مع بقاء أقل من شهر على انطلاق
كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يجد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” نفسه أمام نسخة مختلفة كلياً عن كل ما سبقها، ويواجه تحديات كبيرة قد تؤدي إلى عدم إنجاح البطولة مقارنة بالنسخة الماضية في قطر 2022.
فالبطولة المقبلة لن تكون الأكبر في تاريخ المونديال فحسب، بل ربما الأكثر تعقيداً أيضاً، في ظل تداخل ملفات السياسة والأمن والمناخ والاقتصاد مع حدث رياضي ينتظر أن يستقطب ملايين المشجعين من مختلف أنحاء العالم.
وتقام البطولة بين 11 حزيران/يونيو و19 تموز/ يوليو 2026، بمشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى، عبر 104 مباريات تستضيفها 16 مدينة موزعة على ثلاث دول في أمريكا الشمالية.
أسعار التذاكر.. "مونديال للأثرياء"؟
أبرز الانتقادات التي تواجه البطولة تتعلق بارتفاع أسعار التذاكر والإقامة والتنقل، خصوصاً في الولايات المتحدة.
اعتمد "فيفا" للمرة الأولى بشكل واسع على نظام التسعير الديناميكي، الذي يرفع الأسعار تلقائياً مع زيادة الطلب.
وصلت أسعار تذاكر الفئة الأولى للمباراة النهائية إلى 32,970 دولاراً بعد رفعها مؤخراً (ثلاثة أضعاف السعر السابق الذي كان 10,990 دولار)، وفقاً لتقرير نشرته "الغارديان" البريطانية.
كما ارتفعت أسعار مباريات المنتخبات الكبرى بشكل ملحوظ مقارنة بمونديال قطر 2022.هذا الارتفاع دفع جماهير كثيرة إلى اتهام الاتحاد الدولي بتحويل البطولة تدريجياً إلى حدث موجه للنخب المالية أكثر من الجماهير الشعبية التقليدية.
ورغم ذلك، طرحت فيفا فئات أقل سعراً لبعض مباريات دور المجموعات (تبدأ من حوالي 60 دولاراً)، وهناك تذاكر تحت 300 دولار في مراحل مبكرة.
لكن الانتقادات استمرت بسبب ارتفاع أسعار الفنادق والطيران الداخلي والمواصلات في المدن المستضيفة.
وفي نيوجيرسي مثلاً، أثار قرار رفع أسعار القطارات إلى ملعب “ميتلايف” جدلاً واسعاً، حيث قفز السعر من 12.90 دولاراً إلى 150 دولاراً ذهاباً وإياباً، قبل أن يتم تخفيضه مرتين (آخرها إلى 98 دولاراً) بعد ضغوط جماهيرية وسياسية.
اظهار أخبار متعلقة
التأشيرات وقيود السفر
إلى جانب التكلفة المالية، يواجه مشجعون من دول عربية وأفريقية وآسيوية مخاوف تتعلق بإجراءات التأشيرات والدخول إلى الولايات المتحدة، خاصة بعد الجدل الذي أثير حول برنامج “سندات التأشيرة” (Visa Bond)، الذي كان يقضي بفرض ضمانات مالية مرتفعة (تصل إلى 15 ألف دولار) على مواطني بعض الدول.
ورغم إعلان السلطات الأمريكية هذا الشهر عن تسهيلات وإعفاءات جزئية للمشجعين المسجلين عبر أنظمة “فيفا باس” والحاملين لتذاكر مؤكدة، فإن حالة القلق لا تزال قائمة لدى كثيرين، خصوصاً مع تشدد السياسات الحدودية الأمريكية في السنوات الأخيرة والتعقيدات الإدارية.
وترفض الولايات المتحدة بشكل كبير طلبات التأشيرة التي يتقدم بها مواطنون من دول أفريقية وآسيوية مشاركة في المونديال، دون إبداء الأسباب.
إيران والتوترات السياسية
الجانب السياسي حاضر بقوة، لا سيما مع الجدل الذي رافق مشاركة المنتخب الإيراني وسط استمرار التوتر بين طهران وواشنطن.
أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن قلقه بشأن “سلامة وحياة” اللاعبين الإيرانيين، مما دفع الاتحاد الإيراني إلى طلب نقل بعض مبارياته إلى
المكسيك.
ورفض “فيفا” الطلب بشكل قاطع، مؤكدا التزامه بالجدول المعلن والفصل بين الرياضة والخلافات السياسية.
الحرارة والتغير المناخي
بعيداً عن السياسة، يبرز المناخ كأحد أكبر التحديات. حذر خبراء مناخ وطب رياضي من أن عدداً من المباريات قد تُقام في ظروف حرارية قاسية، خاصة في المدن الأمريكية والمكسيكية ذات الطقس الحار والرطب خلال الصيف.
تشير دراسات علمية حديثة إلى أن حوالي 26 مباراة قد تُلعب في ظروف تفوق 26 درجة مئوية على مؤشر WBGT (درجة حرارة المستودع الكروي الرطب)، وقد تصل 5 مباريات إلى 28 درجة أو أكثر — وهو مستوى يوصي فيه اتحاد اللاعبين (FIFPRO) بفترات تبريد إضافية أو حتى تأجيل المباراة.
رغم أن بعض الملاعب ستكون مغطاة أو مجهزة بأنظمة تبريد، فإن ملاعب أخرى ستظل مفتوحة بالكامل، ما يزيد المخاوف من تأثير الحرارة المرتفعة على الأداء البدني وسلامة الحضور.
ملاعب تحت المجهر
تواجه بعض الملاعب المستضيفة انتقادات تتعلق بالجاهزية والبنية التحتية، خصوصاً بعد تداول صور لمدرجات مؤقتة في ملعب تورونتو الكندي (BMO Field)، التي أثارت مخاوف بشأن الاستقرار والسلامة.
كذلك يستمر العمل في تحديث ملعب “أزتيكا” التاريخي بالمكسيك.
يؤكد المنظمون أن جميع الملاعب ستكون جاهزة قبل انطلاق البطولة بوقت كاف، لكن وسائل إعلام ترى أن اتساع رقعة الاستضافة عبر ثلاث دول يزيد من تعقيد العمليات اللوجستية والأمنية مقارنة بأي نسخة سابقة.
الأمن والجريمة المنظمة
يمثل الملف الأمني تحدياً إضافياً، خاصة مع استضافة أكثر من 100 مباراة موزعة على عشرات المواقع.
تتضمن المخاوف الهجمات السيبرانية، والأعمال الفردية، أو استغلال الحدث من قبل مجموعات إجرامية منظمة.
وفي المكسيك تحديداً، تثار مخاوف مرتبطة بنفوذ عصابات الجريمة المنظمة في بعض المناطق المستضيفة، رغم تأكيد السلطات المكسيكية نشر عشرات الآلاف من العناصر الأمنية ووضع خطط واسعة لحماية البطولة.
ورغم هذه التحديات،
يدافع الاتحاد الدولي لكرة القدم عن المشروع باعتباره “أكبر احتفال كروي في التاريخ”، ويؤكد أن توسيع البطولة سيمنح دولاً ومنتخبات جديدة فرصة الظهور على الساحة العالمية، وسيحقق عوائد مالية ضخمة تساعد على تطوير اللعبة.