أصدر رئيس النظام
المصري عبدالفتاح
السيسي، الاثنين، قرارا بالعفو عن المسجونين الجنائيين قبل عيد الأضحى المبارك، وبينهم المحكومين بالمؤبد ممن قضوا 15 عاما.
لم يحمل القرار المعتاد مع الأعياد الدينية والوطنية عفوا عن سجناء سياسيين أو معتقلين سابقين من بين أكثر من 60 ألف مصري أغلبهم يقبع في محبسه منذ منتصف العام 2013، وذلك برغم المناشدات والمبادرات المتتابعة بغلق ملف المعتقلين والدعوات للمصالحة الوطنية، وبرغم إفراجات سابقة قليلة العدد جرت على مضض.
وفي المقابل، استيقظت مصر قبل يومين من عيد الأضحى على خبر القبض على 3 من أعضاء ومؤسسي "لجنة الدفاع عن سجناء الرأي"، وهم: المحامية بالنقض وفاء المصري (66 عاما)، ومدير الحملة الانتخابية للرئاسة للسياسي أحمد الطنطاوي، المحامي محمد أبو الديار، والناشطة الصيدلانية الدكتورة حنان الطنطاوي، وفق تأكيد المحامي
الحقوقي نبيه الجنادي، والمحامي خالد علي.
اظهار أخبار متعلقة
النشطاء الثلاثة الذين جرى توقيفهم فجر الاثنين، من مناطق متفرقة، كانوا قد شاركوا وآخرين في تقديم مذكرة للنائب العام تطالب بالحرية لسجناء الرأي، وشاركوا بتنظيم معرض صور "السجن مش مكانهم"، بمقر حزب "العيش والحرية" 13 أيار/مايو الجاري، كما جمعهم تأييد السياسي أحمد الطنطاوي للترشح للرئاسة بمواجهة رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، عام 2024.
وفي القضية (4502 لسنة 2026) حصر أمن دولة، وبعد سؤالهم حول فاعليات معرض صور المعتقلين؛ وجهت لهم نيابة أمن الدولة العليا تهم "نشر أخبار كاذبة، والانضمام لجماعة إرهابية، وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي"، ليتم إخلاء سبيل المصري، وطنطاوي، بكفالة مالية 50 ألف جنيه لكل منهما، وحبس أبوالديار، 15 يوما.
الحبس الجديد لأبوالديار -عضو اللجنة التأسيسية بحزب "تيار الأمل"- يأتي بعد أن أُفرج عنه 4 حزيران/يونيو 2025، إثر عقوبة حبس مدة سنة، والتي نُفذت بحقه وبحق المرشح الرئاسي السابق أحمد طنطاوي، على خلفية القضية المعروفة إعلاميا باسم "التوكيلات الشعبية".
وحول اعتقال الشخصيات الثلاثة بشكل خاص، يلفت نشطاء إلى أنهم إلى جانب دورهم في (لجنة الدفاع عن سجناء الرأي)، دائمي النشر عن أزمات المعتقلين ومنهم: الناشط نائل حسن، والمخرج المعتقل عمر صلاح مرعي، ورسام الكاريكاتير أشرف عمر، والخبير الاقتصادي عبدالخالق فاروق والسياسي يحيى حسين عبدالهادي، إلى جانب تبنيهم النشر والدفاع عن بعض أهالي المعتقلين الذين جرى توقيفهم إثر مشاركتهم في معرض الصور.
حملة تدوين وغضب
ردود فعل واسعة أثارتها الواقعة، حيث قال عضو لجنة العفو الرئاسي المحامي طارق العوضي، إن "استمرار التصعيد ضد أصحاب الرأي بات أمرًا يثير قلقًا حقيقيًا على مستقبل المجال العام"، مضيفا: "لقد قيل لنا إن الجمهورية الجديدة تتسع للجميع وإن الحوار هو الطريق وإن الاختلاف في الرأي لا يعني الخصومة مع الوطن"، متسائلا: "كيف يستقيم هذا الوعد مع مشاهد القبض المتكررة ومع اتساع دائرة الخوف والصمت؟".
ووصف الكاتب الصحفي والسجين السياسي السابق -مدة 6 سنوات- عبدالرحمن الجندي، ذلك الوضع بأنه: "جنون لا ينتهي ولا يبطأ"، مشيرا إلى "حبس المعتقل، ومحامي المعتقل، والمتضامن مع محامي المعتقل"، متسائلا: "وماذا بعد؟".
وفي حين رأت المحامية الحقوقية والناشطة ماهينور المصري، أن القبض على المصري، وأبوالديار، والطنطاوي، "حالة من السعار الأمني غير المبرر"، قال المحامي الحقوقي أحمد قناوي: "مقرر لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، أصبح من سجناء الرأي"، متسائلا: "ما هذا المرار الطافح؟"، مستعينا بالمثل الشعبي المصري.
وتحت عنوان: "نظام خائف ومرعوب"، كتب الصحفي المعارض ناجي عباس، أن "من يعتقل سيدة باتت على مشارف السبعين من العمر، ولا تملك إلا كلمة تكتبها نظام ساقط، محتضر، بات قاب قوسين أو أدنى من النهاية".
اظهار أخبار متعلقة
ليلفت الحقوقي والإعلامي هيثم أبوخليل، إلى جانب مسؤولية رجال القضاء والنيابة عن تلك القرارات، قائلا: وقع رئيس النيابة قرارًا بحبس أحد المحامين الأبرياء 15 يومًا على ذمة قضية ملفقة قبل العيد بساعات، وغادر مكتبه وذهب بدم بارد ليحتفل بالعيد مع عائلته، وهو لا يعلم أن هناك من يلعنه في السماء والأرض".
وعبَّر حزب "الكرامة"، عن استيائه من الواقعة قائلا إنها تأتي "استكمالًا لسلسلة الممارسات الأمنية غير المفهومة"، ومؤكدا أن "استمرار هذا النهج من شأنه أن يزيد من حالة الاحتقان ويقوض أي فرص حقيقية لبناء مناخ سياسي قائم على التعددية واحترام الحق في التعبير".
يصطنع معركة أحدث
وفي تعليقه على الواقعة وما أثارته من حراك حقوقي واسع، قال محامي مصري ومعتقل سابق، لـ"عربي21": "بينما نطالب كأسر معتقلين، وتطالب أغلب القوى الوطنية على اختلافها بغلق ملف المعتقلين وتأسيس قواعد مصالحة وطنية، يشغل النظام الجميع بقضية جديدة لننسى المطالبات السابقة، وليغل لسان كل من ينطق بكلمة لإنقاذ من في السجون 13 عاما".
وأشار إلى أنه "إزاء حملات التدوين الواسعة الاثنين، نجح في وأدها نهاية اليوم، بقرار إخلاء سبيل المصري، والطنطاوي، بكفالة 50 ألف جنيه، فيما قرار حبس أبوالديار، كمعتقل سابق لن يحصل على ذات الزخم الذي خلفه القبض على سيديتين، لهما باع في العمل الحقوقي والإنساني والقضائي".
رسالة أخلاقية خطيرة
وفي رؤيته، قال المدير الإقليمي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، المحامي والناشط والحقوقي المصري، مصطفى عزب، لـ"عربي21"، إن "المشكلة لم تعد فقط في وجود ظلم سياسي أو تضييق على الحريات، بل في الرسالة الأخلاقية الخطيرة التي أصبحت تُبث إلى المجتمع كله عامًا بعد عام".
وأضاف: "الناس لم تعد ترى مجرد إفراجات موسمية أو انتقائية، بل ترى نموذجًا كاملًا يُعاد تشكيله أمام أعينها: أصحاب النفوذ والمال والعلاقات والبلطجة يمكن أن يعودوا إلى المشهد، بل أحيانًا يُحتفى بهم أو يُقدَّمون كرموز قوة ونجاح ونفوذ، بينما يُسحق أصحاب الرأي والمعارضون والحقوقيون، ويُطارَد حتى من يتعاطف معهم أو يدافع عنهم قانونيًا".
وتابع: "حين يتذكر الناس أسماء مثل هشام طلعت مصطفى، ومحسن السكري، وصبري نخنوخ، وإبراهيم العرجاني؛ وغيرهم من الشخصيات المرتبطة في الوعي العام بالعنف أو البلطجة أو النفوذ الخشن، ثم يقارنون ذلك بمصير آلاف الشباب والحقوقيين والمعارضين السلميين الذين ما زالوا خلف القضبان أو تحت التهديد الدائم، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تصبح شديدة القسوة والخطورة".
هنا المشكلة
ويرى عزب، أن "المشكلة ليست في الجريمة ذاتها دائمًا، بل في موقعك من السلطة"، موضحا أنه "يمكن التعايش مع صاحب المال أو النفوذ أو البلطجة إذا كان داخل المعادلة أو خادمًا لها، أما المستقل أو الحر أو صاحب الصوت المختلف، فحتى لو كان سلميًا وأعزل، فقد يُعامل باعتباره الخطر الحقيقي".
ومضى يؤكد أنه "هنا يتحول الظلم من مجرد ممارسات متفرقة إلى فلسفة حكم كاملة؛ فلسفة تقوم على إخضاع المجتمع نفسيًا وأخلاقيًا، وإقناع الناس أن النجاة ليست للأصلح ولا للأشرف ولا للأكثر نزاهة، بل للأقرب إلى القوة والأكثر استعدادًا للتكيف مع منطقها".
اظهار أخبار متعلقة
ويعتقد الحقوقي المصري أن "هذا أخطر بكثير من القمع الأمني نفسه"، مبينا أن "المجتمعات قد تتحمل الفقر أو الأزمات لفترات، لكنها تنهار أخلاقيًا حين تشعر أن العدالة أصبحت انتقائية، وأن الكرامة بلا قيمة، وأن القانون لا يُستخدم لحماية الضعفاء بل لحماية موازين القوة".
ولفت إلى أن "الأخطر أيضًا أن البلطجة نفسها لم تعد مجرد انحراف اجتماعي معزول، بل أصبحت في نظر كثيرين جزءًا من البنية غير المعلنة لإدارة المجال العام: تخويف، ترهيب، استعراض قوة، صناعة ولاءات، وتحويل المجتمع إلى حالة خوف دائمة من المصير نفسه".
انقلاب أخلاقي
وبين أنه "في المقابل، يتم تقديم أصحاب الرأي والحقوقيين والمطالبين بالعدالة باعتبارهم مصدر اضطراب أو تهديد أو (خطر على الدولة)"، متسائلا: "أي انقلاب أخلاقي أخطر من هذا؟"، مضيفا: "كيف يصبح من يطالب بالحرية والعدالة موضع مطاردة، بينما يتحول بعض أصحاب السوابق أو النفوذ العنيف إلى شخصيات نافذة أو مقربة أو محصنة؟".
وأوضح عزب، أنه "لهذا يشعر كثير من المصريين اليوم أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة سياسة، بل أزمة عدالة وأخلاق ومعايير، بل وأزمة معنى الوطن نفسه"، مضيفا: "فالوطن لا يُبنى فقط بالكباري والسجون والأجهزة الأمنية، بل يُبنى حين يشعر المواطن أن القانون يحميه لا يهينه، وأن الكرامة ليست امتيازًا يُمنح للبعض ويُسحب من البعض، وأن الدولة تقف مع المظلوم لا مع الأقوى".
واستدرك قائلا: "لكن حين يرى الناس أن البطش قد يفتح أبواب النفوذ، بينما قد تفتح الكلمة الصادقة أبواب السجون، فإن ذلك يزرع داخل المجتمع شعورًا عميقًا بالقهر وفقدان الثقة والانكسار الأخلاقي".
وختم حديثه مؤكدا أن "التاريخ كله يعلمنا أن أخطر ما يصيب الأمم ليس فقط الاستبداد السياسي، بل تطبيع الظلم، وتزيين الفساد، وتحويل القهر إلى مشهد عادي يتعايش معه الناس خوفًا أو يأسًا".
اعتقالات لا تتوقف
وفي إطار التصعيد الأمني بحق نشطاء مصريين، قام الأمن الوطني باستدراج عضو حزب "الدستور" الناشط نائل حسن، ليجري اعتقاله الخميس الماضي، بمقر الأمن الوطني بالإسكندرية بعد خدعة مثيرة للجدل، ثم إخفائه قسريا 3 أيام ثم حبسه 15 يوما بالقضية (4373 لسنة 2026)، وبتهم نشر أخبار كاذبة، وذلك بعد اعتقاله في نيسان/أبريل 2017، خلال احتجاجات أزمة تسليم مصر جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية، قبل إخلاء سبيله في نيسان/أبريل 2018، ليتم توقيفه مجددا آب/أغسطس 2025، وإخلاء سبيله لاحقا.
وهي القضية التي دفعت الحقوقي جمال عيد، لانتقاد السلطات المصرية، متهما إياها بأنها حاولت تجميل الصورة مدة عام لتكشف تلك الواقعة الحقيقة بأنه لا توجد "سيادة قانون في مصر"، ملمحا إلى أن النيابة العامة ستتجاهل الواقعة رغم أنها تمثل "احتجاز غير قانوني وتعسفي"، وتخالف (المادة ٥٤) من الدستور.
وكشفت الناشطة والمعارضة المصرية من بريطانيا منى الشاذلي، أن قوات تابعة لوزارة الداخلية المصرية قامت باختطاف ابن عمها صابر الشاذلي، وشقيقيها حسن الشاذلي، وعيد الشاذلي، موضحة عبر صفحتها بـ"فيسبوك"، أنه "وأثناء عملية الاختطاف أطلقت القوات النار على شقيقي عيد الشاذلي، ما أدى إلى إصابته بطلق ناري في رقبته، ولا يزال مصيره ومصير باقي المختطفين مجهولاً حتى الآن في ظل الإخفاء القسري الكامل".
وفي السياق، قررت نيابة أمن الدولة العليا، الاثنين، تجديد حبس المخرج وكاتب السيناريو عمر صلاح مرعي 15 يوماً على ذمة التحقيقات بالقضية (3835 لسنة 2026) حصر أمن دولة عليا، بتهمة نشر أخبار كاذبة، وذلك بعد توقيفه 11 أيار/مايو 2026، وإخفائه قسريا مدة 5 أيام.
وبحسب الناشطة إسراء عبدالفتاح، فإنه من مطلع كانون الثاني/يناير الماضي، وحتى أيار/مايو الجاري، هناك ٤٥٠٢ قضية سياسية نظرتها نيابة أمن الدولة العليا في 5 شهور، ما يعني حسابيا نحو ٩٠٠ قضية شهريا، و٢٢٥ قضية أسبوعيا، و٢٣ قضية يوميا.