على الرغم من آلاف الكيلومترات التي تفصل أدغال القارة السمراء وسواحلها عن ساحات القتال المشتعلة في الشرق الأوسط، فإن ذلك لم يمنع بلدان القارة من دفع جزء من فاتورة هذه
الحرب التي امتدت تداعياتها إلى مختلف أنحاء العالم.
فبينما تدور رحى المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، تجد العواصم الأفريقية نفسها في مرمى النيران الاقتصادية، لتدفع القارة فاتورة صراع ليست طرفًا فيه.
وخلافًا لتوقعات سابقة بانتعاش الموانئ الأفريقية نتيجة التحول القسري في حركة الشحن بعد إغلاق مضيق هرمز، أظهرت التقارير ارتدادات عكسية، إذ أدى تكدس السفن وارتفاع كلفة التأمين البحري إلى قفزات حادة في أسعار السلع المستوردة داخل
أفريقيا، ما جعل المستهلك في عمق القارة يدفع الثمن باهظًا.
أزمة غلاء معيشة
ورغم أن الشرق الأوسط يمثل نحو 15بالمئة من واردات أفريقيا فقط ونحو 10بالمئة من صادراتها، فإن تقريرًا مشتركًا صدر عن الاتحاد الأفريقي وبنك التنمية الأفريقي ووكالات تابعة للأمم المتحدة حذر من أن الصدمة التجارية الناتجة عن اضطرابات الإمداد جراء الحرب في الشرق الأوسط قد تتفاقم سريعًا لتتحول إلى أزمة غلاء معيشة في أفريقيا.
وحذر التقرير من أن تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على
إيران باتت تضغط بشكل مباشر على حياة ملايين الأفارقة، وتزيد الأعباء الاقتصادية على سكان القارة السمراء.
كما تضررت إمدادات الأسمدة على نطاق واسع في أفريقيا، نظرًا لأن ثلث تجارة الأسمدة يمر عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع تكلفتها بشكل غير مسبوق في القارة التي يعتمد غالبية سكانها على الزراعة.
ويحذر مختصون من أن الزراعة الموسمية مهددة على نطاق واسع في العديد من الدول الأفريقية، وهو ما قد يفاقم خطر المجاعة في بعض المناطق.
اظهار أخبار متعلقة
أرقام مقلقة
وتواجه الطموحات الاقتصادية للقارة الأفريقية خطر الانزلاق نحو تباطؤ حاد خلال العام الجاري، في حال استمرار وتيرة المواجهات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
وكشفت معطيات صادرة عن وكالات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وبنك التنمية الأفريقي عن أرقام مقلقة، إذ توقعت أن تفقد الاقتصادات الأفريقية نحو 0.2 نقطة مئوية من نمو ناتجها المحلي الإجمالي خلال عام 2026، في حال تجاوز أمد الصراع ستة أشهر.
وشدد تقرير مشترك صادر عن هذه المؤسسات على وجود علاقة طردية بين مدة النزاع وحدّة الانكماش في أفريقيا، مؤكدًا أن كل يوم إضافي من الصراع يرفع مخاطر حدوث شلل في النمو نتيجة تعطل طرق الشحن العالمية.
تفاقم الديون وانهيار العملات
تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ضربت بقوة استقرار العملات المحلية في أفريقيا، إذ أكدت بيانات حديثة صادرة عن بنك التنمية الأفريقي أن العملات الوطنية في 29 دولة أفريقية سجلت تراجعًا ملحوظًا أمام الدولار الأمريكي، ما وضع القطاعات الإنتاجية تحت ضغط كبير.
وأدى ذلك إلى ارتفاع كلفة استيراد المواد الخام وقطع الغيار والمستلزمات الصناعية، ما تسبب في موجة تضخمية اجتاحت الأسواق المحلية.
ويرى متابعون للشأن الأفريقي أن تآكل قيمة العملات المحلية مقابل الدولار جعل الحكومات الأفريقية مكبلة الأيدي، وغير قادرة على الاستمرار في سياسات دعم السلع الأساسية، ما أدى إلى انتقال الزيادات في الأسعار العالمية مباشرة إلى المستهلك.
كما برزت أزمة الديون المقومة بالدولار كأحد أخطر تداعيات الحرب، إذ إن معظم القروض الأفريقية مسعّرة بالدولار، ما يعني أن انخفاض قيمة العملات المحلية ضاعف من كلفة السداد الفعلية للأقساط والفوائد.
وبات هذا التراجع يهدد عددًا من دول القارة بالعجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية الدولية، وتبرز هذه الأزمة بشكل خاص في دول مثل السنغال وغامبيا والسودان ومصر.
كلفة إيصال المساعدات
تداعيات الحرب طالت أيضًا المساعدات الإنسانية، إذ ارتفعت كلفة إيصالها بشكل كبير، خصوصًا في الصومال والسودان، اللذين يواجهان واحدة من أسوأ موجات النزوح والجوع في القارة، بفعل الصراع المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ ثلاث سنوات.
وحذرت تقارير أممية من تراجع التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية في أفريقيا، في ظل توجه الدول المانحة نحو الإنفاق العسكري، ما يهدد ملايين النازحين واللاجئين في مناطق النزاع.
اظهار أخبار متعلقة
الرابحون وسط المشهد القاتم
وسط هذا المشهد، تشير التقارير إلى وجود استثناءات محدودة قد تستفيد من ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا، وفي مقدمتها نيجيريا المنتجة للنفط وموزمبيق المصدرة للغاز، إضافة إلى الجزائر.
كما أدت الأزمة إلى تغييرات في خرائط النقل البحري، ما أنعش موانئ بديلة مثل مابوتو في موزمبيق، وديربان في جنوب أفريقيا، وموانئ في موريشيوس وناميبيا.
لكن في المقابل، أعلنت غالبية دول القارة سياسات تقشف بسبب ارتفاع فاتورة الطاقة واستنزاف الاحتياطيات النقدية، شملت تجميد التوظيف في القطاع العام، وخفض ميزانيات السفر، ورفع أسعار المحروقات، وتقييد حركة المركبات، وترشيد الإنفاق العام.
ومنذ مطلع آذار/ مارس، أعلنت إيران تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز، مهددة باستهداف أي سفن تحاول عبوره دون تنسيق، ردًا على الاستهداف الأمريكي–الإسرائيلي لأراضيها.
وتسبب هذا التوتر في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وارتفاع أسعار النفط عالميًا، ما أثار مخاوف اقتصادية واسعة.
وباتت أفريقيا، بحسب مراقبين، تشعر بأنها الضحية البعيدة التي تدفع تكاليف حرب لم تخترها، فيما أطلق البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد برنامجًا بقيمة 10 مليارات دولار لمساعدة الدول على مواجهة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وتعزيز صمودها الاقتصادي.