قررت محكمة الاستئناف بمدينة الدار البيضاء
المغربية
الإفراج عن غالبية المعتقلين على خلفية ما عرف إعلاميا بقضية "جيل زد"،
بعد تخفيض العقوبات الحبسية الصادرة بحقهم والحكم بسنة واحدة حبسا نافذا مع إيقاف
تنفيذ ما تبقى من العقوبة، ما أنهى فعليا فترة اعتقال معظم المتابعين في الملف
وأعاد النقاش حول حدود الاحتجاج الشبابي والتعامل القضائي مع التحركات الاجتماعية.
وأصدرت غرفة الجنايات الاستئنافية بالدار
البيضاء قرارها في ساعة متأخرة من مساء أمس الخميس، بعد أشهر من المداولات
القانونية التي واكبت القضية منذ اندلاع أحداثها أواخر عام 2024، عندما شهدت
العاصمة الاقتصادية للمملكة احتجاجات شبابية واسعة شارك فيها عدد من المنتمين إلى
ما بات يعرف في وسائل الإعلام المغربية بـ"جيل زد"، في إشارة إلى فئة
الشباب المولودين خلال أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.
من الاحتجاج إلى المحاكمة
وتعود وقائع الملف إلى أواخر أيلول/ سبتمبر
2024، حين خرجت مجموعات من الشباب في احتجاجات بمدينة الدار البيضاء، قبل أن تتطور
بعض التحركات إلى اضطرابات على مستوى الطريق السيار الداخلي للمدينة، ما تسبب في
تعطيل حركة السير وأثار استنفارا أمنيا واسع النطاق.
وأعقب ذلك تدخل أمني وفتح تحقيقات قضائية
انتهت بتوقيف عدد من المشاركين وإحالتهم على
القضاء، وسط اهتمام إعلامي وحقوقي
كبير نظرا لطبيعة القضية والخلفيات الاجتماعية المرتبطة بها.
ووجهت النيابة العامة للمتابعين تهما تتعلق
بعرقلة سير الناقلات وتعطيل حركة المرور ومضايقة مستعملي الطريق، استنادا إلى
الفصل 591 من القانون الجنائي المغربي، معتبرة أن الأفعال المنسوبة إليهم تمثل
مساسا بالنظام العام وحرية التنقل وتستوجب المتابعة الجنائية.
تباين في المواقف
وشهدت جلسات المحاكمة، سواء في المرحلة
الابتدائية أو الاستئنافية، نقاشا قانونيا واسعا بين النيابة العامة وهيئة الدفاع
حول طبيعة الأفعال المرتكبة وكيفية توصيفها قانونيا.
ففي حين تمسكت النيابة العامة بضرورة تطبيق
القانون بحزم بالنظر إلى خطورة تعطيل مرفق حيوي مثل الطريق السيار وما يمكن أن
يترتب على ذلك من مخاطر على السلامة العامة والأمن المروري، شددت هيئة الدفاع على
أن القضية لا يمكن فصلها عن سياقها الاجتماعي والشبابي.
واعتبر محامو المتابعين أن الأحداث جاءت في
إطار احتجاجات شبابية تعكس مطالب اجتماعية واقتصادية لفئة واسعة من الشباب، داعين
إلى اعتماد مقاربة تراعي البعد الاجتماعي والإنساني للقضية بدل الاقتصار على
المعالجة الزجرية.
كما دخلت جمعيات حقوقية ومدنية على خط
الملف، مطالبة بمراعاة ظروف المتابعين وأعمارهم وخلفياتهم الاجتماعية، ومعتبرة أن
العقوبات السالبة للحرية ليست دائما الحل الأمثل لمعالجة مثل هذه القضايا.
قرار يطوي مرحلة من الجدل
وبموجب القرار الاستئنافي الجديد، تم تخفيض
العقوبات الحبسية الصادرة بحق عدد من المعتقلين إلى سنة واحدة حبسا نافذا مع إيقاف
تنفيذ ما تبقى من العقوبة، الأمر الذي أتاح الإفراج عن غالبية المتابعين في القضية
بعد قضائهم جزءا من العقوبة داخل السجن.
ويُنظر إلى الحكم على أنه محطة مهمة في مسار
الملف، خاصة أنه يوازن بين تثبيت الإدانة القانونية للأفعال موضوع المتابعة وبين
الأخذ بعين الاعتبار مدة الاعتقال التي قضاها المتهمون والظروف المحيطة بالقضية.
من هم "جيل زد"؟
وأثارت القضية منذ بدايتها اهتماما واسعا
بسبب ارتباطها بما يعرف بـ"جيل زد"، وهو المصطلح المستخدم عالميا لوصف
الجيل الذي وُلد بين أواخر التسعينيات ومنتصف العقد الأول من الألفية الجديدة.
ويُنظر إلى هذه الفئة باعتبارها الأكثر
ارتباطا بوسائل التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية الحديثة، كما أنها تتميز
بأشكال جديدة من التعبير والاحتجاج تختلف عن الأساليب التقليدية التي طبعت الأجيال
السابقة.
وفي المغرب، تحول وصف "جيل زد"
خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان لنقاشات متزايدة حول أوضاع الشباب وتطلعاتهم
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات البطالة والتحديات
المرتبطة بالإدماج الاقتصادي وفرص العمل.
ارتياح وترقب
وأثار قرار محكمة الاستئناف ارتياحا لدى
عائلات المعتقلين وهيئات الدفاع وعدد من
النشطاء الحقوقيين الذين تابعوا الملف منذ
بدايته، فيما ينتظر أن يعيد الحكم فتح النقاش حول كيفية التعاطي مع الاحتجاجات
الشبابية في المغرب وحدود المقاربة الأمنية والقضائية في معالجة القضايا المرتبطة
بالحراك الاجتماعي.
ورغم أن القرار أنهى عمليا فترة اعتقال معظم
المتابعين، فإن القضية تظل من أبرز الملفات التي سلطت الضوء خلال السنوات الأخيرة
على العلاقة المعقدة بين الاحتجاج الاجتماعي والشبابي من جهة، ومتطلبات حفظ النظام
العام وتطبيق القانون من جهة أخرى، في بلد يواصل البحث عن توازن دقيق بين ضمان
الحريات العامة والحفاظ على الاستقرار.
اظهار أخبار متعلقة