مع تداعيات حرب إيران.. ما مصير الاستثمارات الخليجية في مصر؟

تستحوذ صناديق سيادية إماراتية وسعودية على حصص مؤثرة في كبرى شركات الأسمدة المصرية- جيتي
تستحوذ صناديق سيادية إماراتية وسعودية على حصص مؤثرة في كبرى شركات الأسمدة المصرية- جيتي
شارك الخبر
بينما تتعاظم خسائر دول الخليج العربي مع امتداد حرب إيران إلى أراضيها، وتأثر الكثير من منشآتها المدنية والنفطية، وهروب أصحاب رؤوس الأموال الأجانب، وتوقف الكثير من الأعمال والشركات والمشروعات، وما قد يلحق بها حال امتداد الحرب لفترة زمنية أطول، يُثار التساؤل حول مستقبل الاستثمارات الخليجية في مصر.

أرقام كارثية ووضع صعب

ويتحدث تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن انكماش في اقتصادات المنطقة والخليج، راصدًا خسائر محتملة بالناتج المحلي الإجمالي للدول العربية بين 120 و194 مليار دولار، مع تركز الأثر الأكبر في دول الخليج، إذ قد ينخفض الناتج فيها بين 5.2 و8.5 بالمئة، فيما قد تتحمل خسائر تتراوح بين 103 و168 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي.

وتشير الأرقام إلى أن تداعيات الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) التي بدأت على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، كلفت دول الخليج بين 75 و80 مليار دولار خلال شهر، مع خسائر كبيرة في قطاعات النفط والغاز والسياحة والطيران، الأمر الذي قد يتزايد، وفق محللين، مع استمرار توقف حركة الملاحة بمضيق "هرمز"، واحتمالات تصاعد الحرب الجارية بعمل بري أمريكي على الأراضي الإيرانية.

وتتحدث الإحصائيات، قبيل الحرب على إيران، عن عجز مالي بميزانيات دول الخليج، وصل بالسعودية إلى 165 مليار ريال، وفي قطر 22 مليار ريال، والكويت 9755 مليون دينار، والبحرين 1077 مليون دينار، وهي الأرقام التي تُضاف إليها نفقات التصدي العسكري من تلك الدول للصواريخ والمسيرات الإيرانية.

وجميعها، إلى جانب خسائر وقف تصدير النفط والغاز بشكل كبير من الكويت وقطر والبحرين والإمارات، وتراجع معدلات السياحة، وتوقف تدفق الاستثمارات الأجنبية، وتجميد قطاعي العقارات والتكنولوجيا، وانهيار البورصات المحلية؛ كلفة كبيرة يصعب التكهن بها الآن.

وفي حين يقود توقف حركة الطيران إلى خسائر تصل إلى 56 مليار دولار من إنفاق السياحة، يُضاف إليها التسارع الخليجي لشراء أسلحة جديدة أكثر تطورًا الشهر الماضي، حيث اشترت الإمارات والكويت أسلحة أمريكية بـ16 مليار دولار، ما يضع حكومات تلك الدول أمام ضغوط مالية كبيرة تقلص توجهاتها نحو الاستثمار بالخارج.

وفي السنوات الأخيرة، شهدت الاستثمارات الخليجية تغيرًا لافتًا من العمل بقطاع النفط والغاز إلى قطاعات ودول عديدة، عبر صناديق الثروة السيادية للإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين، والتي تُقدّر أعمالها بـ5 تريليونات دولار.

وكشف المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، عن توجه بلاده عقب انتهاء الحرب بقوله: "بسبب الصعوبات الاقتصادية نتيجة الحرب، وبسبب تراجع الثقة في استقرار منطقة الخليج، سنكون منشغلين للغاية بإعادة الإعمار وتعزيز قدراتنا الدفاعية".

اظهار أخبار متعلقة


ماذا عن مصر؟

وفي ظل تلك التطورات التي تدخل شهرها الثاني، تتعاظم المخاوف لدى بعض المحللين من أن "تصبح مصر، صاحبة ثالث أكبر اقتصاد عربي عقب السعودية والإمارات، خارج أولوية الشركاء الخليجيين".

وتوقع البعض أن "تتحول خطط الخليج الاستثمارية لإصلاح ما أفسدته الحرب على بلادهم بإعادة الإعمار، وتدشين خطوط تصدير غاز ونفط جديدة، وزيادة ميزانية الدفاع والأمن، وخاصة أبوظبي والرياض، أكبر مستثمرين عربيين وخليجيين في البلد العربي الأفريقي".

جانب ثانٍ من المخاوف المصرية يتزايد "مع تتابع مؤشرات تغير الموقف السياسي الخليجي من مصر كحليف استراتيجي لم يدعم دول الخليج في أزمتها الحالية، وفق قول ساسة وإعلاميين خليجيين"، وهي الحالة التي قد تقود، وفق قراءات مصرية، "إلى تجميد عواصم خليجية وشركات وصناديق استثمار تابعة لها أعمالها ومشروعاتها الحالية بمصر، ومراجعة خططها الاستثمارية التي كانت مقررة".

ومع تفجر "حرب إيران"، خرجت أصوات خليجية (إماراتية وسعودية وكويتية) تذكر رأس النظام المصري، عبد الفتاح السيسي، بدور الخليج في دعمه ماليًا بأكثر من 50 مليار دولار، وفق بعض التقديرات منذ العام 2013، وتؤكد توقف هذا الدعم، معتبرة الموقف المصري من حرب إيران غير مرضٍ لها.

وهو الموقف الذي عبّر عنه الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبدالله، بقوله إن الإمارات ودول الخليج العربي قادرة على الدفاع عن نفسها بقدراتها الدفاعية الذاتية، ولا تحتاج إلى مساعدة دول عربية هشة تعاني أزمات داخلية ولا تستطيع الدفاع عن نفسها، ما اعتبره مصريون رسالة موجهة لبلادهم.

وشهدت الفترة من عام 2022 حتى 2026 تحولًا في سياسات الخليج نحو النظام المصري الحاكم من المنح المالية والدعم العيني ووضع الودائع بالبنك المركزي المصري إلى سياسة "الاستحواذ على الأصول"، التي تنافس عليها بشدة الإماراتيون والسعوديون بشكل خاص.

اظهار أخبار متعلقة


بين التقشف وملف الطروحات

وتشير أنباء التقشف الحكومي في مصر على خلفية الحرب الجارية وتداعياتها من ارتفاع أسعار النفط والغاز، ومحاولات القاهرة تقليل فاتورة الطاقة، إلى احتمال ثالث، مفاده تأثر الاستحواذات الخليجية القائمة منذ سنوات على الشركات والمصانع المصرية في مجال الصناعة، وخاصة الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة، وبينها الأسمدة.

وفي هذا السياق، وعلى الرغم من استثناء حكومة القاهرة مصانع الأسمدة من قرار تخفيض استهلاك الغاز للصناعات كثيفة الاستهلاك، ومنحها فرصة العمل بكامل طاقتها الإنتاجية، تتجه الحكومة لرفع سعر توريد الغاز إلى مصانع الأسمدة من 5.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية إلى 9 دولارات، بحسب موقع "إيكونومي بلس"، ما يعني زيادة تكاليف الإنتاج على الشركات الخليجية العاملة بالقطاع الحيوي، خاصة وأن الغاز يشكل نحو 60 بالمئة من تكلفة الإنتاج.

ومنذ العام 2022، تستحوذ صناديق سيادية إماراتية وسعودية على حصص مؤثرة في كبرى شركات الأسمدة المصرية، أبرزها "موبكو"، و"أبوقير للأسمدة"، و"سماد مصر"، التي شهدت زيادة حصة شركة "ناس" الإماراتية في هيكل ملكيتها العام الماضي، وذلك إلى جانب عمل "المصرية السعودية لتصنيع الأسمدة" (إيجي ساف)، و"دوترا" الخليجية بتصنيع الأسمدة والمبيدات في مصر.

وفي جانب رابع، ورغم إعلان مصر الشهر الماضي نقل 40 شركة إلى "صندوق مصر السيادي" تمهيدًا لإعادة هيكلتها وطرحها للمستثمرين، يُثار الحديث عن إحجام خليجي بهذا الملف وتعطيل حرب إيران مسار الطروحات، وفق تقرير لنشرة "انتربرايز" الاقتصادية المحلية، الثلاثاء، وذلك رغم مطالبات صندوق النقد الدولي بتسريع وتيرتها.

والعام الماضي، أعلنت الحكومة المصرية عزمها طرح 10 شركات، بينها شركات تابعة للجيش، وهي: "وطنية" للبترول، و"صافي" للمياه، و"سايلو فودز" للصناعات الغذائية، و"تشيل آوت"، بجانب شركات عامة مثل: "ميدور"، و"مصر للأدوية"، و"سيد" للأدوية، و"الأمل الشريف للبلاستيك"، ومحطة "رياح جبل الزيت"، و"المصرف المتحد"، بجانب شركات أخرى للحصول على حوالي 5 مليارات دولار حتى نهاية العام الجاري.

تُدار وفق العائد والمخاطر

الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد، قدّم لـ"عربي21" قراءة في حجم تداعيات حرب إيران على الاستثمارات الخليجية بمصر، مفندًا ما يُثار حول احتمالات عرقلة الغضب الخليجي من مصر دخول استثمارات جديدة، وتجميد الحالية، وتراجع زخم الطروحات، مشيرًا إلى السيناريو الذي يجب أن تتعامل به مصر إزاء ذلك الوضع.

عضو مجلس النواب المصري أكد أن "الحديث عن غضب خليجي تجاه مصر، في نظري، طرح تبسيطي لا يعكس طبيعة القرار الاستثماري الحالي".

ولفت أولًا إلى أن "الموقف الرسمي الخليجي لا يعكس ذلك بوضوح"، وثانيًا ألمح إلى أن "الاستثمارات الخليجية تُدار مؤسسيًا وفق العائد والمخاطر، وليس وفق ردود فعل سياسية".

ويعتقد رئيس مركز "العدل لدراسات السياسات العامة"، وعضو المكتب السياسي بحزب "العدل"، أن "التوتر الإقليمي قد يعيد تسعير المخاطر ويرفع تكلفة رأس المال، لكنه لا يعني انسحابًا كاملًا".

وخلص إلى القول إن "المتوقع هو تباطؤ نسبي وانتقائية أعلى في الصفقات الجديدة، لا تجميد شامل"، مبينًا أن "الاستثمارات القائمة بطبيعتها طويلة الأجل وصعبة التخارج السريع".

ويرى أن "أي تأخير محتمل في ملف الطروحات المصرية يرتبط أكثر بسعر الصرف وتقييم الأصول، وليس بمواقف سياسية"، متوقعًا في "المقابل أن تظهر فرص استحواذ عند انخفاض التقييمات".

وختم حديثه مؤكدًا أن "التعامل المصري الأمثل مع أي تراجع بالاستثمارات الخليجية هو تثبيت السياسات، ووضوح الطروحات، وتوسيع قاعدة المستثمرين".

نهاية دبلوماسية الإنقاذ

وكان تقرير لموقع "دويتشه فيله" الألماني، في 22 آذار/مارس الماضي، قد قال إن "حرب إيران" قد تضطر دول الخليج إلى "تغيير سياساتها الاستثمارية"، و"إعادة ترتيب أولويات استثماراتها"، و"التركيز على إعادة الإعمار"، و"تعزيز قدراتها الدفاعية".

وأكد أنها حرب "هزّت صورة دول الخليج كدول آمنة ومستقرة"، ملمحًا إلى احتمال تراجع "دبلوماسية الإنقاذ" التي تتبناها دول الخليج في المنطقة، وتكلّفها مليارات الدولارات، بتقديم حزم ضخمة من المساعدات المالية أو العينية لإنقاذ الدول التي تواجه أزمات مالية أو اقتصادية، وخاصة مصر.

حجم استثمارات الخليج في مصر

تتصدر الإمارات قائمة المستثمرين العرب والأجانب في مصر، وتتركز استثماراتها في العقارات والموانئ والاتصالات، بإجمالي تجاوز 65 مليار دولار، شاملة صفقة "رأس الحكمة" التي استحوذت عليها "القابضة ADQ" بالساحل الشمالي الغربي بقيمة 35 مليار دولار في شباط/فبراير 2024.

ومنذ العام 2022، استحوذت "ADQ" على حصص في "أبوقير للأسمدة"، و"مصر للألومنيوم"، و"الإسكندرية لتداول الحاويات" بقيمة 2 مليار دولار، وذلك إلى جانب استحواذ "كيميت" الإماراتية على "بلتون المالية"، مع الفوز بحصص في الفنادق السبعة التاريخية وسلاسل مستشفيات كبرى، منها "كليوباترا"، ومعامل تحاليل وأشعة شهيرة، بجانب أعمال "إعمار مصر"، و"موانئ دبي"، و"موانئ أبوظبي"، و"اتصالات من e&"، وبنك "أبوظبي الأول"، ومجموعة "الفطيم"، وغيرها.

وعقب الإمارات، تأتي الاستثمارات السعودية، معتمدة على "صندوق الاستثمارات العامة" والقطاع الخاص السعودي، بإجمالي استثمارات تُقدّر بـ35 مليار دولار، تضم ودائع الرياض بالبنك المركزي المصري نحو 10.3 مليار دولار.

وفي عام 2022، استحوذت "المصرية السعودية للاستثمار" على حصص في 4 شركات هي: "إي فاينانس"، و"أبوقير للأسمدة"، و"مصر لإنتاج الأسمدة"، و"الإسكندرية لتداول الحاويات" بقيمة 1.3 مليار دولار.

وعادت الاستثمارات القطرية بقوة إلى مصر بعد عام 2021، مع التركيز على القطاع المصرفي والطاقة، بإجمالي استثمارات ووعود باستثمارات تصل إلى 5 مليارات دولار، أهمها التعاقد على مشروع "علم الروم" بالساحل الشمالي، وإلى جانب بنك "QNB الأهلي"، تعمل "قطر للطاقة" بمنطقة استكشاف بحرية بالبحر المتوسط، مع حصص في مصفاة "مصرية للتكرير".
التعليقات (0)

خبر عاجل