في سلسلة التطورات التي تبرز مرونة شبكة التصدير
النفط الإيرانية خلال الحصار الأمريكي، وصلت ناقلتان عملاقتان محملتان بنحو 4 ملايين برميل من الخام الإيراني إلى موانئ الهند خلال الأيام الماضية، وفق بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في أبحاث السلع وتتبع حركة ناقلات النفط.
ومثلت هذه الشحنات أول واردات رسمية للنفط الإيراني إلى الهند منذ نحو سبع سنوات منذ أيار/ مايو 2019، إذ جاءت تحت مظلة الإعفاء الأمريكي المؤقت والتي تنتهي صلاحيته الأحد المقبل، في خضم حصار بحري أمريكي فرض على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز وخليج عمان والخليج العربي اعتبارا من 14 نيسان/ أبريل 2026.
ويقف خلف هذه الشحنات الناجحة رغم الحصار ما يعرف بـ"مصافي أباريق الشاي"
الصينية، التي تعد اللاعب الأساسي في استمرار تدفق النفط الإيراني، إذ تمثل مصافي تكرير صغيرة ومستقلة تتركز في إقليم شاندونغ.
وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" في تقرير سابق، إن الصين على مدى السنوات الخمس الماضية، وفرت لإيران شريان حياة ماليا من خلال شرائها معظم نفطها.
اظهار أخبار متعلقة
واشترت هذه المصافي نحو 80-90 بالمئة من صادرات إيران النفطية، بما يعادل نحو 1.4-1.8 مليون برميل يوميا خلال 2025-2026، بحسب بيانات "كبلر"، فيما سميت بهذا الاسم نظرا لصغر حجمها مقارنة بالمصافي الحكومية الكبرى، وتشكل نحو 25 بالمئة من قدرة التكرير في الصين.
الدور الاستراتيجي لـ"أباريق الشاي" في مواجهة العقوبات
حلت "أباريق الشاي" محل الشركات الصينية الحكومية الكبرى مثل "Sinopec" و"CNPC" بعد انسحابها خشية العقوبات الأمريكية، لتصبح المشتري الرئيسي للنفط الإيراني.
واعتمدت هذه المصافي على الدفع باليوان عبر بنوك صغيرة محدودة النشاط العالمي، إلى جانب إعادة تصنيف الشحنات لإخفاء أصولها الإيرانية، في نموذج وصفه خبراء بأنه "الضمان الاستراتيجي" لاستمرار طهران في تصدير النفط رغم الضغوط.
وقالت إيريكا داونز، الباحثة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا في تقرير لصحيفة "الغارديان": "فرضت إدارة
ترامب عقوبات على عدد من هذه المصافي… لكن ذلك لم يغيّر تدفق النفط الإيراني إلى الصين، وقد مهدت العقوبات الغربية الطريق أمام إيران وفنزويلا وروسيا لتصبح أكبر موردي النفط للصين".
وبدوره، أكد ماكس مايزليش الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في تصريح لصحيفة "وول ستريت جورنال" إن الصين هي الشريك الرئيسي لإيران في التحايل على العقوبات. لم تكن إيران لتتمكن من خوض هذه الحرب لولا سنوات الدعم التي تلقتها من الصين.
التعاون مع "أسطول الظل" الإيراني: آلية التهرب المتقدمة
عملت "أباريق الشاي" بالتنسيق مع "أسطول الظل" الإيراني، الذي يضم أكثر من 400 ناقلة قديمة، غالبا ما يتجاوز عمرها 20 عاما، ولا تخضع لتأمين دولي.
وأدارت هذا الأسطول شركات واجهة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو الشركة الوطنية الإيرانية للناقلات "NITC"، مع اعتماد تقنيات للتهرب شملت إيقاف أجهزة التعقب الآلي "AIS"، وتغيير الأعلام والأسماء، وتنفيذ عمليات نقل بحري سرية (Ship-to-Ship Transfers) في مناطق نائية.
وجرى تحميل الخام عادة من جزيرة خرج، التي تتعامل مع نحو 90 بالمئة من الصادرات، قبل إعادة توجيهه إلى المصافي الصينية أو وجهات أخرى، فيما نجح الأسطول رغم الحصار الأمريكي في الحفاظ على صادرات تراوحت بين 1.5-1.8 مليون برميل يوميا، معظمها إلى آسيا.
اظهار أخبار متعلقة
وفي سياق "أسطول الظل"، برزت ممارسة رفع أعلام دول غير ساحلية كأحد أساليب التهرب، إذ سجلت حالة ناقلة النفط "ريتش ستاري" (Rich Starry)، وهي ناقلة صينية فرضت عليها عقوبات أمريكية لنقل منتجات نفطية إيرانية.
وعبرت الناقلة في نيسان/ أبريل 2026 مضيق هرمز محملة بالخام الإيراني باتجاه الصين، رافعة علم دولة مالاوي، وهي دولة غير ساحلية لا تمتلك سجلا بحريا للسفن الكبيرة، فيما أكدت حكومة مالاوي أن العلم مزور وطالبت المنظمة البحرية الدولية (IMO) باتخاذ إجراءات.
وتكررت هذه الممارسة مع استخدام 24 ناقلة على الأقل علم مالاوي المزور لنقل نفط إيراني وروسي محظور، بقيمة تجاوزت مئات الملايين من الدولارات، بحسب تقارير مركز أبحاث الطاقة والهواء النقي "CREA".
وسجلت أيضا حالات باستخدام علم بوتسوانا، حيث أبلغت حكومتها المنظمة البحرية الدولية باستخدام 17 سفينة مزورة تحت علمها، من بينها ناقلات مرتبطة بنقل نفط إيراني عبر مضيق هرمز.
وتندرج هذه الأعلام المزورة ضمن استراتيجية "أسطول الظل" لإخفاء الملكية الحقيقية وتجنب التفتيش والمصادرة، عبر مواقع إلكترونية مزيفة تدّعي تمثيل هذه الدول، ما يعقّد رصد عمليات النقل رغم الحصار الأمريكي المفروض منذ 13-14 أبريل 2026.
الوجهة الهندية: اختبار لمرونة الشبكة الصينية-الإيرانية
سمحت وزارة الشحن الهندية بإذن استثنائي لعدة ناقلات بالرسو، بناء على طلب شركتي ريلاينس إندستريز (Reliance Industries) وشركة النفط الهندية (IOC).
ووصلت الناقلة "Felicity"، وترفع العلم الإيراني وتابعة لـ"NITC"، إلى ميناء سيكا غرب الهند محملة بنحو 2 مليون برميل، جرى تفريغها لصالح ريلاينس، فيما وصلت الناقلة "Jaya"، التي ترفع علم كوراكاو، إلى ميناء بارديب شرق الهند محملة بنحو 2 مليون برميل لصالح IOC.
ووصلت الناقلة "Derya"، وهي إيرانية أيضا ومحملة بنحو 2 مليون برميل، قبالة غوجارات (سيكا)، لكنها واجهت صعوبات في العثور على مشترين بعد انتهاء الإعفاء، بسبب مخاوف من العقوبات الثانوية الأمريكية، وفق ما أفاد "الإنديان إكسبريس".
اظهار أخبار متعلقة
واعتمدت الشركات الهندية في دفع ثمن الشحنات على اليوان ضمن ترتيبات غير تقليدية، مستفيدة من الخصومات الكبيرة التي توفرها شبكة "أباريق الشاي".
وواصلت "أباريق الشاي" أداء دور وسادة الأمان للاقتصادين الصيني والإيراني، في وقت منحت فيه بكين حصصا جديدة لتعزيز الإنتاج المحلي رغم التوترات، كما أن ضغط الحصار الأمريكي على هوامش أرباح هذه المصافي، ما قد يدفعها إلى التوجه نحو مصادر بديلة مثل الخام الروسي.