شهد
اليمن في الآونة الأخيرة تطورات لافتة، بعد استئناف المفاوضات بين جماعة "أنصار الله"
الحوثيين والسعودية، لأحياء خارطة السلام، وموقف الأخيرة من الحرب على إيران، وهو ما ساعد في إنجاز اتفاق لتبادل الأسرى والمختطفين مع الحكومة اليمنية المعترف دوليا برعاية من الأمم المتحدة.
وفي وقت سابق من مايو الجاري، أعلن مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، التوصل إلى اتفاق تبادل أسرى ومختطفين بين الحوثيين والحكومة اليمنية يزيد عددهم عن 1600 من الطرفين، بينهم ضباط سعوديون وسودانيون.
ومثلت المعطيات السابقة من اتفاق تبادل الأسرى إلى جانب المفاوضات التي جرت بين الحوثيين والسعوديين فيما يتعلق بالملف الاقتصادي، مسارا جديدا في خضم التطورات العاصفة في المنطقة، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات عدة بشأن شكل العلاقة بين المملكة والجماعة المتحالفة مع إيران.
اظهار أخبار متعلقة
الخيار العسكري قائم
وتعليقا على هذا الموضوع، قال الكاتب والصحفي اليمني، أحمد الشلفي إنه منذ تدخل التحالف العربي بقيادة
السعودية، ظل السؤال حاضرًا حول قدرة القوات الحكومية على هزيمة الحوثيين واقتحام صنعاء...ولا شك أن العملية العسكرية، خصوصًا في سنوات الحرب الأولى بعد 2015، كانت تبدو ممكنة بدرجة أكبر، وكان هناك اعتقاد بأن هزيمة الحوثيين عسكريًا أمر قابل للتحقق.
وأضاف الشلفي في حديث خاص لـ"عربي21" أنه مع مرور الوقت، أصبحت العملية أكثر تعقيدًا وكلفة ومخاطر، مشيرا إلى أن الحوثيين استثمروا هذه السنوات في تطوير بنيتهم العسكرية، وتعزيز قدراتهم الصاروخية والمسيّرة، وتوثيق علاقتهم بإيران.
كما طوروا أدوات الضغط الإقليمية، وعلى رأسها القدرة على إلحاق الضرر بالسعودية، كما حدث خلال السنوات الماضية عبر استهداف منشآت اقتصادية وحيوية، مستفيدين أيضًا من تعقيدات العلاقة بين طهران والرياض، وما وفرته تلك البيئة من مساحة مناورة لصالحهم.
وأكد الكاتب اليمني على أن فرضية "العمل العسكري ضد الحوثيين مازالت قائمة بالفعل"، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بالمخاوف ذاتها، وعلى رأسها الموقف السعودي المتحفظ من العودة إلى الحرب الشاملة وما قد يترتب عليها.
وتابع بأنه مؤخرا تم الإعلان عن صفقة بين الحكومة والحوثيين والسعودية تم الإفراج بموجبها عن اكثر من١٦٠٠ أسير بينهم سبعة جنود وضباط من السعودية.
وخلال الأسابيع الماضية، أعلن المبعوث الأممي عن لقاءات بين اللجنة العسكرية السعودية والحوثيين، وهي لجنة كانت عمليًا شبه معطلة منذ عام 2020، منذ بدء الحديث عن خارطة الطريق السعودية التي رعاها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وفق الشلفي.
وقال إن هذه اللقاءات لم تكن بداية المسار، بل سبقتها سلسلة طويلة من الاجتماعات والاتصالات في الرياض وعمّان، التقى خلالها الحوثيون مسؤولين سعوديين، بينهم مسؤولون في الاستخبارات، واللجنة الخاصة، والسفير السعودي، كما جرت قنوات تواصل مباشرة بين قيادات في المملكة وقيادات في صنعاء.
اظهار أخبار متعلقة
مسارات التفاوض
وبحسب الكاتب والصحفي اليمني فإن الهدف من هذه اللقاءات إعادة إحياء النقاش حول خارطة الطريق، التي تشمل ثلاثة مسارات رئيسية : " المسار الإنساني والمسار الاقتصادي والمسار السياسي".
وناقشت اللقاءات بين الطرفين، في إطار الملف الإنساني وفق الصحفي الشلفي "فتح المنافذ، بما في ذلك مطار صنعاء، وميناء الحديدة، وتسهيل الحركة والملفات الإنسانية الأخرى".
أما المسار الاقتصادي، فيتعلق بقضية "البنك المركزي" وصرف الرواتب، والملفات الاقتصادية المرتبطة بإدارة الدولة والموارد.
فيما يبرز المسار السياسي من خلال "بحث الوصول إلى تسوية سياسية تنتهي بصيغة شراكة أو حكومة مشتركة بين الحكومة اليمنية الحالية والحوثيين"، حسبما ذكره الصحفي والكاتب اليمني.
وأوضح أنه خلال هذه الفترة، كان هناك هدوء نسبي في خطاب الحوثيين تجاه السعودية، لكن اللافت خلال اليومين الماضيين عودة الخطاب الحوثي عبر المنصات الرسمية وقيادات الجماعة للحديث مجددًا عن السعودية، واتهامها بالحصار الاقتصادي ضد اليمن، مع تركيز واضح على ملفات الرواتب والجانب الإنساني والاقتصادي.
وأردف قائلا: "وهذا التحول في الخطاب قد يكون مؤشرًا على تعثر الاتصالات أو فشلها في الوصول إلى تفاهمات نهائية، وقد يعني أيضًا بداية استدارة جديدة نحو التصعيد".
توازن القوة
ويعتقد الشلفي أن الحديث عن سلام دائم أو خارطة طريق قابلة للحياة في اليمن لن يكون واقعيًا ما لم يحدث "توازن حقيقي في القوة".
وقال : "فحتى هذه اللحظة، لا يزال الحوثيون يعتقدون أن اليد العسكرية العليا لهم، وأنهم قادرون على فرض شروطهم على السعودية عبر التهديد بالهجمات الصاروخية والمسيّرات على المنشآت الاقتصادية، وعلى الحكومة اليمنية عبر فرض شروطهم السياسية كاملة دون تقديم تنازلات حقيقية".
وشدد على أن أي حل سياسي لا يستند إلى تغيير فعلي في ميزان القوى سيكون محدود الأثر أو مؤقتًا فقط، مرجعا ذلك إلى أن "الجماعة التي تسيطر على جزء كبير من اليمن، وتعتقد أنها قادرة على الاحتفاظ به بالقوة، لن تتخلى عنه طوعًا إلا إذا شعرت أن كلفة الاحتفاظ به أصبحت أعلى من كلفة التنازل عنه".
ولم يستبعد الكاتب والصحفي اليمني أن يظل الخيار العسكري — أو على الأقل وجود تهديد عسكري جاد وموثوق — العامل الأكثر قدرة على فرض تسوية حقيقية، مؤكدا على أن " الحوثيين، في تقدير كثيرين، لن يذهبوا إلى حل متوازن إلا عندما يدركون أن استمرار الوضع الحالي لم يعد مضمونًا عسكريًا".
اظهار أخبار متعلقة
تهدئة وردع تفاوضي
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، أحمد الزرقة إن العلاقة بين السعودية و الحوثيين بعد اتفاق تبادل الأسرى لا يمكن وصفها بأنها "مصالحة"، لكنها أيضاً "لم تعد علاقة حرب مفتوحة".
وأضاف الزرقة في حديثه لـ"عربي21" أننا أمام صيغة وسطى يمكن تسميتها "تهدئة مسلحة" أو "ردعاً تفاوضياً"، مشيرا إلى أن الطرفين لا يثقان ببعضهما، لكنهما يدركان أن كلفة العودة إلى المواجهة المباشرة عالية جداً.
وبحسب الكاتب اليمني فإن اتفاق تبادل الأسرى، خصوصاً مع شمول 7 سعوديين، لا يغير جوهر الصراع، لكنه يكشف أن قناة التفاوض ما زالت فعالة وقادرة على إنتاج نتائج عملية.
وقال إن السعودية تحصل من ذلك على اختبار لجدوى التهدئة واستعادة بعض مواطنيها، و الحوثيون يحصلون على اعتراف عملي بدورهم كطرف تفاوضي لا يمكن تجاوزه.
أما تهدئة الحرب على إيران، فأكد الكاتب الزرقة أنها "تجعل مصلحة السعودية أوضح في تحييد الجبهة اليمنية ومنع الحوثيين من تحويل اليمن إلى امتداد مباشر للصراع الإقليمي".
وفي المقابل، يعرف الحوثيون أن التصعيد ضد السعودية قد ينسف فرصة انتزاع مكاسب اقتصادية وسياسية أكبر، مثل الرواتب، وتخفيف القيود، وتوسيع الاعتراف العملي بهم، وفق المتحدث ذاته.
وقال أيضا، إن رفع الحوثيين سقف التهديد ضد المملكة لا يعني بالضرورة أنهم قرروا العودة إلى الحرب، بل هو جزء من تكتيك تفاوضي، موضحا أن الجماعة تستخدم الخطاب التصعيدي لرفع كلفة التعطيل على السعودية، وللحفاظ على صورتها داخل محور إيران، ولمنع جمهورها الداخلي من تفسير التفاوض بوصفه تنازلاً.
وأردف: "لذلك يمكن أن نرى في الوقت نفسه تهديداً عالياً في الخطاب وحرصاً عملياً على استمرار القنوات الخلفية".
اظهار أخبار متعلقة
تسوية نهائية صعبة
ولفت الكاتب والمحلل السياسي اليمني إلى أنه على الأرجح أننا أمام "اتفاقات جزئية قادمة، لا اتفاق شامل سريع"، وقال إن ملفات الأسرى والرواتب والمطار والموانئ والحدود، قد تتحرك لكن التسوية النهائية ستظل صعبة بسبب غياب الثقة، وتعقيدات الداخل اليمني، وموقع الحكومة اليمنية، وارتباط الحوثيين بالحسابات الإقليمية.
وخلص الكاتب اليمني إلى أن المعادلة الحالية ستبقى "لا حرب مباشرة، ولا سلام مكتمل، بل مساومة طويلة تحت سقف الردع".
وبعد الإعلان عن اتفاق تبادل الأسرى والمختطفين، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي الحاكم في اليمن، رشاد العليمي على "دعم المجلس والحكومة لأي جهد حقيقي لخفض التصعيد وتحقيق السلام المستدام، ولكنه جزم بأن ذلك لن يتحقق إلا بمعالجة مصادر الخطر من البر والبحر وإنهاء تهديد الميليشيات العابرة للحدود.