أصدر رئيس النظام
المصري
عبدالفتاح
السيسي، الثلاثاء الماضي، القرار (رقم 166 لسنة 2026) بتعيين السفير رمزي
عزالدين، مستشارا لرئيس الجمهورية للشئون السياسية لمدة عام، ليكون المصري والمدني
الأول الذي يُعينه رسميا بهذا المنصب، ما أثار الكثير من التساؤلات.
سيرة وتوجهات عز الدين
وتُظهر سيرة عزالدين،
(72 عاما)، تخرجه في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1974، ليعمل ولنحو 43 عاما، ببعثة
مصر لدى الأمم المتحدة (1978-1982)، ثم يتولى منصب مساعد الأمين العام بالأمم المتحدة،
ومستشارا بالسفارة المصرية بموسكو (1986-1990)، ونائبا لرئيس بعثة مصر بأمريكا، وسفيرا
لدى البرازيل (1997-2000)، والنمسا (2003-2007)، وألمانيا (2008-2012)، وممثلا دائما
لمصر لدى الأمم المتحدة بفيينا (2003-2005)، ونائبا للمبعوث الأممي لسوريا (2014-2019).
ويبدو من آخر مقال
نشره عزالدين، الحاصل على دكتوراه في الاقتصاد الدولي من جامعة "سري" بلندن،
توجهاته للابتعاد بالعرب عن واشنطن والارتباط مع الصين وروسيا وبعض دول أوروبا، واعتباره
إسرائيل وإيران مشروعين مضادين للعرب، مؤكدا أنه "ينبغي للدول العربية أن تمضي،
عن قصد، في تعميق علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أوروبية رئيسة".
وقال في مقال بموقع
"المجلة" في آذار/مارس الماضي، إن "إسرائيل وإيران أصبحتا التهديدين
الأبرز لأمن العرب، وواشنطن لم تعد درعا يمكن التعويل عليها. ومن ثم، لم يعد أمام العرب
سوى بناء استقلالية استراتيجية".
وأعرب عن توجهه نحو
تعاون عربي عربي، مؤكدا على وجود "حاجة ملحة إلى بناء هندسة أمنية جديدة، تنهض
على قدرة عربية جماعية، واستراتيجية مستقلة فعلية، ونواة مصرية سعودية قادرة على إرساء
إطار إقليمي أوسع تفرضه تحولات المرحلة".
توقيت القرار وصعوبات
في الانتظار
وأكد الصحفي والبرلماني
مصطفى بكري، أن تعيين عزالدين، "ليس وليد الصدفة"، "بل استدعاء لأحد
أبرز الوجوه الدبلوماسية"، "في وقت تشهد فيه المنطقة تغييرا بقواعد اللعبة
وصراعات متلاحقة تدفع لتشكيل نظام إقليمي جديد".
ويأتي قرار السيسي،
في ظل أجواء سياسية عاصفة يشهدها الشرق الأوسط بفعل الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية)
على إيران منذ 28 شباط/فبراير الماضي، والتي طالت تبعاتها دول الخليج العربي والتي
أغضبها دور الحياد الذي اتخذته القاهرة حيال الأزمة التي لعبت فيها دور الوساطة مع
باكستان وتركيا، ما يشير إلى صعوبات قد تواجه
المستشار السياسي المصري في التعامل مع
دول الخليج.
اظهار أخبار متعلقة
كما يجيء هذا التوجه،
إثر دور مصري لافت بمفاوضات وقف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة (تشرين الأول/أكتوبر
2023-تشرين الأول/أكتوبر 2025)، وما تبعها من ملفات شائكة منها خطط الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب وإسرائيل بحق القطاع والمقاومة الفلسطينية، وذلك إلى جانب احتلال إسرائيل
محور فيلادليفا منذ أيار/مايو 2024، بالمخالفة لاتفاقيات البلدين.
وفي هذه النقطة وعبر
صفحته بـ"فيسبوك"، كتب رئيس حزب "الخضر" المصري محمد عوض، يقول
إن "مستشار الشؤون السياسية، تبرز قيمته في قدرته على التعامل بمشكلات نزع السلاح"،
مضيفا عبر "فيسبوك": "ومن هنا إذا عُرف السبب، بطل العجب"، ملمحا
إلى احتمال قيام المستشار السياسي للسيسي، بدور في نزع سلاح المقاومة الفلسطينية بغزة.
كذلك ينتظر المستشار
السياسي للسيسي، ملفات عديدة خارجية شائكة، مع إثيوبيا بملف مياه النيل وتوقف مفاوضات
حل أزمة تشغيل وإدارة السد الإثيوبي على النيل الأزرق، وما تبع ذلك من توجه لأديس أبابا،
ببناء 3 سدود جديدة.
وذلك مع ملفات عالقة
في دول عربية مثل ليبيا، واليمن، والصومال، والسودان، وجميعها تمس الأمن القومي المصري
وحرية الملاحة بقناة السويس، وخاصة مع دخول حرب السودان 15 نيسان/أبريل الجاري عامها
الثالث، وتعيين إسرائيل الأربعاء، أول سفير لها بإقليم أرض الصومال الانفصالي عن مقديشيو،
ما يثير قلقا مصريا على مصالحها بجنوب البحر الأحمر.
مناصب سابقة
ويمثل تعيين السفير
رمزي عزالدين، مفاجأة للأوساط السياسية والدبلوماسية المصرية خاصة أنه اختيار لرجل
مدني وليس عسكريا، وسط تساؤلات هل سيكون له دور فاعل؟، أم أن المنصب لن يتعدى كونه
ديكورا سياسيا أو تكريما لشخصية دبلوماسية رفيعة؟، على غرار تعيين السيسي بعض الوزراء
السابقين كمستشارين له لكن دون دور حقيقي، وفق مراقبين.
ولم يكن هناك مسمى
وظيفي ثابت بلفظ "المستشار السياسي"، بعهد جمال عبد الناصر (1956-1970)،
لكن الكاتب محمد حسنين هيكل، قام بدور بين السياسي والإعلامي، ليعتمد الرئيس أنور السادات
(1970-1981) على حافظ إسماعيل كمستشار للأمن القومي، ثم مدير مكتبه أشرف مروان، ليظهر
المصطلح مع ظهور الدكتور أسامة الباز، نهاية عهد السادات، ويصبح عميدا لهذا المنصب
الذي ظل فيه طوال عهد حسني مبارك (1981-2011).
خلال عهد المجلس العسكري
(2011-2012)، لم يعين المشير طنطاوي مستشارا سياسيا مدنيا، واستعان بأعضاء المجلس العسكري،
مثل: اللواء ممدوح شاهين، واللواء محمد العصار، ليعين الرئيس الراحل محمد مرسي، الدكتورة
باكينام الشرقاوي، مساعدا له للشؤون السياسية، فيما اعتمد السيسي، على مستشارين أمنيين
عسكريين ومنهم مدير مكتبه ورئيس المخابرات السابق اللواء عباس كامل، إلى جانب أجهزة
المخابرات العامة والحربية والأمن الوطني وبعض وزراء الداخلية السابقين، دون أن يسمي
منصب المستشار السياسي لمدني أو عسكري.
وحول دلالات تعيين
السيسي أول مستشار سياسي له، بينما رفض لنحو 12 عاما تعيين مسؤولا بهذا المنصب، ودلالات
اختياره شخصا مدنيا يعلن رغبته في خروج العرب من إطار أمريكا وإسرائيل، تحدث سياسيون
مصريون لـ"عربي21".
لحل إشكالية آنية لا
تصرف استراتيجي
وقال رئيس لجنة الأمن
القومي بمجلس الشعب المصري سابقا رضا فهمي: "هذا السؤال يتعامل مع تصرفات السيسي
باعتبارها تصرفات رجل دولة، وهذا أمر فيه تعظيم كبير لشأن رجل بلا رؤية وبلا مسار واضح،
ويتخبط يمنة ويسرة ويعمل بالقطعة ولا يؤمن بالتخطيط والعلم والتخصص، والدليل أنه حول
المؤسسة العسكرية لمؤسسة مدنية لكنها ترتدي الأفرول الميري، وحول المؤسسات المدنية
من وزارة الأوقاف وحتى التموين والتجارة الخارجية إلى مؤسسات عسكرية ووضع على رأس كل
مؤسسة لواء جيش، فعسكر ما هو مدني ومدين ما هو عسكري".
وفي حديثه لـ"عربي21"،
أكد أنه "بالتالي النظر لما يتخذه من إجراءات على محمل الجد أو أن خلفها فكر ومنطق
واستراتيجية فيه مبالغة شديدة، وأرى أن بهذا الإجراء شكل من أشكال المكايدة لأن عملية
التحول من محور إلى محور آخر ليست نزهة فالعملية معقدة وتحتاج إلى استراتيجية متدرجة
تساعدك كدولة على التحول من مسار لآخر".
وبين أن "النموذج
الحاصل الآن صارخ، والحرب الدائرة بين إيران والمشروع الصهيوأمريكي، بدا فيها السيسي
غارقا ولا يعرف لأي طرف ينحاز، وأوقع نفسه بأزمة لأنه غير قادر على تبني مسار واضح
به مصلحة مصر".
ويعتقد أن "كل
ما يشغل السيسي، الآن ورطة الديون الخارجية، وكيف يسدد خدمة تصل 66 مليار دولار بنهاية
العام الجاري بعد الغضبة الخليجية وتجفيف منابع الصرف، حتى الاستغاثة التي أرسلها وزير
الخارجية بدر عبدالعاطي لأمريكا طالبا الدعم لم تلق آذانا صاغية".
ولذا يعتقد فهمي، أن
"فكرة استقدام سفير سابق بالمعاش ليتقلد منصب المستشار -ربما قبل أن تتكشف الأمور
ونحتاج بعض الوقت لفهم ذلك- فهناك مصلحة ما وقد تكون ضيقة، وقد تكون نوع من أنواع المكايدة
أو أنه يبعث إشارة غضب من هذا الطرف أو ذاك، أو رسالة للأمريكان بأنه قيد البحث عن
بديل".
اظهار أخبار متعلقة
وختم بالقول:
"لذلك فالموضوع لا يعدو أن يكون تصرف لحل إشكالية آنية، لكن التعامل معه على أنه
تصرف استراتيجي سيبنى عليه في المستقبل أمر فيه مبالغة".
خطوة جيدة نرجوها حقيقية
وفي قراءته السياسية،
يرى السياسي المصري إسلام لطفي، في حديثه بـ"عربي21"، أنها "خطوة جيدة
تأخرت كثيرا"ـ مضيفا: "هناك -بالطبع- بعض الشكوك في نيات السيسي من اتخاذ
مثل هذه الخطوة المتأخرة، قد يكون مجرد إجراء تكتيكي لإرسال إشارات لبعض القوى الدولية
لحثها على اتخاذ خطوات إيجابية فيما يخص دعمه بمزيد من القروض ومنح الدولة المصرية
تسهيلات سداد".
ولفت إلى احتمال أن
"تكون خطوة حقيقية في اتجاه إعادة ترتيب البيت المصري من الداخل، وخطوة أولى نحو
تفكير سياسي محترف يليق بمكانة مصر وبحجمها وبالأدوار الحقيقية المتوقعة منها بعيدا
عن النظرة الأمنية أو المالية الضيقة التي اتسم أداء مصر بها العقد الماضي".
وقال إنه "بغض
النظر عن نوايا النظام، فهي خطوة جيدة خاصة أن رئيس الجمهورية أعلن سابقا -بشكل واضح-
أنه ليس سياسي ولا يحب السياسة ولا يعتمد على برامج سياسية في حكمه، وهو أمر غريب وفي
تقديري سببَ ارتباكا كبيرا في أداء مؤسسات الدولة انعكس على أدائها داخليا وخارجيا،
واختيار مسؤول من وزارة الخارجية لشغل هذا المنصب ليس أمرا جديدا ولا مستحدثا، بل هو
أمر عمره من عمر الجمهورية المصرية".
وأوضح أن "وزارة
الخارجية إحدى أهم مؤسسات الدولة المصرية تمتلئ بالكوادر والكفاءات الوطنية التي تتمتع
بحسن تقدير وقدرة عالية على تقدير المواقف، وذلك بغض النظر عن الأداءات الرسمية لبعض
وزراء الخارجية والتي هي في الأغلب مرتبطة برؤية ورغبات رأس النظام الذي يحكم منفردا
دون تنظيم سياسي ودون مستشارين سياسيين، وكان اعتماده الرئيسي على أجهزة أمنية معاونة
استثمرت لسنوات في التخويف من السياسة والسياسيين والمشاركة السياسية".
آمال مرجوة
وكشف عن "انطباعه
عن توجهات السفير رمزي وموقفه من إسرائيل مؤكدا أنه في هذا يشترك مع عموم الشعب المصري،
ولكن وجوده بالمنصب قد يكون له اعتبارات أخرى، وعلينا أن ننتظر حتى يتولى مهام منصبه
ونرى تأثير وجوده في مجريات الأمور".
وأعرب السياسي المصري
عن أمنيته بأن "يكون تعيين مستشار سياسي لرئيس الجمهورية خطوة باتجاه المصالحة
الوطنية وإعادة ترتيب البيت المصري من الداخل والتوقف عن شيطنة السياسة والسياسيين،
والتوقف عن اتهام المعارضين السياسيين بالخيانة أو انعدام الوطنية".
وأكد أننا "في
لحظة فارقة يجب أن تعمل فيها كل مكونات الدولة والمجتمع معا للعبور بمصر منها بسلام،
وأن نعمل جميعا على نزع فتيل أزمة مروعة ستؤثر على الإقليم كله بالكامل؛ وبالطبع وجود
مستشار سياسي لرئيس الجمهورية يرى أن إسرائيل لا تزال هي العدو حتى وإن كنا مضطرين
للتعامل معه، أفضل بكثير من استماعه لنظراء إقليميين يرون أن إسرائيل حليف وصديق".