كيف تحولت دول الخليج إلى ساحة معركة في صراع الآخرين؟

أعلنت إيران أن القوات والقواعد الأمريكية الموجودة في الخليج أهداف مشروعة- CC0
أعلنت إيران أن القوات والقواعد الأمريكية الموجودة في الخليج أهداف مشروعة- CC0
شارك الخبر
في ساعات الصباح الباكر من يوم السبت 28 شباط/فبراير، تحولت سماء دول الخليج  إلى ساحة انفجارات وصواريخ، بعدما أطلقت إيران رشقات من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة ردا على الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على أراضيها.

حينها، بدا الخليج كمن يقف في ممر ضيق بين قوتين تتبادلان الضربات، يدفع ثمن تحالفات نسجت منذ عقود، ويكتشف أن الجغرافيا حين تستعار للحروب لا تعود ملكا لأهلها وحدهم.

ولم تكن الإمارات وقطر والبحرين والكويت أطرافا مباشرة في الصراع، غير أن استضافتها لقواعد عسكرية أمريكية جعلها أهدافا تلقائية، في مشهد تتحول فيه دول الخليج إلى ساحة معركة في الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول التحالفات الإقليمية والخسائر الإنسانية والاقتصادية لحرب لم تخترها هذه الدول.

تحالفات قديمة تتحول إلى أهداف مباشرة 

وتعود جذور هذه الأزمة إلى عقود من التحالفات الأمنية مع الولايات المتحدة منذ الثورة الإيرانية عام 1979، حين سمحت دول الخليج بإنشاء قواعد عسكرية أمريكية ضمن استراتيجية ردع ما اعتبرته "تهديدا إيرانيا".

ومن أبرز هذه القواعد قاعدة العديد الجوية في قطر التي تضم آلاف الجنود الأمريكيين، وقاعدة الأسطول الخامس في البحرين المكلفة بتأمين مضيق هرمز.

وكانت هذه الدول قد حذرت مرارا من تحولها إلى أهداف، خاصة بعد هجمات الحوثيين على منشآت نفطية سعودية عام 2019، أو خلال التوترات التي رافقت حرب الـ12 يوم بين دولة الاحتلال وإيران في حزيران/يونيو 2025.

بالإضافة إلى ذلك، سعت بعض دول الخليج، مثل قطر وعمان، خلال الأشهر الأخيرة إلى لعب دور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران لتفادي التصعيد، مع إجراء محادثات في سويسرا وعمان في كانون الثاني/يناير 2026، إلا أن تعثر هذه الجهود تزامن مع تحشد قوات أمريكية كبيرة في المنطقة، ما زاد الضغط على الدول المضيفة التي أكدت أنها لن تسمح باستخدام قواعدها للهجمات على إيران، غير أن التطورات الميدانية أظهرت خلاف ذلك.

بدأت العملية الأمريكية-الإسرائيلية، التي عرفت باسم "زئير الأسد" أو "عملية الغضب الملحمي" ، في 28 شباط/فبراير مستهدفة البرنامج النووي الإيراني وقادة عسكريين ومنشآت صواريخ.

اظهار أخبار متعلقة



وردت إيران بإطلاق صواريخ على الأراضي المحتلة وقواعد أمريكية في الخليج، من بينها قاعدة العديد في قطر ومقر الأسطول الخامس في البحرين وقواعد في الكويت والإمارات.

وأسفرت الهجمات عن إغلاق المجال الجوي في الإمارات والعراق، وسقوط حطام صواريخ في مدن مثل دبي والدوحة، ما أدى إلى إصابات مدنية ومقتل شخص واحد على الأقل في الإمارات.

وأعلنت إيران أن القوات والقواعد الأمريكية الموجودة في هذه الدول "أهداف مشروعة"، على الرغم من الرفض الخليجي المتواصل لأي تصعيد ضد إيران.

تسببت الضربات في إجلاءات وتعطيل حركة الطيران، مع تقارير عن انفجارات في الدوحة ودبي أثرت على الأنشطة الحيوية.

معادلة سياسية خليجية بين الرد واحتواء التصعيد

ومن الناحية الاقتصادية، يهدد التصعيد مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 بالمئة من النفط العالمي، ما قد يرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية ويؤدي إلى تباطؤ الشحن العالمي، كما حذرت دول الخليج من احتمال استهداف منشآت نفطية، في ظل سوابق لتدريبات عسكرية إيرانية في الخليج.

سياسيا، تجد هذه الدول نفسها أمام معادلة معقدة، إذ يتعارض دعمها للولايات المتحدة مع مخاوفها من الانجرار إلى صراع أعمق، خاصة مع رفضها استخدام أراضيها كمنصة للهجمات.

يبقى السؤال مفتوحا مع استمرار الضربات: هل تمارس دول الخليج ضغطا على واشنطن للعودة إلى المسار الدبلوماسي، أم تؤدي التحالفات القائمة إلى تعميق الصراع؟ وفي الوقت الراهن، يبدو الخليج عالقا بين التزامات سياسية ومخاطر متزايدة، في حرب يدفع كلفتها دون أن يكون طرفها الرئيسي.

اظهار أخبار متعلقة



في هذا السياق، قالت الباحثة في كلية الشؤون العامة والدولية (SPIA) بجامعة برينستون، أمل مددلي، إن إيران أخطأت في حساباتها وارتكبت خطأ فادحا بمهاجمة دول الخليج، معتبرة أن هذه الدول باتت أمام خيارات للرد، من بينها رفع القيود التي كانت قد أعلنتها قبل الحرب بشأن استخدام القواعد والمجال الجوي من قبل القوات الأمريكية.

وأضافت في تدوينة على منصة "إكس" أن قصف هذه الدول في الساعات الأولى يعكس حالة ذعر لدى طهران وقد يؤدي إلى مزيد من عزلتها في المنطقة.



من جانبه، قال الباحث والمحلل السعودي د. بندر الدوشي إن إيران حولت دول الخليج إلى ساحة لتصفية حساباتها، مستهدفة أمنها واقتصادها واستقرارها لرفع تكلفة الهجوم عليها، واصفا ذلك بأنه موقف ابتزازي ومسيء.

وأكد أن الدول الخليجية رفضت الضغوط الأمريكية وفرضت قيودا على استخدام قواعدها العسكرية، ومع ذلك تعرضت للهجمات قبل دولة الاحتلال التي هاجمت إيران، معتبرا أن طهران تظن أن هذه العمليات ستدفع جيرانها للضغط على ترامب لوقف الحرب، لكن هذه الهجمات تكشف أنها خطر حقيقي على المنطقة.



في المقابل، رأى الناشط السياسي محمد العربي زيتوت أن اندلاع الهجوم كشف زيف ادعاء بعض أنظمة الخليج أنها أقنعت واشنطن بتأجيل الحرب، معتبرا أن هذه الدول لا تعامل كشركاء في القرار بل كبنية تحتية تخدم المصالح الأمريكية من قواعد عسكرية ونفط وأسواق سلاح.

وأضاف أن استهداف القواعد الأمريكية في الخليج كان متوقعا، وأن الأنظمة وضعت أمنها بيد واشنطن مقابل ضمانات غير متكافئة، معتبرا أن الحديث عن نفوذ خليجي في القرار الأمريكي وهم، وأن التغيير مرهون بإرادة سياسية مستقلة.


التعليقات (0)