تمخضت القمة الخليجية التشاورية المنعقدة في جدة، مساء الثلاثاء، بحضور ولي عهد السعودية وقادة قطر، والبحرين، والكويت، ووزير خارجية الإمارات، عن الدعوة إلى سرعة إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز بعيدا عن "مضيق
هرمز"، الذي يتعرض للإغلاق في ظل أحداث الحرب "الأمريكية-الإسرائيلية" على
إيران.
مجلس التعاون الخليجي الذي يضم السعودية، وعُمان، والكويت، والبحرين، وقطر، والإمارات قال إن "الاعتماد الكلي على مضيق هرمز مخاطرة استراتيجية"، مؤكدا أن مشاريع الأنابيب البرية باتت "أولوية أمن قومي خليجي".
ويلفت خبراء اقتصاد إلى أن مد خطوط أنابيب نفط وتنفيذ مسارات جديدة لم تعد خيارا اقتصاديا للمفاضلة بينه وبين النقل البحري، بل صار أمرا حتميا في ظل ضبابية مستقبل الملاحة في "هرمز" الذي يمر منه نحو ربع إجمالي تجارة النفط المنقولة بحرا وخُمس تجارة الغاز المسال عالميا.
لذلك فقد دعت القمة لبدء دراسات جدوى لمشاريع ربط قاري تتجاوز الممرات البحرية المهددة مثل هرمز ، وهو التوجه الذي يثير التساؤل حول المسار الأقرب إلى توجه الخليجيين لاعتماده من بين عدة مسارات يجري الحديث عنها، مع توسعة المسارات القديمة، ووضع
مصر في خريطة خيارات نقل النفط المستقبلية المحتملة.
وترصد "عربي21"، أهم المسارات المحتملة:
"بترولاين" السعودي
تشير التقارير لاحتمالات توسعة الخط الذي دشنته الرياض خلال حرب إيران والعراق بثمانينيات القرن الماضي وقامت بتوسعته في التسعينيات، والرابط بين حقول المنطقة الشرقية والبحر الأحمر بطول 1200 كم، بداية من منطقة "بقيق"، ليعبر الصحاري وجبال الحجاز بارتفاع 1000 متر حتى ميناء "ينبع".
وبينما يعتبر البعض خط (شرق-غرب) إحدى البدائل المتاحة أمام عملاقة الطاقة السعودية "أرامكو"، بعيدا عن "هرمز" الذي كان يستقبل 6 ملايين برميل نفط سعودي يوميا؛ إلا أن طاقته التشغيلية التي عادت كاملة في 12 نيسان/أبريل الجاري تصل 7 ملايين برميل يوميا، وقد لا تكفى لنقل إنتاج باقي دول الخليج العربي.
اظهار أخبار متعلقة
وكونهما الأكثر تضررا من إغلاق المضيق، تلفت تقارير اقتصادية إلى دراسة الكويت وقطر ربط حقول الغاز والنفط لديهما بالشبكة السعودية المتجهة للبحر الأحمر، ما تزامن مع حديث وزارة "الطاقة" السعودية عن خطط توسعية لخدمة دول الجوار العاجزة عن تمرير نفطها من "هرمز" منذ اندلاع "حرب إيران" 28 شباط/فبراير الماضي.
ووفقا لما أشار إليه موقع "الاقتصادية" السعودية فإن بيوت خبرة وخبراء دوليون أكدوا أن تشغيل "بترولاين"، "جنب الاقتصاد العالمي مصاعب أكبر، وحال دون ارتفاعات أكبر بأسعار الطاقة".
"نيوم- سفاجا- دمياط- أوروبا"
وهو مسار مقترح بربط حقول النفط الخليجية في شرق السعودية بميناء "نيوم" على البحر الأحمر عبر خط أنابيب بري يحصل على إمدادات الطاقة من باقي دول الخليج، ويكتمل المسار بالوصول بحريا إلى ميناء "سفاجا" المصري، ومنه عبر مسارين بحري عبر قناة السويس إلى أوروبا، أو بري عبر طريق يشق الأراضي المصرية إلى ميناء "دمياط" بالبحر المتوسط ومنه إلى أوروبا، ما يعني تفادي مضيق هرمز وباب المندب معا، والوصول المباشر للأسواق الأوروبية.
ويرى مراقبون أن هذا المسار يعزز دور مصر والسعودية كمركز لوجيستي في التجارة بين قارات العالم القديم الثلاثة، ويعوض خسائر قناة السويس -10 مليارات دولار وفق إحصاء رسمي- من تراجع حركة مرور السفن من مضيق "باب المندب"، خلال حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة (2023-2025)، وحرب "إيران".
(الهند - الخليج - أوروبا)
وهو مسار يعرف باسم "ممر بايدن"، ومن المقرر أن يبدأ من الهند منتهيا بأوروبا ويربط في المنتصف الإمارات والسعودية والأردن ثم إسرائيل بريا، ثم من ميناء "حيفا" المحتل إلى موانئ أوروبا، وذلك لنقل التجارة والنفط والغاز حيث من المقرر أن يضم أنابيب لنقل الهيدروجين والنفط.
اظهار أخبار متعلقة
إلا أن هذا المسار ورغم تقليله وقت النقل بنسبة 40 بالمئة عن قناة السويس، ومروره بأراضي السعودية، يجد فتورا من الرياض في ظل تضارب المصالح مع الإمارات -أكثر المتحمسين للمر- منذ مواجهتهما العسكرية باليمن خلال كانون الأول/ديسمبر الماضي.
بدائل العراق.. والحضور التركي
ويبرز كذلك مشروع طريق التنمية (العراق- تركيا- أوروبا)، كممر بري من سكك حديدية وطرق سريعة بطول 1200 كم ليربط ميناء الفاو في البصرة بتركيا، ومنها إلى أوروبا، ومن المخطط بدء مراحل أولية العام الجاري واكتماله 2050، والذي قد لا يلقى حضورا إماراتيا، وفق محللين.
ويمثل هذا المسار أبرز بدائل العراق عن مضيق "هرمز"، خاصة مع وجود خط أنابيب "كركوك-جيهان"، الذي يصل إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، كما أنه قد يمثل بديلا لتصدير نفط وغاز الكويت والبحرين وقطر إلى أوروبا، لكن تظل أزمة التصدير إلى دول جنوب شرق آسيا قائمة، حيث لا بديل للدول الخليجية الثلاثة عن المرور بمضيق "هرمز"، أو المرور عبر الأراضي السعودية.
ويبدو الحضور التركي لافتا، أيضا، في مسار سكة حديد الحجاز التاريخي، بين مكة المكرمة والمدينة المنورة واسطنبول، والمار من السعودية إلى الأردن وسوريا وتركيا، ورغم قرب ذلك المسار من أوروبا إلا أن بعده عن حقول النفط والغاز الخليجية يجعله خيارا بعيدا، وفق مراقبين.
بل ويراه محللون مسارا سياسيا أكثر منه تجاريا، ويهدف تعزيز حضور تركيا في جارتها الجنوبية سوريا، والتقارب مع السعودية، واستعادة مسار تاريخي لنقل الحجاج بالعهد العثماني، ومحاولة تركية لتقديم بديل للمملكة عن (ممر بايدن) الذي يتجاوز مساره أنقرة.
بدائل الإمارات
تعد الإمارات أكثر حظا من جاراتها الخليجية قطر والبحرين والكويت بموقع يمكنها من استغلال مسار "بحر العرب"، حيث تشير التصريحات لاحتمالات تدشين شبكة أنابيب تربط حقول الإمارات بموانئ سلطنة عُمان (الدقم وصحار) على المحيط الهندي، في مسار قصير يتجاوز "هرمز".
وفي ذات السياق، ووفق منصة "الطاقة" يمثل خط "حبشان-الفجيرة" أبرز بدائل مضيق "هرمز" للإمارات، إذ ينقل النفط من الحقول البرية في أبوظبي لميناء الفجيرة على خليج عُمان، بعيدا عن المضيق، لكن يظل ممرا غير كاف كون طاقته الاستيعابية بين 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميا، بنحو نصف صادرات أبوظبي البالغة 3.5 مليون برميل يوميا.
وفي توجه ثالث، وقعت الإمارات والأردن في 15 نيسان/أبريل الجاري، اتفاقية لإنشاء "سكك حديد العقبة" بطول 360 كيلومترا باستثمارات 2.3 مليار دولار، لربط مناطق تعدين الفوسفات والبوتاس لديها بميناء "العقبة"، وذلك في مسعى نحو ممر بري يقلص زمن النقل البحري ويتجاوز مضيقي هرمز وباب المندب وقناة السويس.
عائق صراع الرياض وأبوظبي
ومع تعدد المسارات البديلة يظل التوافق الخليجي على مسار واحد لنقل النفط والغاز بعيدا عن بؤرة الصراع في الخليج العربي هو القرار الأصعب، خاصة مع تضارب مصالح إماراتي سعودي، وتفاقم الخلاف السياسي والعسكري بينهما.
وبينما كان يجتمع قادة مجلس التعاون الخليجي بجدة، فجرت الإمارات مفاجأة لها تداعياتها على سوق النفط العالمي بالخروج من منظمة "أوبك" التي تنتج نحو 27 إلى 30 مليون برميل يوميا، لتكشف وكالة "بلومبيرغ" عن توجه أبوظبي لتعليق عضويتها بجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، التي تحظى السعودية فيها بنفوذ كبير.
المشروع الواحد والخيار الصعب
وفي رؤيته قال الأكاديمي المصري الدكتور مصطفى الجمال: "كل المشاريع تتوقف على حالة العلاقات بين السعودية والإمارات"، مؤكدا أنها "معظمها مشروعات بالغة الضخامة في التمويل ولا بد أن تمر بالأراضي السعودية".
وفي حديثه لـ"عربي21"، رجح الخبير في الشؤون العربية والأفريقية "ألا يتم الاتفاق على مشروع واحد منها بين الخليجيين؛ إلا في حالة تفاقم (الخطر) الإيراني".
ويعتقد أنه "حينها سيكون من الأفضل اتخاذ المسار المصري من خلال الوصول لقناة السويس، أو توسيع خط (أنابيب سوميد)"، مضيفا أنه "لا أجد مبررا ودافعا قويا للاتفاق على المشروعات الأخرى إلا عند الرغبة في إيذاء مصر".
استعدادات مصر.. وفرصة تاريخية
وأدى إغلاق مضيق هرمز، نتيجة للصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، إلى زيادة تكاليف استيراد الطاقة على مصر، لكنه وضع الدولة التي يعاني اقتصادها أزمات خطيرة أمام فرصة لترسيخ مكانتها كمعبر رئيسي للنفط الخليجي، وبينما أدت الحرب لانخفاض عائدات قناة السويس، فقد لفتت الأنظار للأهمية الاستراتيجية لموقع مصر وموانئها على البحرين الأحمر والمتوسط والبنية التحتية التي تمتلكها، في قطاع الطاقة والنقل.
ولأن القدرات الاستيعابية للبدائل الخليجية للسعودية والإمارات بعيدا عن مضيق "هرمز"، لا تتجاوز 6.5 مليون برميل يوميا، بينما التدفقات اليومية نحو 20 مليون برميل، يظل البديل المصري الأقوى حضورا والأكثر حظا، بعيدا عن تقديرات تكلفة مد خطوط أنابيب جديدة، أو توسعة القائمة.
وهنا يبرز بقوة خط أنابيب "سوميد"، الذي تساهم فيه مصر بنسبة 50 بالمئة إلى جانب 15 بالمئة لـ"أرامكو" السعودية، ومثلها لـ"مبادلة" الإماراتية، وأيضا للكويت، و5 بالمئة لقطر للطاقة، حيث يربط بين ميناء "العين السخنة" على خليج السويس ومعمل تكرير "سيدي كرير" على البحر المتوسط، بطاقة نقل 2.5 مليون برميل يوميا.
يمثل "سوميد"، مسارا آمنا لاستقبال الإنتاج الخليجي عبر خط "بترولاين" السعودي، ونقله إلى أوروبا، يتجاوز "هرمز" و"باب المندب"، وبلا رسوم مرور بقناة السويس، ما يجعل مصر التي تمتلك 19 ميناء تجاريا و79 مستودعا بتروليا، وسعة تخزين موانئها تبلغ 29 مليون برميل، وطرحت آذار/مارس الماضي 10 مستودعات لتخزين النفط للإيجار بميناء السخنة ورأس بدران على البحر الأحمر، بديلا سريعا للخليجيين.
يبرز أيضا دور ممر النقل البحري (Ro-Ro) الذي يربط مينائي دمياط على البحر المتوسط بسفاجا على البحر الأحمر، كجسر بري وبحري حيوي آمن لنقل البضائع بين أوروبا والخليج.
وتخطط مصر لإنشاء منطقة لوجستية لتخزين وتداول المنتجات البترولية بميناء الإسكندرية، باستثمارات 600 مليون دولار، وتشمل رصيفا بحريا بطول 900 متر لتسهيل تصدير ونقل المنتجات البترولية، وذلك إلى جانب تعاقد إمارة "الفجيرة" لتطوير مشروعات تخزين النفط بميناء الحمراء البترولي بالبحر المتوسط.
اظهار أخبار متعلقة
ومع تطوير المحطة متعددة الأغراض (سفاجا 2) بميناء سفاجا بالبحر الأحمر، لتعزيز استقبال ناقلات النفط والبضائع، يجري تطوير ميناء العريش كجزء من الممر اللوجيستي بين مينائي "العريش" و"طابا"، على خليج العقبة قرب ميناء "نيوم" البحري.
وبريا يجري العمل بعدة ممرات برية لوجستية، منها: ممر (السـخنة– الإسكندرية)، بإنشاء خط سكة حديد لربط البحرين الأحمر والمتوسط، وممر (العريش– طابا) الرابط بين خليج العقبة والبحر المتوسط والمار عبر خط سكة حديدية بوسط سيناء.
وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، أكد السياسي المصري شادي الغزالي حرب، أن "مصر أمامها فرصة حقيقية لتحويل أزمات وحروب الشرق الأوسط لمكاسب اقتصادية بدلاً من خسائر متكررة"، مشيرا إلى أنه "مع البحث عن ممرات استراتيجية جديدة للطاقة، فهناك فرصة لأن تكون مصر رابط جغرافي ولوجيستي لهذه الممرات بين آسيا من ناحية، وأوروبا وأفريقيا من ناحية أخرى".