قام وزير المجاهدين وذوي الحقوق
الجزائري
عبد المالك تاشريفت بزيارتين منفصلتين إلى كل من المجاهدة الرمز جميلة بوحيرد
والمجاهد رابح زيراري المعروف بـ“الرائد عز الدين”، في مقر إقامتيهما بالعاصمة
الجزائر، وذلك بهدف الاطمئنان على أوضاعهما الصحية والاجتماعية، في إطار
سياسة
رسمية تعلنها السلطات باعتبارها "رعاية لرموز الثورة التحريرية"
وتثمينًا لمن شاركوا في حرب الاستقلال.
وتأتي هذه الخطوة ضمن برنامج تتبعه وزارة
المجاهدين وذوي الحقوق لمتابعة أوضاع ما تبقى من جيل الثورة، والتكفل بانشغالاتهم
الاجتماعية والصحية، في سياق رسمي يربط بين الحاضر السياسي للدولة الجزائرية وإرث
حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي الذي انتهى عام 1962.
تكريم رسمي متواصل لرموز الثورة
وخلال الزيارتين، عبّر الوزير عن تقدير
الدولة الجزائرية لما وصفه بـ"التضحيات الجسام" التي قدمها
رموز الثورة
التحريرية في سبيل استقلال البلاد، مؤكدًا أن هذا التكريم يعكس التزام الدولة،
بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، بالحفاظ على الذاكرة الوطنية وتعزيز مكانة
المجاهدين وذوي الحقوق ضمن السياسات العمومية.
وأضاف الوزير أن الجزائر تواصل اعتبار جيل
الثورة أحد أعمدة الهوية الوطنية، وأن العناية به تمثل امتدادًا لوفاء الدولة
لتاريخ الكفاح المسلح، الذي شكّل محطة تأسيسية في بناء الدولة الحديثة.
استحضار الذاكرة الوطنية ومسارات الثورة
وشكلت الزيارتان مناسبة لاستحضار محطات
بارزة من مسار الثورة التحريرية، من خلال التوقف عند أدوار جميلة بوحيرد ورابح
زيراري، باعتبارهما من الأسماء التي ارتبطت بمرحلة الكفاح ضد الاستعمار، سواء في
المدن أو في العمل المسلح بالمناطق الداخلية.
وتحظى جميلة بوحيرد بمكانة رمزية خاصة في
الذاكرة الجزائرية، بوصفها إحدى أبرز المناضلات اللواتي شاركن في "معركة
الجزائر"، حيث انخرطت في العمل السري داخل شبكات جبهة التحرير الوطني، قبل أن
تُعتقل في أواخر خمسينيات القرن الماضي وتتعرض للتعذيب، ثم يُحكم عليها بالإعدام
قبل تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد، تحت ضغط تضامن دولي واسع جعل منها رمزًا
عالميًا للنضال ضد الاستعمار.
أما رابح زيراري، المعروف باسم "الرائد
عز الدين"، فيُعد من القيادات الميدانية في جيش التحرير الوطني، حيث اضطلع
بأدوار تنظيمية وعسكرية خلال الثورة ضد القوات الفرنسية، ضمن مسار الكفاح المسلح
الذي امتد في الجبال والمناطق الداخلية، قبل أن يظل اسمه حاضرًا ضمن جيل ساهم في
ترسيخ الدولة الجزائرية بعد الاستقلال.
ويُنظر إلى الشخصيتين في الذاكرة الوطنية
باعتبارهما نموذجين متكاملين لتجربة الثورة؛ إذ تمثل بوحيرد الوجه المدني
والتنظيمي للعمل السري داخل المدن، فيما يجسد زيراري البعد العسكري الميداني
للثورة التحريرية.
رعاية رسمية لذوي الحقوق واستمرار سياسة
الذاكرة
وأكدت وزارة المجاهدين أن هذه الزيارات
تندرج ضمن برنامج دوري يهدف إلى متابعة أوضاع المجاهدين والمجاهدات وذوي الحقوق،
وضمان التكفل بانشغالاتهم الصحية والاجتماعية، باعتبارهم "رصيدًا تاريخيًا
حيًا" في الذاكرة الوطنية.
وتسعى السلطات الجزائرية من خلال هذه
السياسة إلى ترسيخ التواصل مع رموز الثورة وربط الأجيال الجديدة بتاريخ الكفاح ضد
الاستعمار، عبر مبادرات رمزية وميدانية تتكرر في مناسبات مختلفة، ضمن ما تصفه
الدولة بـ“حماية الذاكرة الوطنية”.
بين الرمزية السياسية والجدل الداخلي
وفي المقابل، يرى القيادي في الجبهة
الإسلامية للإنقاذ علي بلحاج، أن التركيز الرسمي على استحضار رموز الثورة لا
يوازيه، بحسبه، انعكاس مماثل على مستوى الممارسة السياسية الداخلية.
ويعتبر بلحاج أن السلطة "تستثمر
الرمزية التاريخية للثورة" في الخطاب الرسمي، في وقت يصف فيه الفضاء السياسي
بأنه يواجه قيودًا تحدّ من نشاط المعارضة ومشاركتها، سواء في العمل الحزبي أو في
الحياة العامة.
كما يربط بلحاج بين هذا السياق وبين ما
يعتبره "انفتاحًا دبلوماسيًا واقتصاديًا متزايدًا" للجزائر على شركاء
دوليين، من بينهم الولايات المتحدة والصين وعدد من الدول الإفريقية، إضافة إلى
تحولات في المواقف الدبلوماسية، مستشهدًا بمواقف خارجية حديثة اعتبرها مؤشرًا على
إعادة تموضع السياسة الجزائرية على الساحة الدولية.
انتقادات للداخل وتوصيف للسياسة الخارجية
وفي تصريحاته لـ
"عربي21"، شدد بلحاج
على أن ما يصفه بـ "استحضار رموز الثورة" في الخطاب الرسمي لا ينعكس،
بحسب رأيه، على مستوى الممارسة السياسية الداخلية، معتبرًا أن الفجوة بين الرمزية
والممارسة تتسع في المشهد الجزائري.
وقال بلحاج إن السلطات "تُكثر من
استدعاء رموز حرب التحرير في المناسبات الرسمية والخطاب السياسي"، في حين يرى
أن الواقع السياسي "لا يعكس ـ من وجهة نظره ـ نفس القيم المرتبطة بالحرية
والمشاركة الشعبية التي ارتبطت بتاريخ الثورة"، على حد تعبيره.
وأضاف أن نشاطه السياسي يتعرض، كما يقول،
إلى قيود مستمرة، تشمل منعه من الترشح للانتخابات أو تنظيم أو المشاركة في فعاليات
سياسية، مشيرًا أيضًا إلى ما يعتبره "تضييقًا يمتد إلى المجال الشخصي
والعائلي"، من خلال عدم تمكنه من القيام بأي زيارات أو التواصل في ظروف عادية.
قراءة سياسية للسياسات الخارجية
وعلى الصعيد الخارجي، قدّم بلحاج قراءة
نقدية لتحركات الجزائر الدبلوماسية الأخيرة، معتبرًا أنها تعكس "تحولًا
تدريجيًا في التموضع الدولي للبلاد"، من خلال توسيع علاقاتها مع قوى غربية
وشرقية في آن واحد.
وأشار في هذا السياق إلى زيارة قائد القيادة
العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) إلى الجزائر مؤخرًا، معتبرًا أنها "تعكس
مستوى متقدمًا من التنسيق الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة"، إلى جانب ما
وصفه بتوسع التعاون الاقتصادي في قطاع الطاقة، خصوصًا صادرات الغاز نحو الأسواق
الأوروبية.
كما تحدث عن انفتاح متزايد على شركاء دوليين
آخرين، من بينهم الصين وعدد من الدول الإفريقية، معتبرًا أن هذا التوجه "يعيد
تشكيل موقع الجزائر في التوازنات الدولية"، لكنه يثير في المقابل، بحسبه،
تساؤلات داخلية حول انعكاساته السياسية.
مواقف من قضايا إقليمية وتحولات دبلوماسية
ولفت بلحاج كذلك إلى ما اعتبره تغيرًا في
بعض المواقف الدبلوماسية الجزائرية تجاه قضايا إقليمية، مستشهدًا ببيان وزارة
الخارجية الذي أدان العدوان الإيراني على الأردن والكويت والبحرين، واصفًا ذلك
بأنه "تحول لافت في الخطاب الرسمي مقارنة بالمواقف التقليدية السابقة".
ويرى بلحاج أن هذه التطورات مجتمعة تعكس،
وفق تعبيره، "إعادة صياغة تدريجية للسياسة الخارجية الجزائرية"، في وقت
يشدد فيه على أن التحدي الأساسي ـ بحسبه ـ يتمثل في مدى انسجام هذه التحولات مع
المبادئ السياسية التي يُستحضر اسمها في الخطاب الداخلي الرسمي.
اظهار أخبار متعلقة