أعاد تداول وثائق بريطانية رفعت عنها السرية مؤخرا إحياء الجدل التاريخي حول انقلاب 1953 في
إيران، حيث كشفت عن دور
المخابرات البريطانية (MI6) في التعاون مع تيارات إسلامية شيعية بقيادة آية الله كاشاني للإطاحة بالحكومة الديمقراطية المنتخبة برئاسة محمد مصدق.
ورغم أن الرواية التاريخية الشائعة تركز على دور وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، تثبت الملفات أن
بريطانيا كانت صاحبة المبادرة والدافع الرئيسي، مدفوعة برغبتها الشديدة في استعادة سيطرتها على النفط الإيراني بعد تأميمه، ولم تتردد في استخدام الإسلاميين الراديكاليين الذين يعدون أسلاف تيار الخميني كأداة رئيسية لتنفيذ انقلابها.
وتكشف الملفات البريطانية التي رفعت عنها السرية جانبا غير معروف من الانقلاب المشترك بين MI6 ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA ضد الحكومة الإيرانية المنتخبة ديمقراطيا في آب/أغسطس 1953 وهو العمل السري البريطاني الداعم لكبار الإسلاميين الشيعة، الذين كانوا أسلاف آية الله الخميني.
وفي هذا السياق، قال المؤرخ البريطاني مارك كيرتيس في
مقالته المنشورة على موقع "Declassified Uk" والمقتطفة من كتابه "الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي"، إنه في كثير من الروايات التاريخية تُعتبر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) المحرك الرئيسي وراء انقلاب 1953 في إيران، إلا أن بريطانيا كانت في الواقع صاحبة المبادرة الأولى".
وأضاف في المقال الذي ترجمته "عربي21" أن بريطانيا قدمت موارد كبيرة للمؤامرة، التي أطلق عليها المخططون البريطانيون اسم "عملية بوت".
وفي أوائل خمسينيات القرن الماضي، كانت شركة النفط الأنجلو-إيرانية (AIOC)، المعروفة اليوم باسم BP، تدار من لندن وكانت مملوكة بشكل مشترك للحكومة البريطانية ومواطنين بريطانيين.
وكانت تسيطر على المصدر الرئيسي لدخل إيران، النفط، وبحلول عام 1951 أصبحت، بحسب مسؤول بريطاني، "بمثابة إمبراطورية داخل إمبراطورية في فارس".
واعترض القوميون الإيرانيون على حقيقة أن عائدات شركة النفط الأنجلو-إيرانية من النفط كانت أكبر من عائدات الحكومة الإيرانية.
وكان لسفير بريطانيا في طهران، السير فرانسيس شيبرد، رؤية استعمارية نموذجية للوضع. وتُظهر الملفات التي رُفعت عنها السرية أنه كتب: "من المهم جداً منع الفرس من تدمير مصدر دخلهم الرئيسي… بمحاولة إدارته بأنفسهم".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف: "إن ما تحتاجه فارس ليس إدارة صناعة النفط بنفسها (وهو ما لا تستطيع فعله) بل الاستفادة من القدرة التقنية للغرب".
وبالطبع كانت إيران قادرة تماما على إدارة صناعتها النفطية بنفسها، ففي آذار/مارس 1951 صوّت البرلمان الإيراني على تأميم عمليات النفط، والسيطرة على شركة النفط الأنجلو-إيرانية ومصادرة أصولها.
وفي أيار/مايو من نفس العام، انتُخب محمد مصدق، زعيم حزب الجبهة الوطنية الاجتماعي الديمقراطي الإيراني، رئيساً للوزراء ونفّذ القانون فوراً.
وردّت بريطانيا بسحب فنيي شركة النفط الأنجلو-إيرانية وإعلان حصار على صادرات النفط الإيرانية. علاوة على ذلك، بدأت أيضاً التخطيط للإطاحة بمصدق.
وتذكّر مسؤول بريطاني لاحاً قائلا: "كانت سياستنا هي التخلص من مصدق بأسرع ما يمكن".
"نظام سلطوي"
وفقاً للنمط المألوف المتمثل في تنصيب ودعم الملوك المطيعين في الشرق الأوسط، كان المسؤولون البريطانيون حريصين على "انقلاب غير شيوعي، ويفضل أن يكون باسم الشاه"، وهو ما "سيعني نظاما سلطويا".
وكان السفير في طهران يريد "ديكتاتورا" "ينفذ الإصلاحات الإدارية والاقتصادية الضرورية ويحسم قضية النفط بشروط معقولة" – أي التراجع عن التأميم.
وكان الرجل العسكري القوي الذي اختير لقيادة الانقلاب هو الجنرال فضل الله زاهدي، وهو شخصية كانت بريطانيا قد اعتقلتها بسبب أنشطة مؤيدة للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، وكان في أوائل الخمسينيات وزير الداخلية الإيراني.
"كان السفير في طهران يريد ديكتاتورا"
وعلى الرغم من الدعاية البريطانية، فقد اعترف المسؤولون البريطانيون سراً بأن حكومة مصدق كانت بشكل عام ديمقراطية وشعبية وقومية ومعادية للشيوعية.
وكان أحد الفروق بين الجبهة الوطنية وغيرها من التكتلات السياسية في إيران أن أعضاءها كانوا، كما اعترف السفير البريطاني سراً، "أقل تلوثاً نسبياً بجمع الثروة والنفوذ من خلال إساءة استخدام المناصب الرسمية".
وكان مصدق يتمتع بدعم شعبي كبير، وتمكن كرئيس للوزراء من كسر الهيمنة على الشؤون الإيرانية التي كانت تمارسها طبقة كبار ملاك الأراضي والتجار الأثرياء والجيش والخدمة المدنية.
خطر الاستقلال
وقد تفاقم التهديد القومي الشعبي الذي مثله مصدق بسبب تحالفه المصلحي مع حزب "توده" الشيوعي الإيراني الموالي للسوفييت.
وخلال اجتماعات المخططين السريين البريطانيين والأمريكيين طوال عام 1952، حاول البريطانيون إشراك الأمريكيين في محاولة مشتركة للإطاحة بالحكومة من خلال تضخيم سيناريو التهديد الشيوعي لإيران عمداً.
وأشار مسؤول بريطاني في آب/أغسطس 1952 إلى أن "الأمريكيين سيكونون أكثر ميلاً للعمل معنا إذا رأوا المشكلة باعتبارها احتواءً للشيوعية وليس استعادة لمكانة شركة النفط الأنجلو-إيرانية".
ومع ذلك، لا تُظهر ملفات التخطيط البريطانية أو الأمريكية أنهما أخذتا بجدية احتمال استيلاء الشيوعيين على البلاد. بل إن كليهما كان يخشى أساساً من المثال الخطير الذي تمثله سياسات مصدق المستقلة للمصالح الغربية في إيران وأماكن أخرى من المنطقة.
وبحلول تشرين الثاني/نوفمبر 1952، كان فريق مشترك من MI6 ووزارة الخارجية البريطانية يقترح بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الإطاحة بالحكومة الديمقراطية الإيرانية، وتم تزويد العملاء البريطانيين في إيران بأجهزة إرسال لاسلكية للحفاظ على الاتصال بـ MI6، بينما قام رئيس عملية MI6، كريستوفر وودهاوس، بربط CIA باتصالات بريطانية أخرى داخل البلاد.
كما بدأ MI6 بتزويد زعماء القبائل في شمال إيران بالأسلحة.
آية الله كاشاني
وكان أهم شخصية دينية في إيران هو رجل الدين الشيعي البالغ من العمر 65 عاماً، آية الله السيد كاشاني، وكان قد ساعد العملاء الألمان في فارس عام 1944، وبعد عام ساعد في تأسيس الفرع الإيراني غير الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، "فدائيان الإسلام"، وهي منظمة أصولية متشددة.
وشاركت "فدائيان الإسلام" في عدد من الهجمات ضد حاكم إيران آنذاك، الشاه محمد رضا بهلوي، في أواخر الأربعينيات، بما في ذلك محاولة اغتيال عام 1949، كما قتلت رئيس وزراء الشاه علي رزم آرا عام 1951.
وفي تلك الفترة تقريباً، يبدو أن كاشاني انفصل عن المنظمة.
وبحلول أوائل الخمسينيات، أصبح آية الله رئيسا للبرلمان الإيراني، المجلس، وحليفاً رئيسياً لمصدق.
وأشار تقرير استخباراتي أمريكي إلى أن كاشاني، مثل مصدق، كان يتمتع بشعبية واسعة ويدعم بقوة سياسات الجبهة الوطنية المتعلقة بتأميم النفط والقضاء على النفوذ البريطاني في إيران.
اظهار أخبار متعلقة
لكن بحلول أوائل عام 1953 توترت العلاقات بين كاشاني ومصدق، لا سيما بسبب مقترحات الأخير لتوسيع صلاحياته، وفي تموز/يوليو من ذلك العام أقال مصدق كاشاني من منصب رئيس البرلمان.
وأجج التوترات بين مصدق وكاشاني وغيرهم من المؤيدين الدينيين للجبهة الوطنية الحاكمة اثنان من أبرز العملاء البريطانيين في البلاد: الأخوان رشيديان، المنحدران من عائلة ثرية لها صلات بالعائلة المالكة الإيرانية.
ولعب الأخوان دوراً أساسياً في تأمين موافقة الشاه على الانقلاب، كما عملا لاحقاً كوسطاء بين ضباط الجيش الذين كانوا يوزعون الأسلحة على القبائل المتمردة وغيرهم من رجال الدين، وكذلك كاشاني.
أعمال شغب
في شباط/فبراير 1953 اندلعت أعمال شغب في طهران، وهاجم مؤيدون لزاهدي منزل مصدق مطالبين بدمه. ويشير ستيفن دوريل في كتابه "MI6: خمسون عاماً من العمليات الخاصة" إلى أن هذا الحشد كان ممولاً من آية الله كاشاني وكان يعمل بالتعاون مع العملاء البريطانيين.
وكانت وزارة الخارجية البريطانية قد لاحظت قدرة كاشاني على استقطاب الشارع الإيراني، وذكرت أن لديه "قاعدة جماهيرية كبيرة في البازار بين أصحاب المتاجر التقليديين والتجار وما شابههم. وهذا هو المصدر الرئيسي لقوته السياسية وقدرته على تنظيم المظاهرات".
كما ضمنت الرشاوى البريطانية تعاون كبار ضباط الجيش والشرطة والنواب وأعضاء مجلس الشيوخ ورجال الدين والتجار ورؤساء تحرير الصحف ورجال الدولة، إضافة إلى زعماء العصابات.
"كان هذا الحشد ممولاً من آية الله كاشاني وكان يعمل بالتعاون مع العملاء البريطانيين"
وأوضح ضابط MI6 كريستوفر وودهاوس أن "هذه القوات كان من المقرر أن تستولي على طهران، ويفضل بدعم من الشاه، وإذا لزم الأمر من دونه، وأن تعتقل مصدق ووزراءه".
كما أدار البريطانيون عملاء داخل حزب توده، وشاركوا في تنظيم هجمات "راية كاذبة" على المساجد والشخصيات العامة باسم الحزب.
وأشار ضابط CIA ريتشارد كوتام لاحقاً إلى أن البريطانيين "رأوا الفرصة وأرسلوا الأشخاص الذين كانوا تحت سيطرتنا إلى الشوارع ليتصرفوا كما لو كانوا من توده. لم يكونوا مجرد محرضين، بل كانوا قوات صدمة، تصرفوا كما لو كانوا من توده وهم يرشقون المساجد ورجال الدين بالحجارة".
دعاية سوداء
وكان الهدف من كل ذلك تخويف الإيرانيين وجعلهم يعتقدون أن انتصار مصدق سيكون انتصاراً للشيوعية وسيعني زيادة النفوذ السياسي لحزب توده.
ويروي تاريخ أمريكي سري لخطة الانقلاب أعده ضابط CIA دونالد ويلبر عام 1954 ونشرته صحيفة "نيويورك تايمز" عام 2000، كيف أولى عملاء CIA اهتماماً كبيراً بإثارة ذعر الزعماء الدينيين في طهران عبر إصدار دعاية سوداء باسم حزب توده، تهدد هؤلاء الزعماء بعقوبات قاسية إذا عارضوا مصدق.
وأُجريت اتصالات هاتفية تهديدية مع بعضهم باسم توده، ونُفذت إحدى عمليات التفجير الوهمية المخطط لها لمنازل هؤلاء الزعماء.
وتُظهر الملفات البريطانية المرفوعة عنها السرية أن الحكومتين البريطانية والأمريكية فكرتا في تنصيب آية الله كاشاني زعيما سياسيا تابعا لهما في إيران بعد الانقلاب.
وفي آذار/مارس 1953 كتب مسؤول وزارة الخارجية آلان روثني كيف ناقش وزير الخارجية أنتوني إيدن مع رئيس CIA الجنرال والتر بيدل سميث إمكانية التعامل مع كاشاني كبديل لمصدق.
وأشار روثني إلى أنه "سيكون من المفيد معرفة ما إذا كانت لدينا أي معلومات تشير إلى أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يمكنهما إيجاد صيغة تفاهم مع كاشاني إذا أصبح في السلطة. إنهم يعتقدون أن كاشاني قد يُشترى، لكنهم يشكون في إمكانية إبقائه ضمن خط معقول إذا وصل إلى السلطة".
وأشار الكاتب إلى أن تفكير بريطانيا والولايات المتحدة في كاشاني كزعيم مستقبلي يحمل دلالة بحد ذاته، إلا أن الرد الذي عاد من وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخارجية البريطانية كان أن كاشاني سيكون عبئاً: فقد اعتُبر مستقلاً أكثر من اللازم.
"رجعي سياسي بالكامل"
وذكرت وزارة الخارجية البريطانية أن كاشاني "لن يكون مفيدا لنا، ومن شبه المؤكد أنه سيكون عائقاً، كخليفة للدكتور مصدق، سواء بشكل عام أو فيما يتعلق بتسوية قضية النفط".
واعتبرته أكثر عداءً للغرب من مصدق، ووصفتْه بأنه "معادٍ للبريطانيين" ويحمل "عداء مريرا تجاهنا" بعد اعتقاله لمساعدته النازيين خلال الحرب.
ووصفته وزارة الخارجية بأنه "رجعي سياسي بالكامل… ومعارض تماماً للإصلاحات السياسية”. وأشارت إلى أنه "قد يقبل الأموال الغربية"، لكنه لن يتبع "خطا معقولا بشأن تسوية النفط".
وخلصت وزارة الخارجية إلى أنه "إذا وصل إلى السلطة فسيكون من المستحيل التوصل إلى صيغة تفاهم معه… ولن نستطيع الاعتماد على كاشاني لمنح فارس الحد الأدنى من النظام والاستقرار الذي يمثل حاجتنا الأساسية".
ومع ذلك، تُظهر التعليقات المكتوبة المرفقة بهذا التقرير أن مسؤولين آخرين في وزارة الخارجية كانوا يفكرون في "فكرة استخدام كاشاني كحل مؤقت، أو كجسر نحو نظام أكثر طواعية".
وتساءل أحد المسؤولين عما إذا كان ينبغي لبريطانيا العمل على استبدال مصدق بكاشاني "قبل أن نتوقع شيئاً أفضل، من أجل إحداث النفور الشعبي الضروري".
وكانت الرؤية البريطانية أنه إذا لم يكن بالإمكان الوثوق بكاشاني في الحكم، فإن قواته لا تزال قادرة على العمل كقوات صدمة لتغيير النظام.
وبحسب الكاتب، تشير الأدلة إلى أن الدعم البريطاني والأمريكي قُدم لهذا "الرجعي السياسي بالكامل" قبل وبعد كتابة التقرير المذكور أعلاه في آذار/مارس 1953.
الموافقة النهائية
في أواخر حزيران/يونيو 1953، أعطت الولايات المتحدة الموافقة النهائية على الانقلاب، وحددت موعده في منتصف آب/أغسطس.
وأُحبِطت خطة الانقلاب الأولى عندما قام مصدق بعد أن حُذّر من المؤامرة، ربما بواسطة حزب توده باعتقال بعض المسؤولين المتآمرين مع زاهدي وإقامة حواجز طرق في طهران، وأدى ذلك إلى ذعر الشاه وفراره إلى الخارج حيث بقي هناك حتى أعاده الانقلاب ملكاً مطلق الصلاحية.
ولإشعال انتفاضة أوسع، لجأت CIA إلى رجال الدين وتواصلت مع كاشاني عبر الأخوين رشيديان.
وتكفلت الولايات المتحدة بتمويل هذه العملية البريطانية الأمريكية المشتركة، وقدمت لكاشاني 10 آلاف دولار لتنظيم مظاهرات ضخمة في وسط طهران، إلى جانب رجال دين آخرين أخرجوا مؤيديهم إلى الشوارع.
وفي خضم هذه المظاهرات، عيّن الشاه الجنرال زاهدي رئيساً للوزراء وناشد الجيش دعمه.
اظهار أخبار متعلقة
وتطورت احتجاجات أوسع تعرض خلالها ناشطون معادون للشاه للضرب، واستولت القوات المؤيدة للشاه، بما في ذلك عناصر من الجيش، على محطة الإذاعة ومقر الجيش ومنزل مصدق، مما أجبر الأخير على الاستسلام لزاهدي.
كما ساعدت CIA في حشد عناصر "فدائيان الإسلام" للمشاركة في هذه المظاهرات؛ وليس معروفاً ما إذا كانت بريطانيا فعلت الشيء نفسه.
ويُعتقد أن مؤسس وزعيم "فدائيان الإسلام"، نواب صفوي، كانت لديه علاقات آنذاك مع روح الله الخميني، رجل الدين والباحث الشيعي المقيم في مدينة قم الإيرانية. ووفقاً لمسؤولين إيرانيين، فإن الخميني، الذي كان آنذاك من أتباع كاشاني، كان ضمن الحشود المدعومة من MI6 وCIA التي احتجت ضد مصدق عام 1953.
وأصبح أعضاء "فدائيان الإسلام" لاحقاً الجنود الميدانيين للثورة الإسلامية عام 1979، حيث ساعدوا في التطبيق الشامل للشريعة الإسلامية في إيران.
شكر كاشاني
بعد الإطاحة بمصدق، تلقى البريطانيون تقريراً من السفير العراقي الجديد في طهران يفيد بأن الشاه وزاهدي زارا كاشاني معاً "وقبّلا يديه وشكراه على مساعدته في إعادة الملكية".
وسرعان ما استحوذ الشاه على جميع السلطات وأصبح "الديكتاتور" المفضل لدى السفير البريطاني.
وفي العام التالي أُنشئ اتحاد جديد يسيطر على إنتاج وتصدير النفط الإيراني، حصلت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا على حصة تبلغ 40 في المئة لكل منهما – في إشارة إلى النظام الجديد بعد أن اقتحمت الولايات المتحدة مجالاً كان سابقاً حكراً بريطانياً.
أما كاشاني، فقد تراجع عن المشهد السياسي بعد عام 1953، لكنه أصبح مرشداً للخميني، وكان الأخير زائراً دائماً لمنزل كاشاني. وقد مثّل موت كاشاني عام 1961 بداية الصعود الطويل للخميني إلى السلطة.
"وسرعان ما استحوذ الشاه على جميع السلطات وأصبح ‘الديكتاتور’ المفضل لدى السفير البريطاني"
ورغم أن الولايات المتحدة أدارت الانقلاب في نهاية المطاف، فإن البريطانيين كانوا المحركين الأساسيين وكانت دوافعهم واضحة.
وكما قال فريدون هويدا، السفير الإيراني السابق لدى الأمم المتحدة حتى الثورة الإسلامية عام 1979، بعد سنوات: "كان البريطانيون يريدون الحفاظ على إمبراطوريتهم، وكانت أفضل طريقة لفعل ذلك هي فرق تسد".
وأضاف: "كان البريطانيون يلعبون على جميع الأطراف. كانوا يتعاملون مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومع رجال الدين في إيران، وفي الوقت نفسه كانوا يتعاملون مع الجيش والعائلات المالكة".
وتابع هويدا: "كانت لديهم صفقات مالية مع رجال الدين. كانوا يبحثون عن الأكثر نفوذاً ويساعدونهم… وكان البريطانيون يجلبون حقائب مليئة بالنقود ويعطونها لهؤلاء الأشخاص. فعلى سبيل المثال، كان لكل شخص في البازار، من التجار الأثرياء، رجل دين خاص به يموله. وهذا ما كان البريطانيون يفعلونه".
"صُنع في بريطانيا"
وفي مذكراتها التي كتبتها في المنفى عام 1980، لاحظت أشرف بهلوي، الشقيقة التوأم للشاه، والتي دفعت شقيقها لتولي السلطة عام 1953، أن "العديد من رجال الدين المؤثرين أقاموا تحالفات مع ممثلي قوى أجنبية، وغالباً البريطانيين، وكان هناك في الواقع نكتة شائعة في فارس تقول إنه إذا رفعت لحية رجل دين فستجد عبارة ‘صنع في إنجلترا’ مطبوعة على الجانب الآخر".
ورغم المبالغة في ادعائها "صنع في إنجلترا"، فإن أشرف لخّصت بدقة النظرة البريطانية إلى الإسلاميين – وهي أنهم يمكن استخدامهم لمواجهة التهديدات التي تستهدف المصالح البريطانية.
وخلال فترة التخطيط للانقلاب بين 1951 و1953، اعتبر البريطانيون كاشاني معادياً للغرب بدرجة تجعله عبئاً أكبر من أن يكون حليفاً استراتيجياً. لكن كان بالإمكان استخدام قواته لتمهيد الطريق لتنصيب شخصيات موالية للغرب، ثم التخلص منها بمجرد انتهاء دورها لصالح القوى الإمبريالية.
أما خليفة كاشاني، آية الله الخميني، فقد تولى قيادة البلاد بعد ثورة 1979، وأشرف على قيام نظام ديني إسلامي حتى وفاته بعد عقد من الزمن.
وأشار كيرتيس إلى أن هذا مقتطف محرر من كتاب مارك كيرتس: "الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي".