خبراء دوليون: الإعدامات والاعتقالات الجماعية تعكس انهيار العدالة في مصر

أكد زونز أن الولايات المتحدة ما تزال تقدم نحو 1.3 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية لمصر، رغم ما قال إنه وجود عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، وتسجيل وقائع تعذيب ووفاة داخل السجون..
أكد زونز أن الولايات المتحدة ما تزال تقدم نحو 1.3 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية لمصر، رغم ما قال إنه وجود عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، وتسجيل وقائع تعذيب ووفاة داخل السجون..
شارك الخبر
كشفت ندوة دولية نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا عن صورة وصفت بأنها "شديدة القتامة" لأوضاع حقوق الإنسان في مصر، في ظل ما اعتبره مشاركون تصاعداً ممنهجاً في الاعتقالات التعسفية، وتوسعاً في إصدار أحكام الإعدام، وتراجعاً حاداً في حرية الصحافة والعمل السياسي، بالتزامن مع استمرار الدعم الدولي للنظام المصري رغم الانتقادات الحقوقية المتزايدة.

وعقدت المنظمة مساء أمس الجمعة (22 مايو/أيار 2026) ندوة بعنوان: "الاعتقال التعسفي وانهيار منظومة العدالة وأحكام الإعدام في مصر"، بمشاركة أكاديميين وصحفيين وخبراء دوليين ناقشوا ما وصفوه بانهيار متدرج لمنظومة العدالة، واتساع أدوات القمع الداخلي، إلى جانب تداعيات الصمت الدولي والإقليمي تجاه هذه التطورات.

وشارك في الندوة كل من ويليام شاباس، ومايكل بينيون، وستيفن زونيس، وكالفن دارك، ومارتن بلوت، ودان كوفاليك.

مصر وعقوبة الإعدام.. "نادي الدول الأكثر استخداماً"


خصص البروفيسور ويليام شاباس مداخلته لملف عقوبة الإعدام، مستنداً إلى خبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في متابعة هذا الملف داخل الأمم المتحدة. وأوضح أن مصر ما تزال ضمن مجموعة محدودة جداً من الدول التي تستخدم عقوبة الإعدام بصورة واسعة ومنتظمة، رغم تراجع الأرقام نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة.

وأشار إلى أن السلطات المصرية لا تزال تنفذ سنوياً ما بين عشرين وثلاثين حكماً بالإعدام، إلى جانب إصدار أعداد كبيرة من الأحكام الأخرى، كثير منها يأتي عقب محاكمات وصفها بأنها "شديدة الإشكالية".

ووضع شاباس مصر إلى جانب دول مثل الصين وإيران والسعودية من حيث استمرار الاعتماد المكثف على هذه العقوبة، مؤكداً أن القاهرة باتت ضمن أسوأ الدول عالمياً في هذا الملف.

وأشار إلى أن نحو 170 دولة في العالم لم تعد تطبق عقوبة الإعدام بصورة فعلية أو ألغتها قانونياً، بينما يقتصر الاستخدام المنتظم لها على ما يقارب خمس عشرة أو ست عشرة دولة فقط، معتبراً أن هذه العقوبة أصبحت من أكثر المؤشرات الحقوقية وضوحاً وقابلية للقياس مقارنة بملفات أخرى مثل التعذيب أو التمييز.

واشنطن و"مظلة الحماية" للنظام المصري


في المقابل، ركز البروفيسور ستيفن زونز على ما وصفه بالدور الأمريكي في تمكين استمرار القمع داخل مصر، معتبراً أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة ـ سواء الديمقراطية أو الجمهورية ـ وفرت مظلة حماية سياسية حالت دون ممارسة ضغوط حقيقية على القاهرة.

وأشار إلى أن إدارة دونالد ترامب استثنت مصر من تخفيضات واسعة للمساعدات الخارجية، مذكراً بوصف ترامب للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأنه "ديكتاتوره المفضل".

كما لفت إلى استخدام إدارات أمريكية متعاقبة استثناءات مرتبطة بالأمن القومي لتجاوز قيود وضعها الكونغرس تربط المساعدات العسكرية بتحسين سجل حقوق الإنسان.

وأكد زونز أن الولايات المتحدة ما تزال تقدم نحو 1.3 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية لمصر، رغم ما قال إنه وجود عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، وتسجيل وقائع تعذيب ووفاة داخل السجون، إضافة إلى استهداف معارضين مصريين في الخارج وأقاربهم.

ورأى أن الذرائع التقليدية التي استخدمتها واشنطن لعقود ـ وعلى رأسها الحفاظ على السلام مع إسرائيل ـ لم تعد تفسر استمرار هذا الدعم بالصيغة ذاتها.

"مناخ الخوف".. الصحافة المصرية تحت الضغط


من جانبه، استعاد الصحفي البريطاني المخضرم مايكل بينيون مسيرته الطويلة في متابعة الشأن المصري الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي، معتبراً أن التراجع الذي شهدته الصحافة المصرية يمثل أحد أبرز مظاهر التحول السياسي خلال السنوات الأخيرة.

وقال إن مصر، التي كانت تمتلك تاريخاً صحفياً مؤثراً في المنطقة، تعيش اليوم أجواء من "الارتياب والترهيب"، في ظل تضييق متزايد على الصحفيين والمعارضين.

وركز بينيون على تأثير أحكام الإعدام والسجن المطول بوصفها أدوات ردع تتجاوز تنفيذ العقوبة نفسها إلى خلق بيئة من الخوف الذاتي والرقابة المسبقة.

وأشار كذلك إلى قضايا حظيت باهتمام دولي محدود، مثل قضية الناشط علاء عبد الفتاح ، وكذلك قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، معتبراً أن التفاعل الغربي مع هذه الملفات ظل دون مستوى الأزمة.

"منظومة قمع مؤسسية"


أما المحلل السياسي الأمريكي كالفن دارك فاعتبر أن ما يجري في مصر لا يمكن وصفه باعتباره انتهاكات منفصلة أو تجاوزات متفرقة، بل "منظومة قمع مؤسسية" متكاملة.

وقال إن استمرار إصدار أحكام الإعدام وإعادة تدوير القضايا وتمديد الاحتجاز لفترات طويلة دون محاكمات عادلة يعكس أزمة بنيوية داخل النظام القضائي.

وأضاف أن تأثير هذه السياسات لا يقتصر على المعتقلين أنفسهم، بل يمتد إلى عائلاتهم التي تتحمل ضغوطاً اجتماعية واقتصادية ونفسية مستمرة.

وانتقد استمرار تقديم المصالح الاستراتيجية والتعاون العسكري على حساب حقوق الإنسان، معتبراً أن كل استثناء من شروط المساعدات أو صفقة سلاح جديدة تمثل رسالة دعم سياسي أكثر من كونها أداة ضغط.

صمت دولي و"تواطؤ مؤسساتي"


وفي قراءة أوسع للمشهد، ركز الصحفي البريطاني مارتن بلوت على ما اعتبره صمتاً دولياً وإقليمياً تجاه التدهور الحقوقي في مصر.

ووجه انتقادات للحكومات الغربية، وكذلك للجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، متسائلاً عن أسباب غياب مواقف أكثر حزماً تجاه ما يجري.

واعتبر أن هذه المؤسسات تحولت في حالات كثيرة إلى أطر تدافع عن الحكومات أكثر من دفاعها عن حقوق الشعوب، مضيفاً أن هذا النمط من الصمت ليس طارئاً بل يمتد تاريخياً.

كما ربط بين الملف المصري وتحولات إقليمية أوسع، محذراً من تداعيات بعض التحالفات والتوترات في منطقة القرن الإفريقي وتأثيراتها المحتملة على الاستقرار الإقليمي.

تجربة شخصية من داخل الاحتجاز


واختتم البروفيسور دان كوفاليك مداخلته باستعادة تجربة شخصية قال إنه تعرض خلالها للاعتقال في مصر أثناء مشاركته مع نشطاء في مؤتمر صحفي مرتبط بمحاولات إيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة.

وقال إن هذه التجربة دفعته إلى النظر بصورة أكثر مباشرة إلى طبيعة البيئة الأمنية والسياسية في مصر، معتبراً أن القمع الداخلي يرتبط كذلك بترتيبات وتحالفات إقليمية ودولية أوسع.

وربط كوفاليك بين المشهد الداخلي المصري والتطورات المرتبطة بالحرب على غزة، معتبراً أن سياسات القبضة الأمنية لا تنفصل عن الحسابات الجيوسياسية في المنطقة.

أزمة تتجاوز الداخل المصري


ورغم اختلاف زوايا الطرح بين المتحدثين، فقد بدا أن خيطاً مشتركاً جمع معظم المداخلات: أن الأزمة الحقوقية في مصر لم تعد تُقرأ باعتبارها شأناً داخلياً فحسب، بل باتت مرتبطة ببنية من العلاقات السياسية والدعم الدولي والتحولات الإقليمية.

كما كشفت الندوة عن تصور متنامٍ لدى عدد من الخبراء بأن استمرار الاعتقالات الواسعة، وأحكام الإعدام، واستهداف المعارضين، وتراجع حرية التعبير، لم يعد يمثل مجرد أزمة حقوقية تقليدية، بل مؤشراً على أزمة أعمق تمس بنية العدالة نفسها وحدود المساءلة السياسية داخلياً وخارجياً.
التعليقات (0)