يبدو أن
باكستان ستكون أكثر الدول حصادا لجهودها السياسية بإنهاء الحرب (الأمريكية- الإسرائيلية) على
إيران، والتي اندلعت 28 شباط/ فبراير الماضي، وطالت تبعاتها دول الخليج العربي.
وبينما تواجه
مصر الحليف السياسي والاقتصادي لدول الخليج العربي والتي تعاني أزمات بسبب حرب إيران فتورا مفاجئا؛ تشهد علاقات السعودية وقطر ودول خليجية أخرى تقاربا سياسيا وتعاونا عسكريا لافتا مع إسلام أباد، إلى جانب تقديم الدعم المالي لاقتصاد الدولة الآسيوية المتداعي.
وبدا دور إسلام أباد لافتا، في أزمة "حرب إيران"، خاصة مع علاقات قوية بين الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، حيث تقود مفاوضات التهدئة بين طهران وواشنطن، في حين صارت بالوقت ذاته أكثر اقترابا من الرياض والدوحة، خاصة مع ما تشير إليه الأنباء من توجيه إسلام أباد رسالة إلى جارتها طهران تؤكد فيها أن استهداف الأخيرة الأراضي السعودية يعني تفعيل اتفاقية الدفاع العسكرية المنعقدة مع الرياض العام الماضي.
وفي أحدث الأنباء التي تشير للتقارب الخليجي مع باكستان، وفي 20 نيسان/أبريل الجاري، كشف موقع "تايمز أوف إسلام آباد"، أن باكستان وقطر تقتربان من المراحل النهائية لاتفاقية عسكرية استراتيجية تتجاوز التعاون العسكري الروتيني، وتشمل التعاون في مجال الأمن السيبراني، وتبادل تكنولوجيا الطائرات بدون طيار المتقدمة، في تحول يضع باكستان كركيزة أمنية مركزية في الشرق الأوسط خاصة مع إمكانية وجود عسكري باكستاني دائم في قطر.
وبينما يعد هذا ليس الحضور العسكري الأول للباكستانيين في قطر حيث سبقه نشر 4500 جندي بالدوحة خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، إلا أن الأمر الأكثر إثارة للقلق وفق "تايمز أوف إسلام آباد" هو التحول من المساعدة العسكرية المؤقتة لقطر إلى النشر الاستراتيجي المحتمل على المدى الطويل، ليؤكد الموقع الباكستاني أن الاتفاق الجديد قد يمهد الطريق لإطار أمني إقليمي أوسع يشمل جهات فاعلة رئيسية مثل السعودية وتركيا.
اظهار أخبار متعلقة
وكانت قطر قد رفعت مستوى التعاون الاقتصادي إلى مستوى استراتيجي عال مع باكستان، شمل قطاعات الطيران، الطاقة، والبنية التحتية، مع التزام بضخ نحو 3 مليارات دولار فورية لدعم الاقتصاد الباكستاني.
وإلى جانب اتفاقيات عسكرية مع عمان عام 2020، واتفاقية أخرى مع الكويت عام 2023؛ يأتي التقارب القطري الباكستاني، ليكلل حضور إسلام أباد في الخليج العربي، والذي توجته اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية في أيلول/سبتمبر 2025، تلزم الجيش الباكستاني بالتدخل حال تعرض أمن الرياض للتهديد الخارجي، ما جعل باكستان شريك أمني موثوق به لدول الخليج.
لكنه ورغم الحضور الباكستاني القوي بمفاوضات حرب إيران، وظهور باكستان كداعم وحليف إسلامي قوي للرياض أثناء القصف الإيراني للمصالح الأمريكية على دول الخليج والذي طال آبار نفط وحقول غاز، كان لحكام دولة الإمارات قرار آخر بالابتعاد عن إسلام أباد، ما ظهر جليا في طلب أبوظبي ودائعها لدى باكستان.
وأعلن البنك المركزي الباكستاني، الجمعة الماضية، سداد وديعة بقيمة مليار دولار إلى "صندوق أبوظبي للتنمية"، ورد 2.45 مليار دولار أخري الأسبوع الماضي.
الأمر الذي قابلته الرياض، بإجراء مالي عاجل بضخ 3.5 مليار دولار كوديعة لسداد قروض أبوظبي، كما مددت المملكة فترة تسهيل مالي لها بقيمة 5 مليارات دولار مدة 3 سنوات إضافية، ما يشير لاستمرار الدعم السعودي للحليف الآسيوي المطل على بحر العرب والقريب من المياه الإقليمية السعودية بالخليج العربي.
ومع ظهور الجيش الباكستاني بمظهر قوي بمواجهة الجيش الهندي المصنف رابعا بين أقوى جيوش العالم، بدا التوجه السعودي لافتا، ما قد يثير غضب الإمارات التي تسعى لإنجاح خطط "ممر بايدن"، التجاري بين الهند والإمارات والذي من المقرر أن يمر عبر السعودية والأردن إلى الأراضي المحتلة ومنها إلى أوروبا.
ويأتي التوجه السعودي والقطري إلى باكستان في توقيت تتصاعد مخاوف دول الخليج على أمنها القومي، وعلى صناعة وتجارة النفط والغاز والمشتقات البترولية للعالم مع "حرب إيران" وغلق "مضيق هرمز"، وتعرض حقول النفط والغاز للقصف الإيراني، ما يجعل الحضور الباكستاني لجيش يعمل نحو 4 ملايين نسمة من مواطنيه بالخليج معززا لأمن تلك الدول، وفق مراقبين.
وفي مقال له بـ"عربي21"، وصف المحامي الكويتي مبارك المطوع، الحضور الباكستاني الداعم للسعودية قائلا: "وبذلك ينتقل ميزان الردع في الخليج إلى مستوى جديد. فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على الوجود العسكري الأمريكي أو على القدرات الدفاعية الخليجية، بل أصبح هناك عنصر إضافي يتمثل في العمق الاستراتيجي الباكستاني، بما يحمله من قدرات عسكرية ونووية".
ماذا عن مصر؟
وأثار الموقف المصري من "حرب إيران" حفيظة دول الخليج، خاصة مع قصف طهران أهدافا أمريكية في عواصم ومدن خليجية ما طال حقول غاز ونفط، فبينما أكدت وزارة الخارجية المصرية مرارا أن "أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري"، إلا أن الإجراءات والمواقف الفعلية لم ترق إلى مستوى التوقعات الخليجية.
ووفق انتقادات وتصريحات شخصيات محسوبة على سلطات أبوظبي، وناشطون وكتاب سعوديون وكويتيون، كانت دول الخليج تتوقع دعما عسكريا وسياسيا أقوى في مواجهة التهديدات الإيرانية، بينما فضلت مصر تبني موقف "محايد" يركز على تجنب الانخراط المباشر في الصراع، ما اعتبره مراقبون تباينا قد ينتج عنه تقليل الاعتماد الخليجي على مصر مستقبلا.
وفي رصد من مركز الأبحاث الإثيوبي "horn review"، لتلك السجالات قال: "ينبع الغضب بين النخب في السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر من اعتقادهم بأن دولهم مُلزمة بتقديم الدعم المالي والسياسي لمصر. إلا أنه عندما تعرضت مدن الخليج للهجوم، لم يُبدِ الخطاب الرسمي لمصر أي دعم حقيقي لدول الخليج... ".
وعلى الجانب الآخر، يقلل البعض من مخاوف فقدان مصر أدوارها بالخليج، خاصة مع السعودية، وذلك في ظل تواتر الحديث عن تحالف رباعي سني يجمع مصر وتركيا وباكستان والسعودية، وهو ما بدا لافتا على لسان وزير الإعلام الباكستاني الأسبق مشاهد حسين، الذي تحدث لفضائية "الجزيرة مباشر" 19 نيسان/أبريل الجاري، عن فرصة تشكل "تحالف" يضم الدول الأربعة.
ولفت حسين، لامتلاك تلك الدول عناصر قوة متكاملة، ملمحا إلى "جمع باكستان بين القدرات العسكرية بما في ذلك امتلاك السلاح النووي، وتركيا باعتبارها عضوا بحلف الناتو، والسعودية بما تمثله من ثقل اقتصادي نفطي، ومصر باعتبارها دولة محورية بالعالم العربي وأفريقيا".
اظهار أخبار متعلقة
وفي ذات السياق، نشرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية تقريرا في 20 نيسان/إبريل الجاري، أكدت فيه أن الحرب الإيرانية غيرت موازين القوى بالخليج، وحسابات السعودية.
وقالت: "بغض النظر عن كيفية انتهاء الصراع، تدرك المملكة ضرورة الحفاظ على اقتصادها واستقلالها الاستراتيجي. وستواصل التطلع إلى أمريكا للحصول على بعض الدعم، لكن سيتعين عليها استكمال ذلك بتعميق تحالفها الإقليمي مع مصر وباكستان وتركيا".
ولفتت إلى أن الاتفاقية الدفاعية بين الرياض وإسلام أباد الموقعة العام الماضي، أصبحت "أساسا لتحالف إقليمي أوسع، يضم أيضا مصر وتركيا، لردع واحتواء التهديدات التي تواجه المصالح السعودية من إيران وإسرائيل على حد سواء".
وألمحت "فورين أفيرز" إلى أنه "إذا ما تعمّق التعاون بين هذه الدول الأربع، فقد يمنح المملكة ثقلا استراتيجيا يتجاوز مجلس التعاون الخليجي والمظلة الأمنية الأمريكية. حيث تمتلك مصر وباكستان وتركيا جيوشا ضخمة مزودة بأسلحة متطورة تقنيا".
التفاف لا استبدال
وفي إجابته على السؤال: هل استغنى العرب عن مصر وجرى استبدالها بباكستان؟، يرى السياسي المصري المعارض وعضو "المكتب التنفيذي لائتلاف شباب الثورة" السابق، محمد عباس، لـ"عربي21"، أنه "ليس استبدال بقدر ما هي محاولة التفاف على التزامات تطلبها مصر مقابل هذا التدخل، حيث تطالب بشكل واضح بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، لكن دول الخليجي لا ترغب بهذا".
وفي حديثه لـ"عربي21"، قال: "بعض الدول تريدها عن طريق المقاولات عبر اتفاقية مشابهة لتلك التي جرت مع باكستان بأن يتم منحها مبلغ مالي مقابل إرسال قوات تدافع عن الخليج، كما حدث بصورة أو بأخرى مع مصر خلال حرب تحرير الكويت 1990، والتي لم تكن فيها إسرائيل في الصورة، ولكن الآن تل أبيب حاضرة".
وأشار عباس، إلى أن "مفهوم الأمن القومي المصري يرى أن إسرائيل خطرا حقيقيا مع توحشها بالإقليم، ورغم اتفاقية السلام 1979، التي نعرف أنها على الورق، وبرغم التصريحات الحكومية والاتفاقيات الاقتصادية والتنسيقات الأمنية إلا أن العقيدة المصرية والمصريون يرونها كعدو؛ وفي المقابل يرون أن إيران بشكل أو بآخر شوكة بحلق إسرائيل".
ويعتقد أن "الوضع الذي تطالب به الإمارات تحديدا بالتعاون والتطبيع مع تل أبيب؛ تراه مصر مضرا بأمن الخليج العربي والمصري، خاصة وأن لديها محددات للتعامل، والخليج لا يقبل بها، وهذا حق الخليج كما هو حق مصر".
ولفت إلى أن "مصر لديها وضع شائك في الجنوب والشرق والغرق وعلى المضائق، ووجود جيشها داخل البلاد أهم لديها خاصة وأن هناك تجربة مريرة للجيش المصري بدخوله معارك خارجية مثل اليمن، أدت لضعفه وكانت جزء من هزيمة 1967".
وختم بالقول: "الموقف المصري أراه الأفضل، وإن كانت قد تخسر اقتصاديا دعم الخليج؛ وأتوقع أن يتم تحجيمه كعقاب لها، مع إعادة تموضع للاستراتيجيات بشكل أو بآخر".
ليست شرطيا أو حارسا
وفي قراءته للمشهد، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي المصري إلهامي المليجي: "ليس مطلوب من مصر أبدا أن تكون شرطيا أو حارسا فهذه أدوار ثانوية لا تليق بمصر ومكانتها وإمكاناتها ودورها التاريخي".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن احتمال اعتماد الخليج على باكستان "طرح قائم على وجهة نظرهم"، مشيرا إلى أن "مصر بمكانتها وإمكاناتها البشرية غير إمكانياتها الاقتصادية كثروات طبيعية وغيرها، قادرة على أن تنهض".
وأشار إلى أن "مصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي لم تكن تعتمد على اقتصاد ريعي من السياحة ومدخرات المصريين بالخارج ومنه الخليج، حتى أن قناة السويس أغلقت بين (1967 و1974)، وكان اعتمادنا بشكل أساسي على الإنتاج الصناعي والزراعي".
هل تنجح باكستان فيما فشلت فيه أمريكا؟
المليجي، يرى أن "فكرة اعتماد دول الخليج على باكستان عسكريا أمر غير مجدي لأنها من قبل جربت الاعتماد على ما هو أقوى وأضخم بالقدرات العسكرية من باكستان وهي أمريكا، وكانت النتيجة كما ترى"، ملمحا إلى أن "التعاون السعودي مع باكستان قديم وليس أمرا جديدا، وكذلك أمر قطر فقد عقدت اتفاقية دفاع مع تركيا عام 2017".
ويعتقد أنه "على دول الخليج أن تدرك حجمها ودورها، وتعي أنه ليس معنى أن لديها ثروات كبيرة أن تناطح دولا مثل إيران، لأنها ستخسر بكل المقاييس، ولهذا فالمسألة تحتاج منها قراءة مختلفة للدور المنوط بها في المرحلة المقبلة، وأن تتوقف عن أداء الأدوار الوظيفية للمشاريع الأمريكية والصهيونية بالمنطقة".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أنها "في هذه الحالة ستكون بمأمن، ولكنها إذا عادت وحاولت لعب هذه الأدوار، فلن تحميها باكستان، لأن أمريكا بكل ترساناتها العسكرية لم تستطيع أن تحميها، وبالتالي لن تنجح باكستان في مثل هذا الدور".