل مجمع يُعتقد أنه تابع للمرشد الأعلى الإيراني.
اظهار أخبار متعلقة
ولم يتضح بعد حالة جثمان خامنئي وهل تم اغتياله بذات الطريقة الإسرائيلية الجديدة من خلال تعمد إحداث حالات الاختناق.
وتثير هذه الاستراتيجية معضلة قانونية دولية؛ فبموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية "CWC"، يُحظر استخدام الغازات الخانقة والسامة في الحرب، بينما تدافع "إسرائيل" عن نفسها بالقول إنها تستخدم "أسلحة تقليدية شرعية" وأن الغازات هي "منتج ثانوي" غير مقصود لذاته.