القاهرة تناشد واشنطن بدعم مالي وسيولة نقدية عاجلة.. ما حجم أزمتها؟

محللون ومراقبون أكدوا أن الطلب المصري في هذا التوقيت يؤكد حاجة مصر الشديدة للتمويل والسيولة وتكشف عن وضع اقتصادي داخلي خطير- الأناضول (أرشيفية)
محللون ومراقبون أكدوا أن الطلب المصري في هذا التوقيت يؤكد حاجة مصر الشديدة للتمويل والسيولة وتكشف عن وضع اقتصادي داخلي خطير- الأناضول (أرشيفية)
شارك الخبر
استجدى وزير خارجية مصر، كل من أمريكا وأوروبا ودول الخليج العربي لتقديم الدعم الاقتصادي العاجل إلى القاهرة وتوفير سيولة نقدية لها في ظل تأزم وضعها الاقتصادي بسبب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية)على إيران وضغوط ارتفاع أسعار الوقود، وانقضاء آجال استحقاقات خدمة ديون خارجية تتعدى 163.7 مليار دولار بنهاية أيلول/ سبتمبر الماضي.

وفي مكالمة تليفونية مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الخميس الماضي، طلب وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي من الإدارة الأمريكية مساعدة مالية عاجلة، مؤكدا في بيان رسمي على "أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر، بخاصة في ظل تأثر أسعار الطاقة والغذاء وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس".

مطالبة وزير الخارجية، أثارت جدلا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستدعت تعليقا مثيرا من الإعلامي المصري السعودي عمرو أديب، عبر شاشة فضائية "إم بي سي مصر"، حيث أكد أن طلب السيولة من واشنطن "يعني وجود تحدي كبير"، مضيفا: "أنت تقول لصديقك الأمريكي اليوم ليس لدي سيولة فهذا يعني أنك في أزمة اقتصادية كبيرة"، ملمحا إلى أننا "في دولة لم تطلق رصاصة ولم يطلق عليها صاروخ ولكننا متضررون من الحرب".

اظهار أخبار متعلقة


محللون ومراقبون، أكدوا أن "تلك المناشدة في هذا التوقيت تؤكد حاجة مصر الشديدة للتمويل والسيولة وتكشف عن وضع اقتصادي داخلي خطير، خاصة مع لجوء القاهرة لسلسة من القرارات برفع أسعار الوقود والقطارات ومترو الأنفاق والتقشف والإغلاق الحكومي".

في المقابل، أعرب البعض عن مخاوفه من أن "تكون المطالبة العلنية من وزير الخارجية بذلك الدعم المادي جاء وفق إشارة خضراء مسبقة من واشنطن بتقديم مساعدات لمصر، مقابل دور لها في الحرب ضد إيران، تكون مقدمة لتوريطها في الصراع الإقليمي الذي دخل شهره الثاني، الأحد".

وتجيء المناشدة المصرية لأمريكا بتقديم دعم مالي عاجل في توقيت تشهد فيه العلاقات المصرية الخليجية بعض الفتور، يؤكده شن مسؤولين سابقين وصحفيين مقربين من أنظمة الإمارات والكويت والسعودية انتقادات واسعة للإدارة المصرية إزاء موقفها من حرب إيران، ما يشير وفق قراءة البعض إلى احتمال وقف الدعم الخليجي الذي وصل لنحو 50 مليار دولار وفق بعض التقديرات في السنوات الأولى من حكم رئيس النظام عبدالفتاح السيسي.

عرض أسعار لدور منتظر

وفي رؤيته، حول دلالات مناشدة القاهرة، واشنطن وأوروبا وشركائها الإقليميين (الخليجيين) بدعم مالي وسيولة نقدية عاجلة، نفى رئيس تحرير موقع "International Investigative Centre" الاستقصائي، ناجي عباس، أن يكون خلف هذه المناشدات محاولة ابتزاز من حكومة السيسي، لتلك الدول في وقت الحرب، مؤكدا في حديثه لـ"عربي21"، أنه "عرض أسعار مصري لدور ينتظره ترامب من القاهرة".

وفي تقديره لنوع الدور المحتمل، أشار إلى إمكانية قيام القاهرة بـ"تدخل محسوب، يفتح الباب أمام البحرية الأمريكية في تأمين مضيق باب المندب وحماية حركة الملاحة، وحماية منصات النفط والغاز في البحر الأحمر، وتقديم دعم لوجستي واستخباراتي لأي تحالف خليجي أمريكي".

وأوضح أن "هذا المستوى من الانخراط يمنح القاهرة تذكرة الدخول إلى طاولة المكافآت، كإعادة هيكلة الودائع الخليجية (13 مليار دولار)، وتيسير شرائح صندوق النقد المعلقة، وربما شطب جزئي حقيقي إذا تصاعدت حدة الأزمة وارتفع الثمن الذي تدفعه القاهرة".

اظهار أخبار متعلقة


اضطرار سياسي

وفي قراءته السياسي لتلك المطالبة، قال نائب رئيس مركز "حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية"، إسلام الغمري: "يشير الحراك الدبلوماسي المصري الأخير إلى حالة يمكن وصفها بـ(الاضطرار السياسي)، وهي حالة لا تعكس فقط ضغوطًا اقتصادية عابرة، بل تكشف أيضًا حدود النموذج الاقتصادي الذي أدارته السلطة بالسنوات الماضية، والذي بات اليوم يواجه اختبارًا حقيقيًا بقدرته على الصمود".

وفي حديثه لـ"عربي21"، بين أن "تصريحات وزير الخارجية، توحي بمحاولة احتواء أزمة متصاعدة عبر خطاب خارجي، بعد أن ضاقت هوامش المناورة داخليًا نتيجة تراكمات اقتصادية لم تُعالج جذريًا".

وأكد أن "القاهرة تبدو وكأنها تعيد تقديم نفسها لشركائها الدوليين تحت عنوان غير معلن يمكن تلخيصه بـ(الأمن مقابل التنمية)؛ غير أن هذا الطرح يثير تساؤلًا مشروعًا: هل أصبح استقرار الدولة يُدار كـ(خدمة قابلة للتمويل)، أم أن هذا الخطاب يعكس عجزًا عن بناء نموذج اقتصادي قادر على الاستقلال النسبي؟".

من زاوية أخرى، يرى الغمري، أن "هذا التوجه قد يعكس محاولة واضحة للالتفاف على القيود المرتبطة ببرامج التمويل التقليدية، وعلى رأسها شروط صندوق النقد الدولي، والتي -رغم قسوتها- ترتبط عادة بإصلاحات هيكلية كان يفترض البدء بها منذ سنوات، بدلا من تأجيلها وترحيل كلفتها إلى لحظة أكثر حرجًا كما يحدث الآن".

وقال إنه "لا يمكن فصل هذه المناشدة عن واقع اقتصادي ضاغط يتجلى في تراجع إيرادات قناة السويس نتيجة اضطرابات البحر الأحمر، وتأثر قطاع السياحة، وارتفاع فاتورة الطاقة، إلى جانب تضخم أعباء الدين الخارجي"، مستدركا: "غير أن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر وحدها حجم الأزمة، بل تكشف أيضًا هشاشة بنية اقتصادية اعتمدت بشكل مفرط على التمويل الخارجي والتدفقات غير المستقرة".

حل مؤقت لا معالجة جذرية

ولفت إلى أنه "في هذا الإطار، تبدو قرارات رفع الأسعار وتوسيع إجراءات التقشف أقرب إلى تحميل المجتمع كلفة الأزمة، دون أن يصاحبها خطاب واضح حول مراجعة أولويات الإنفاق أو إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية التي قادت إلى هذا الوضع"، مشيرا إلى أن "الأزمة واقعية، لكن طريقة إدارتها تعكس ميلًا متكررًا إلى استخدام الموقع الجيوسياسي كبديل عن معالجة جذور الخلل الاقتصادي".

وقرأ الغمري رسالة عبدالعاطي، بأنها "تعكس اعتمادًا متزايدًا على الخارج، في وقت كان يفترض فيه تعزيز مناعة الاقتصاد داخليًا وتقليل قابلية التأثر بالصدمات"، مبينا أن "هذه المناشدة لا تعكس مجرد أزمة سيولة، بل تشير إلى درجة من الانكشاف الاقتصادي الذي لم يعد من الممكن إخفاؤه بخطابات سياسية، مهما كانت قوتها".

وذهب للقول إن "المشكلة لم تعد في نقص السيولة وحده، بل في نمط إدارة اقتصادية جعل من الأزمات الدورية سمة شبه دائمة، وهو ما يضع أي دعم خارجي -مهما بلغ حجمه- في إطار الحل المؤقت، لا المعالجة الجذرية".

اظهار أخبار متعلقة


خطأ من؟

وحمَّل الباحث والناشط مؤمن أشرف، أخطاء الإدارة المصرية في ملف الاقتصاد سبب أزمات الاقتصاد ومعاناة المصريين؛ بداية من الاستدانة الخارجية والاعتماد على المساعدات الدولية، وتدفقات الأموال الساخنة، وتدشين مشروعات عملاقة غير ذات جدوى، والتركيز على اقتصاد خدمي لا إنتاجي تصنيعي، وسيطرة الجيش على الاقتصاد.

كما لفت إلى خطأ اعتماد الحكومة المصرية على استيراد الغاز من إسرائيل، وتوقيعها في كانون الأول/ديسمبر الماضي، اتفاقا بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040، والذي تبعه قطع تل أبيب إمدادات الغاز عن مصر مع بداية حربها ضد إيران، وتأزم ملف الطاقة والكهرباء بالبلاد.



وبسبب سياستها المعتمدة على الديون الخارجية تواجه مصر ضغوطا تمويلية صعبة، ومنذ شباط/ فبراير الماضي، كان يتوجب على القاهرة تسديد مستحقات لصندوق النقد الدولي بقيمة 276 مليون دولار، ونحو 1.38 مليار مستحقة بحلول حزيران/ يونيو المقبل، فيما تواجه التزامات بين أقساط وفوائد ديون خارجية بنحو 51 مليار دولار حتى أيلول/سبتمبر المقبل.

وحصلت مصر من صندوق النقد الدولي في شباط/ فبراير الماضي، على 2.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي عقب إقرار المؤسسة الدولة عن الشريحة الخامسة والسادسة من قرض المليارات الثمانية الذي ينضم لأكثر من 28 مليار دولار حصلت عليها حكومات السيسي من الصندوق منذ العام 2016.

وذلك قبل حصولها على مليون يورو في 15 كانون الثاني/ يناير الماضي، من الاتحاد الأوروبي، ضمن تمويل ودعم بقيمة نحو 7.4 مليارات يورو، يتم صرفها على شرائح حتى 2027؛ إلا أن تلك المبالغ لم تكن كافية لحل أزمات هيكلية وبنيوية خطيرة يعاني منها ثاني أكبر اقتصاد أفريقي وثالث اقتصاد عربي.

ومنذ اندلاع الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران، 28 شباط/ فبراير الماضي، تخارج المستثمرون الأجانب من أدوات الدين المصري بقيمة 6.6 مليار دولار خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، وتراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار بأكثر من 8 بالمئة منذ اندلاع الأزمة، فيما ارتفعت أسعار النفط العالمية بنسب بين 40 و50 بالمئة لتتجاوز 110 دولار للبرميل.

ما فاقم أزمة ارتفاع فاتورة الطاقة على القاهرة، والتي تزامنت مع تراجع دخل قناة السويس بتحويل شركات شحن عالمية مساراتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، إلى جانب تراجع دخل السياحة مع توجه السائحين لنقاط آمنة بعيدة عن الشرق الأوسط.

من يدفع الثمن؟

واتخذت حكومة السيسي، مجموعة قرارات صعبة على نحو 109 ملايين مصري يقيمون في الداخل، بدأتها برفع أسعار الوقود بين 14 و30 بالمئة 10 آذار/مارس الجاري، ثم رفع أسعار ركوب القطارات ومترو الأنفاق الجمعة الماضية، وخفض إنارة الشوارع، ووقف إضاءة اللوحات الإعلانية على الطرق، مع غلق للمحال والمولات التجارية والمطاعم في التاسعة مساء، بداية من السبت.

ومن رفعها أسعار الركوب بما يصل إلى 25بالمئة، تسعى الحكومة المصرية لتحصيل نحو 3 مليارات جنيه إضافية خلال السنة المالية (2026/2027)، من الزيادات الجديدة التي أقرتها على أسعار تذاكر مترو الأنفاق وقطارات السكك الحديدية، لتزيد إيرادات التذاكر إلى نحو 12 مليار جنيه مقابل 9.5 العام السابق، ما يرى فيه محللون "ممارسة ضغوط شديدة على المصريين ومحاولة من الحكومة للتكسب من وراء الأزمة".

وتأتي الضغوط الحكومية على المصريين ورفع أسعار الوقود والركوب وفرض سياسة الإغلاق، بالرغم من اعتراف المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي جولي كوزاك، قبل أيام بأن تأثير حرب إيران على الاقتصاد المصري ظل "محدودا نسبيا حتى الآن".

وفي الوقت الذي تشكو فيه الحكومة المصرية من ضغوط متزايدة ونقص بالسيولة ومطالة واشنطن بإمداد سريع، تواصل مشروعاتها غير ذات الجدوى بحسب خبراء.
التعليقات (0)

خبر عاجل