هل فتح ماكرون الباب لمصر لاستعادة آثارها المنهوبة؟

آلاف القطع المصرية في متاحف أوروبا.. هل يفتح ماكرون باب الاستعادة؟ - جيتي
آلاف القطع المصرية في متاحف أوروبا.. هل يفتح ماكرون باب الاستعادة؟ - جيتي
شارك الخبر
قبل مغادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، "قصر الإليزيه" بالعاصمة باريس، السبت الماضي، إلى مدينة "برج العرب" (شمال غرب مصر)، للقاء رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، وافتتاح مقر "جامعة سنجور" الجديد؛ أقر قانونا يسهل إعادة الآثار والأعمال الفنية المنهوبة بالحقبة الاستعمارية لدولها الأصلية.

مصادقة ماكرون، التي تأتي تنفيذا لوعد قطعه للشباب الأفريقي في واغادوغو عاصمة بوركينافاسو عام 2017، تمثل فرصة لاستعادة الشعوب الأفريقية كنوزها التاريخية، وبارقة أمل لمصر التي يضم متحف "اللوفر" بباريس وحده من آثارها نحو 55 ألف قطعة مسجلة، في استعادة ما تم نهبه خلال الاحتلال الفرنسي وما تلا ذلك من تهريب تجار الآثار الأجانب وحصص بعثات التنقيب وفق المعمول به قبل صدور قانون حماية الآثار (رقم 117 لسنة 1983).

ورغم ما يمثله القانون من تحول فرنسي كبير إلا أن به ثغرات تعيق استعادة مصر بعض آثارها المعروضة بمتاحف وشوارع باريس، وتلك التي آلت ملكيتها لشخصيات فردية، أو تلك التي تم إهداءها من قبل حكام مصر لحكام فرنسا، كإهداء محمد علي باشا مسلة كانت تزين مدخل "معبد الأقصر" لملك فرنسا لويس فيليب عام 1830، ووضعها بميدان "الكونكورد" بباريس 1836.

كما أن القانون يغطي الآثار التي تم الحصول عليها بين 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1815 وهي فترة بداية الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية الثانية، وحتى 23 نيسان/أبريل 1972، وهو توقيت دخول اتفاقية اليونسكو حول "حظر استيراد وتصدير الممتلكات الثقافية"، حيز التنفيذ، واتفاقية 1972 لحماية التراث العالمي.

ما يعني أن الآثار المصرية التي نهبها الاحتلال الفرنسي من مصر والتي خرجت منها مع الاحتلال الفرنسي (1798- 1801)، وحتى عام 1815، والمقدرة بنحو 17 عاما والتي شهدت نشاطا فرنسيا واسعا في التنقيب عن الآثار المصرية، لن يشملها القانون.

اظهار أخبار متعلقة



لدينا الحجة والقوانين

وفي تقديره لحجم استفادة مصر من القانون الفرنسي الجديد، وصف وزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس، في حديثه لـ"عربي21"، إعلان الرئيس الفرنسي: بـ"الخبر الجيد".

وفي تقديره لاحتمالات أن تخسر مصر بعضا من آثارها لدى فرنسا لعدم شمول القانون فترة احتلالها مصر، قال: "إذا كانت تلك البنود غير متفقة معنا فلدينا الحجة والقوانين".

وبشأن أهم القطع المصرية من حيث القيمة التاريخية، أوضح أنه "بالنسبة لمتحف اللوفر نحتاج منه قطعة واحدة وهي (الزودياك) أو (القبة السماوية)، فقط؛ لو تمكنا من أن نسترجعها فهذا أمر جيد".

وأكد أنه "لدينا محامي فرنسي، يقوم بدء عملية الاستعادة، بعد أن نكون قد وصلنا للتوقيع من مليون شخص لتكون المطالبة بالقبة السماوية، قومية وشعبية".

ويرى الأكاديمي المصري  ورئيس قطاع الآثار المصرية سابقا الدكتور محمد عبدالمقصود، أن "مثل هذه الموضوعات يجب تدرس بالتعاون ما بين وزارة الآثار ووزارة الخارجية"، فيما أكد الخبير المصري صاحب الدور في استعادة آثار سيناء من الخارج، لـ"عربي21"، أن "القانون الفرنسي سابقة جيدة تفتح باب التفاوض لاستعادة الآثار على الرغم من صعوبة الموقف".

ثغرات القانون

وفي حديثه لـ"عربي21"، رصد الخبير الأثري والأكاديمي المصري الدكتور حسين دقيل، أهم ثغرات القانون الفرنسي، موضحا أنه "يشترط أن تكون القطع المراد استردادها تم الاستيلاء عليها عبر: (النهب أو السرقة أو البيع القصري أو النقل تحت الإكراه)"، مؤكدا أنها "كلمات لها دلالة هامة في تنفيذ القانون".

وحول الفترة الزمنية التي حددها القانون، من (1815 وحتى 1972)، بين أنه "يضم الفترة حتى تفعيل (اتفاقية اليونسكو) الصادرة 1970، والتي وافقت عليها باريس  ودخلت حيز التنفيذ عام 1997"، لافتا إلى أن "القانون لم يوضح في المقابل موقف الآثار المنهوبة بين الفترة من (1972 وحتى 1997)، وإن كانت تسري عليها أحكام قانون فرنسي صدر عام 2016، لا يُعرف كنهه".

وأشار دقيل، إلى أن "القانون يستثني كذلك كل القطع الأثرية الخاضعة لاتفاقيات أو دراسات علمية مشتركة، وهي الممتلكات الأثرية الخاضعة لاتفاقيات التنقيب وتبادل البعثات العلمية، كتلك الفرنسية وغيرها الموجودة بمصر حاليا"، ملمحا إلى أنه "حتى عام 1983 كانت هناك اتفاقية تقول بحصول البعثة على نصف منتج الكشف الأثري من الحفائر، وللأسف هذا خارج إطار القانون تماما".

اظهار أخبار متعلقة



وواصل الباحث المصري عرضه لاستثناءات "قانون ماكرون"، لافتا إلى "استثنائه أية ممتلكات استولت عليها القوات المسلحة الفرنسية باعتبارها غنائم حرب، ما يجعل حقبة تعرض مصر للاستعمار الفرنسي وما تم نهبه خلالها خارج إطار القانون".

ويقول القانون: "كما يستثني أي ممتلكات استولت عليها القوات المسلحة والتي بحكم طبيعتها أو غرضها أو استخدامها تسهم في الأنشطة العسكرية، وبالتالي تعتبر ممتلكات عسكرية".

وتابع دقيل، عرضه قائلا إن "القانون يشترط أيضا بأن تطالب الدولة بهذه الممتلكات، وتعطي الدلائل على أحقيتها فيها، وإثبات أنها خرجت خلال الحقبة الزمنية المذكورة، وأنها تعرضت للنهب غير المشروع أو السرقة غير المشروعة أو الهبة من شخص لا يحق له التصرف فيها".

ولفت إلى أن "القانون يتم الإعداد له منذ فترة طويلة، وذكر أسماء الدول التي طالبت باسترداد آثارها والتي على إثرها تم إصدار القانون دون أن يذكر مصر، ما يعني أنه وفقا لما ذكره القانون لم تطالب مصر باسترداد أية قطع أثرية من فرنسا"، داعيا إلى "دراسة القوانين جيدا، والتحرك العاجل لإعادة الآثار المنهوبة".

هل تحذو أوروبا حذو ماكرون؟

وفتح تصويت أعضاء البرلمان الفرنسي بالإجماع الأربعاء الماضي، لصالح مشروع القانون، بابا للتساؤلات حول احتمالات تصديق برلمانات أوروبية وحكومات مماثلة على قوانين استعادة الآثار المنهوبة بالحقبة الاستعمارية، وخاصة المملكة المتحدة وألمانيا، وإيطاليا، والبرتغال، وبلجيكا، وإسبانيا، وهولندا، وأيضا أمريكا، وسط آمال أثريين مصريين باستعادة، "حجر رشيد" من لندن، و"رأس نفرتيتي" من ألمانيا، على سبيل المثال.

لكن تقرير لصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، ووكالة "فرانس برس"، أشارا إلى الأغراض السياسية لماكرون ولقصر الإليزية، من تلك الخطوة التي تأتي لفتح "صفحة جديدة" في علاقاتها مع أفريقيا خاصة بعد خسارة فرنسا لنفوذها السياسي وسيطرتها العسكرية في غرب القارة.

وتشير اليومية الفرنسية إلى أن "اليسار في البرلمان كان يرغب توسيع الإطار الزمني ليشمل فترات ما قبل عام 1815، ولا سيما الإمبراطورية الأولى أو غزو مصر"، وهو ما لم يتم التوافق عليه، ملمحة لوجود 10 طلبات استرداد فقط بينها مطالبة الجزائر بمقتنيات الأمير عبد القادر، ومطالبة مالي باستعادة قطع من كنز سيغو. ورغبة بنين باستعادة تمثال الإله غو، دون أن تشير لوجود مطالبات مصرية.

وبينما يشكك البعض في إمكانية تنفيذ القانون خاصة مع قرب نهاية ولاية ماكرون الثانية والأخيرة أيار/مايو 2027، في عام 2020، إلا أن خطوات فرنسية سابقة بإعادة 26 كنزا نهبت لنحو 130 عاما إلى بنين، وسيف "الحاج عمر" إلى السنغال،  وإعادة "طبلة دجيدجي أيوكوي" الناطقة، أوائل عام 2026، تشير لإمكانية تنفيذ القانون.

واستبعد القانون القيود السابقة كضرورة صدور قوانين محددة بشكل منفصل لإعادة القطع الأثرية لبلدانها الأصلية، وسمح لحكومة باريس بإعادة الأعمال الفنية من "الملكية العامة" بموجب مرسوم إداري.

وتشير تقارير إلى أن ما بين 90 و95 بالمئة من التراث الثقافي الأفريقي موجود بمتاحف خارج القارة، فيما وتضمّ متاحف فرنسا وحدها ٩٠ ألف قطعة أثرية من أفريقيا جنوب الصحراء.

اظهار أخبار متعلقة



وتبقى الآثار المصرية والأفريقية بمتاحف أوروبا عرضة للنهب والسرقة، ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، تعرض "اللوفر" لسرقة 8 قطع أثرية، في وضح النهار، ما يمنح السلطات المصرية حجة أقوى، خاصة وأن لديها البديل بافتتاح المتحف "المصري الكبير"، تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بحضور قادة العالم، كأكبر متحف بالعالم مُخصص لحضارة واحدة، بمساحة 491 ألف متر مربع وبتكلفة مليار دولار، لعرض 100 ألف أثر.

ويقوم ماكرون بجولة أفريقية تحمل الكثير من الدلالات ولاستعادة التأثير الفرنسي بالقارة، بدأها بمدينة الإسكندرية وزيارة قلعة قايتباي الأثرية السبت الماضي وبجولة في شوارع المدينة الأحد، وذلك إثر زيارته للقاهرة الإسلامية وحي الحسين وخان الخليلي نيسان/أبريل 2025، ليشارك الاثنين في قمة "أفريقيا إلى الأمام" بالعاصمة الكينية نيروبي، ثم زيارة إثيوبيا، الأربعاء.

من القائمة المنهوبة

بمتحف اللوفر قسم خاص بالآثار المصرية بمساحة 4500 متر مربع ومكون من 19 غرفة تم تدشينه عام 1826، ويضم: "قناع نفرتيتي" الذهبي، وتماثيل: "الكاتب الجالس"، و"رمسيس الثاني"، و"إخناتون"، و"أمنحتب"، و"سوبك حتب"، وتمثال أبوالهول (تانيس) الضخم من الجرانيت الوردي، ومجموعة "سرابيوم منف"، وتماثيل للمعبودات القديمة مثل الإلهة سخمت، والقطع النادرة والتماثيل الجنائزية الصغيرة مثل (الأوشابتي)، وصالات مستقلة لـمصر الرومانية ومصر القبطية تعرض 800 تحفة وتمثال أثري.

وتشمل قائمة المسروقات المصرية في فرنسا مئات التماثيل والتوابيت والبرديات والمومياوات والأدوات والحُلي والأواني الجنائزية والفخارية، وآلاف اللوحات والنقوش الجدارية والمخطوطات، وتوابيت خشبية ملونة ومومياوات من العصر المتأخر، ونقوش من جبانة الجيزة.

وفي حين يطالب البعض باستعادة "جمجمة سليمان الحلبي"، من "متحف الإنسان" بباريس والخنجر الذي قتل به القائد الفرنسي كليبر؛ توجد في باريس 4 مسلات مصرية قديمة بساحات "الكونكورد"، و"الونتابلو"، و"فنسان"، و"أرل"، يطالب أثريون باستعادتها.

ورغم خروج آلاف القطع الأثرية التي نهبها علماء فرنسا وجنود حملة نابليون بونابرت، من الإطار الزمني لتنفيذ القانون الفرنسي، فإن "زودياك دندرة" أو (دائرة الأبراج السماوية) التي تم انتزاعها من سقف معبد (دندرة) بقنا عام 1821 ونقلها لفرنسا، في أسوأ سرقة بتاريخ الآثار، تطالب بها مصر وتدخل في نطاق القانون.

و"القبة السماوية"، نقوش بارزة توضح الأبراج الفلكية والنجوم، نُقشت على سقف على حجرين سمك كل منهما 90 سم، قُسمت 36 مجموعة تضم 36 برجا نجميا، اكتشفها الجنرال الفرنسي "ديزيه" عام 1820.

اظهار أخبار متعلقة



مليون قطعة في 42 متحفا

وتُقدر تقارير وجود نحو مليون قطعة أثرية مصرية بـ42 متحفا عالميا، بينها "لوفر" باريس وبه نحو 55 ألف قطعة، و"المتحف المصري" ببرلين ويضم 80 ألفا، ومتحف "تاريخ الفن"، بالعاصمة النمساوية فيينا وبه أكثر من 12 أثر مصري.

وفي إيطاليا، "المتحف المصري" في (تورينو) ويضم 32.500 قطعة، و"المتحف الأثري الوطني" بفلورنسا وبه أكثر من 14 ألف أثر نادر، وبالمملكة المتحدة، "متحف بتري" في لندن وبه حوالي 80 ألف أثر، و40 ألف بـ"المتحف الأشمولي" بأكسفورد، و"متحف العالم"، بليفربول وبه أكثر من 16 قطعة، ومتحف "مانشستر"، وبه عدد مماثل لمتحف ليفربول.

وفي أمريكا، يضم متحف "تحف الفنون الجميلة" في بوسطن 45 ألف قطعة مصرية، وعدد مماثل بمتحف "كيسلي لعلم الآثار" بمدينة "آن أربر" بميشيغان، ونحو 42 ألف أثر بمتحف "جامعة بنسلفانيا"، و"المعهد الشرقي" بـ(جامعة شيكاغو) وبه 30 ألف قطعة، و"متحف المتروبوليتان للفنون" بنيويورك 26 ألف أثر مصري، وبمتحف "أونتاريو الملكي" في تورنتو بكندا 25 قطعة مصرية.

وهناك 13 مسلة مصرية أثرية تقف بميادين روما وحدها، بينها مسلة "روما"، ومسلة "الفاتيكان"، بساحة القديس بطرس، ومسلة "لاتيران بساحة "سان جيوفاني" بروما، إلى جانب مسلة "الكونكورد" بباريس منذ عام 1833، ومسلة "كليوباترا" في وستمينستر بلندن عام 1878.
التعليقات (0)