لم تعد المعاناة في قطاع
غزة مقتصرة على تأمين قوت اليوم أو البحث عن مأوى آمن، بل امتدت لتطال قدرة الإنسان على الحركة والانتقال داخل المساحة الجغرافية الصغيرة المتبقية في القطاع.
وتواجه حركة النقل والمواصلات في القطاع اليوم أزمة وجودية غير مسبوقة، تحولت معها المركبات من وسيلة تسهل الحياة اليومية إلى عبء يصارع البقاء، ذلك أن النقص الحاد في الوقود، والارتفاع الجنوني في أسعاره، إلى جانب التدمير المنهج للطرقات والشبكات الحيوية، فرض واقعاً قسرياً عزل المدن والبلدات عن بعضها البعض.
ولم تتوقف آثار هذه الأزمة عند حدود قطاع النقل، بل ألقت بظلالها القاتمة على القطاعات الصحية والتعليمية والإنسانية، حيث بات الوصول إلى المستشفى أو الجامعة رحلة محفوفة بالمشاق والتكاليف الباهظة.
وتفرض قوات الاحتلال قيودا مشددة على إدخال أبسط مقومات الصيانة والتشغيل للمركبات والمولدات الكهربائية،، مما يحول الأزمة إلى كارثة إنسانية تهدد حياة آلاف
الفلسطينيين، وتشل تحركهم داخل القطاع.
اظهار أخبار متعلقة
أزمة المواصلات تصيب العلاقات الاجتماعية
اضطر حسن أبو مصطفى إلى الاعتذار عن حضور خطبة ابنة شقيقته، بسبب أزمة المواصلات، ذلك أن الوصول من غزة حيث يسكن؛ إلى النصيرات حيث تقيم شقيقته في خيمتها هناك، أمر بالغ الصعوبة في ظل ارتفاع أسعار المواصلات، إلى جانب عدم توفرها بسهولة.
يقول أبو مصطفى في حديث لـ"عربي21" إن التنقل بالمواصلات داخل مدينة أو خارجها، يعد رحلة من العذاب، فالأسعار باهظة للغاية، والجيوب فارغة، مشيرا إلى أنه اضطر إلى الاعتذار عن حضور خطوبة ابنة شقيقته قبل أيام، بسبب استفحال أزمة النقل، وندرة السيارات العاملة في هذا المجال بعد تدمير أعداد كبيرة منها خلال الحرب، وتعطل بعضها الآخر، في ظل شح قطع الغيار، ومنع دخول الاحتلال لزيوت المركبات والمولدات.
لم يكن الوضع أحسن حالا عند الطالبة شهد حجازي، والتي لا تتمكن من الوصول إلى الجامعة بشكل منتظم بسبب هذه الأزمة الطاحنة.
تفيد شهد في حديثها لـ"عربي21" بالقول، إنها تضطر إلى الذهاب يوما واحدا أسبوعيا إلى الجامعة في غزة، حيث تدرس التمريض، بسبب أزمة المواصلات وارتفاع أجور النقل، فيما تعتمد على زميلاتها في تعويض ما يفوتها من محاضرات.
اظهار أخبار متعلقة
أزمة زيوت وقطع غيار
ويقول مواطنون وسائقون في أحاديث منفصلة لـ"عربي21" إن أزمة المواصلات لم تعد مرتبطة فقط بأسعار الوقود، بل باتت تشمل انعدام الزيوت وقطع الغيار والإطارات، إلى جانب الدمار الواسع الذي طال الطرق والبنية التحتية.
ورغم توفر السولار نسبيا، إلا أن سعر اللتر الواحد استقر عند نحو 30 شيكلا، (الدولار يساوي 2.9 شيكل" وهو ما يعد مرتفعا مقارنة بالأوضاع الطبيعية، غير أن الأزمة الأشد تتمثل في فقدان زيوت المركبات و"الفلاتر" وقطع الغيار بشكل شبه كامل.
ويضطر سائقون إلى استخدام "زيوت محروقة" ومعاد تدويرها بأسعار باهظة، إذ يصل سعر الكيلو الواحد منها إلى نحو 4500 شيكل، في وقت أصبحت فيه قطع الغيار شبه معدومة، ما يدفع إلى تعطّل المركبات في ظل عدم القدرة على إصلاحها.
كما تفاقمت أزمة الإطارات "الكاوتشوك"، حيث وصل سعر الإطار الواحد المستعمل أو المتهالك إلى نحو 4500 شيكل، رغم كونه خاضعا للترقيع والإصلاح المتكرر، في ظل غياب الإطارات الجديدة عن الأسواق.
ويشير سائقون تحدثوا لـ"عربي21" إلى أن تدمير الطرق وتجريفها زاد من استهلاك الإطارات بشكل كبير، إذ تحولت غالبية الشوارع إلى طرق ترابية مليئة بالحصى والرمال، بينما بات العثور على شارع معبد أمرا نادرا.
اظهار أخبار متعلقة
تحديد عدد الركاب بسبب الأزمة
وأدى ذلك إلى تغيير قواعد العمل في قطاع النقل الداخلي، حيث بدأ السائقون بتحديد عدد الركاب المسموح بنقلهم حفاظا على الإطارات والمركبات، فبعضهم يرفض تحميل أكثر من أربعة ركاب، فيما يفرض آخرون رسوما إضافية على أي حمولة زائدة.
وفي ما يتعلق بأسعار النقل، يؤكد الصحفي محمد حسن في حديث لـ"عربي21" أن الأزمة أكثر تعقيدا، إذ ارتفعت أجور سيارات الأجرة الخاصة بشكل كبير، حيث قد تصل تكلفة التنقل داخل مدينة غزة إلى ما بين 50 و65 شيكلا لمسافات قصيرة نسبيا.
أما المواصلات العامة الداخلية، فقد ارتفعت من شيكلين قبل الحرب إلى خمسة شواكل حاليا كحد أدنى، بينما تختلف الأسعار بحسب المسافة والوجهة.
وبالنسبة للتنقل بين المحافظات، تتراوح أجرة نقل الشخص الواحد من مدينة غزة إلى دير البلح بين 15 و20 شيكلا، وقد ترتفع إلى 35 شيكلا عند التوجه إلى مناطق متقدمة داخل خانيونس، تبعا لنقطة الوصول وظروف الطريق.
ويؤكد الصحفي حسن أن الركاب عاجزون عن تحمل االتكاليف المرتفعة لقطاع النقل، رغم إدراكهم بحجم الضغوط التي يواجهها السائقون.
كما برزت أزمة "الفكة" أو العملات المعدنية الصغيرة كإحدى المشكلات اليومية في قطاع النقل، إذ يرفض كثير من السائقين التعامل بالأوراق النقدية الكبيرة بسبب شح السيولة النقدية، ويشترطون الدفع بمبالغ مصروفة مسبقا.
وفي المقابل، بدأ بعض السائقين مؤخرا بقبول الدفع الإلكتروني التي أطلقتها البنوك والمحافظ الإلكترونية في غزة، في محاولة للتخفيف من أزمة النقد المتفاقمة.