في مشهد مأساوي وبعد نحو أسبوع من واقعتي
انتحار مسن شنقا على باب مستشفى "التأمين الصحي" في محافظة
دمياط، وانتحار شاب في منزله بنفس المحافظة، فُجع
المصريون بواقعة انتحار ثالثة أعلى كوبري المظلات بالعاصمة المصرية القديمة "
القاهرة"، وأخرى رابعة لطبيب بمحافظة الشرقية.
وشهدت محافظة دمياط، (شمال شرق دلتا النيل)، 2 نيسان/أبريل الجاري، حالتي انتحار في واقعتين منفصلتين، ما أثار حالة من الحزن والصدمة بين الأهالي.
وعُثر على جثمان مسن يُدعى ماهر البيومي، من قرية الزعاترة التابعة لمركز الزرقا، مشنوقا على البوابة الحديدة للقومسيون الطبي بقرية غيط النصارى.
وفي ذات اليوم، أقدم شاب يُدعى أحمد الباني، من منطقة الملقا بمدينة عزبة البرج، على إنهاء حياته شنقًا داخل مسكنه.
وحول انتحار شاب القاهرة، 8 نيسان/أبريل الجاري، تقول الأنباء أن سائق بأحد تطبيقات النقل الذكي قام بركن سيارته أعلى كوبري منطقة المظلات بحي شبرا الخيمة بالقاهرة الكبرى وربط حبلا بسور الكوبري الحديدي وربط طرفه الثاني برقبته، وألقى بنفسه منتحرا، ليتدلى جسده فوق نهر النيل وسط ذهول المارة.
والأربعاء، وفي قرية "جهينة"، التابعة لمركز فاقوس، بمحافظة الشرقية، أقدم الطبيب الشاب أحمد سليمان على الانتحار شنقًا بمنزله، إثر تدهور حالة والدته الصحية، والتي توفيت بعد انتحاره بساعات، وسط حالة حزن عمت الأهالي.
ما علاقة الدولة؟
ورصدت "المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان"، وقوع 216 حالة انتحار عام 2024، مؤكدة أن هذا الرقم لا يمثّل العدد الحقيقي وأن العدد الفعلي يزيد عشرة أضعاف، مشيرة لأسباب منها: أزمات وأمراض نفسية، وخلافات أسرية أو زوجية، وضائقة مالية، وفشل دراسي، وعدم القدرة على الزواج وإدمان المخدرات.
وأشارت دراسة نشرها موقع "رصيف 22"، إلى أن من أسباب الانتحار الضائقة المالية، التي تتمثل في التعطّل عن العمل، وتراكم الديون، وعدم كفاية الدخل الاحتياجات الأساسية، وتكاليف الزواج أو تزويج الأبناء، وتحرير شيكات من دون رصيد أو "إيصالات أمانة".
وفي ظل حكم رئيس النظام الحالي عبدالفتاح
السيسي، تتزايد الضغوط المعيشية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية على المصريين مع تواصل القرارات الحكومية برفع الأسعار، وتراجع دخل الفرد، والقيمة الشرائية للجنيه، وفقدان الكثير من الخدمات الحكومية وخاصة الصحية منها، ما يدفع للتساؤل حول علاقة القرارات الحكومية بتوالي محاولات الانتحار في مصر، وما تمثله تلك الوقائع من جرس إنذار للمجتمع المصري.
الوضع الصعب الذي يعيشه المصريون، عبرت عنه الكاتبة الصحفية مي عزام بقولها عبر "فيسبوك": "هذا انتحار نتيجة ضغوط الحياة"، متسائلة: "ألا يُزعج مشهد انتحار مواطنين بجمهورية مصر العربية أحد من المسؤولين في الجمهورية الجديدة، أم أنهم مجرد رعايا وليس لهم حقوق المواطن؟"،
كلنا هذا الرجل
ولم يعد يستنكر، أحمد (35 عاما)، إقدام أحد المصريين على الانتحار، قائلا لـ"عربي21": "كلنا هذا الرجل، ولكن بعض الوازع الديني ومسؤولية أسرة وأبناء تمنع من اتخاذ قرار يتمناه البعض في ظل معاناتهم اليومية".
وأضاف: "حاولت السفر للخارج وفقدت كل مدخراتي، وأعمل كسائق بشركة خاصة، لأجل 8 آلاف جنيه شهريا، لا تكفي أسرة من 3 أفراد، مع العلم أني مدخن شره، ولذلك فالأزمات قائمة يوميا مع زوجتي واحتمالات الانفصال قائمة كل وقت".
وتابع: "لكي تعرف سبب الانتحار، راجع ارتفاع أسعار علبة السجائر (كليوباترا) من 6 جنيهات عام 2014 إلى 50 جنيها، وكيلو اللحم من 60 و70 إلى 400 و450 جنيها الآن، وسعر كيلو الدواجن من 20 إلى 120 جنيها، وسعر السمك من 20 إلى 100 جنيه، وكيلو الجبن من 25 إلى 150 جنيها، والطماطم من جنيهين وثلاثة إلى 60 جنيها، وفاتورة الكهرباء من 40 و50 إلى 300 و400 جنيه، وأنبوبة الغاز من 6 إلى 320 جنيها، وسعر الركوب من قروش وجنيهات إلى عشرات الجنيهات".
الحكومة على رأس المسؤولية
ويلخص الباحث المصري في شؤون الأسرة والمجتمع (أ. س)، أسباب الانتحار في "الضغوط المادية والمالية و الاقتصادية المتتابعة والمتسارعة، والأوضاع المعيشية السيئة التي تعاني من الأسر والأفراد، وارتفاع تكاليف الزواج، وغياب الدعم المجتمعي للأفراد، وفقدان الحاضنة الشعبية، وتراجع أدوار المجتمع المدني والجمعيات الخيرية، وقلة الوازع الديني، وتردي الحالة التعليمية، ولجوء الكثيرين إلى إدمان المخدرات، وعدم الاهتمام بالعلاج النفسي".
اظهار أخبار متعلقة
وفي حديثه لـ"عربي21"، فضل عدم ذكر اسمه محملا: "الدولة التي تواجه الظاهرة بالتهوين منها وإخفاء الأعداد الحقيقية للمنتحرين، والمجتمع كاملا، ورجال الدين، ورجال الأعمال، والإعلام، وصناع المحتوى عبر الإنترنت، وصناع الدراما والسينما والإعلانات التجارية، قبل القرارات الحكومية أسباب حالة الانهيار التي يعاني منها الشباب بين ما يأملونه ويعجزون في الوصول له وبين ما يرونه عبر الفضائيات والإنترنت".
ولفت إلى أنه "لكي نرصد ظاهرة الانتحار يجب أن نضيف إليها ظاهرة الهجرة غير الشرعية، والتي يلجأ إليها آلاف الشباب وصغار السن عبر السواحل الليبية هربا إلى أوروبا من الفقر والأوضاع السيئة عبر مراكب الموت، والتي أودت بحيات آلاف المصريين بالبحر المتوسط، وجميعها أزمات تُسأل عنها حكومة زرعت الإحباط وأدت سياساتها إلى فقدان الشباب الأمل".
اليوم انتحار وغدا انفجار
وفي تعليقه، قال السياسي المصري والبرلماني السابق ممدوح إسماعيل: "لا يخفى على أي مصري وأجنبي متابع لمصر سوء الحالة الاقتصادية التي انعكست على الحالة النفسية والاجتماعية لقطاع كبير من الشعب المصري، وزاد الأمر سوء بنتائج الحرب الأخيرة اقتصاديا على مصر فزاد السوء، سوء".
المحامي بالنقض أضاف لـ"عربي21": "لذلك ليس غريبا حدوث حالات الانتحار تلك والتي تعبر عن قمة اليأس، وما خفي كان أعظم؛ فانتشار المخدرات والمشاجرات والبلطجة وارتفاع حالات الطلاق كلها تعبير عن تدهور اجتماعي رهيب".
وأشار إلى أنه "في المقابل فالنظام الحاكم لا يبالى ولا يهتم معتمدا على القبضة الأمنية الشديدة لمواجهة كل من يتكلم بكلمة يعبر فيها عن غضبه فيكون السجن مصيره".
وألمح إلى استمرار ذات السياسات والأخطاء الحكومية وأن "النظام لا يفكر في ترشيد الإنفاق الحكومي ولا الرئاسي الباذخ؛ بل يفعل ما يشاء معتمدا على بناء سجون جديدة وحوافز للشرطة والقضاء، والعسكر لحماية النظام".
ولفت إلى أن "مما يزيد الغضب الشعبي المكتوم ظهور طبقة ثرية مؤيدة لنظام السيسي، أثرت من الالتصاق به، فتقوم باستفزاز المجتمع بحفلاتها وثرائها؛ بينما شعب مصر يغرق في الفقر والدمار الاجتماعي، والسيسي وأتباعه يغرقون في التخمة من الثراء، ما يدفع لانفجار بلحظة ما، وإن كان اليوم بالانتحار فغدا كما يقول علم الاجتماع سيكون انفجار شعبيا ضد الفقر والظلم".
ضغوط الحكومة وفقدان دورها
وفي تقديره، قال السياسي المصري والبرلماني السابق محيي عيسى: "لا شك أن الحكومات بالعالم كلها لها مهام وأولويات وأهمها توفير حياة كريمة للمواطن من سكن وضروريات الحياة، والمواطن ينظر لحكومته أنها طوق نجاة لإنقاذه وقت الأزمات".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "لو أضفت إلى ذلك أن من مهامها الحفاظ على كرامة الإنسان وحريته وقيمه الاجتماعية والأخلاقية وعقيدته الدينية؛ فلو وضعنا الحكومة المصرية في هذا الميزان لوجدنا أنها فشلت بجميع المجالات الحياتية".
اظهار أخبار متعلقة
ويعتقد أن "الطبيعي أن الدول المحترمة تأخذ في حسابها حالة طوارئ لأي أزمة أو كارثة طبيعية فتكون جاهزة بخطة لمواجهة هذه الأزمة أو الكارثة؛ ومثال سيدنا يوسف بن يعقوب خير دليل على ذلك، في كيفية مواجهة جفاف نهر النيل بخطة متكاملة".
واستدرك: "لكن الحكومة ترى في الشعب قدرة على التحمل إلى ما لا نهاية فتواجه أي أزمة بالضغط عليه ورفع تكاليف المعيشة، في وقت تدنى الأجور والدخل ينقص ولا يزيد، والبطالة والتضخم إلى تزايد".
عيسى، يعتقد أن "هذه الضغوط مع ضعف العامل الديني وقلة المعين لا يجد المواطن المضغوط حلا إلا بالتخلص من حياته"، متوقعا أن "نشهد حالات انتحار جماعية ما لم تتحرك الحكومة للتخفيف عنه".
ولفت إلى أن "الأزمة الأخيرة ناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي طالت تبعاتها دول الخليج؛ والحكومة لم تحسن التصرف حتى سياسيا فخسرت الخليج العربي، وتلك الدول ليست فقط مصدرا للودائع بالبنك المركزي المصري ولكنها مصدرا للدخل لملايين المصريين الذين يعولون ملايين الأسر، ولو اتخذ الخليج قرارا بتقليل عدد المصريين واستبدالهم بجنسيات أخرى ستكون كارثة كبرى".
وخلص للقول: "المشكلة التي تواجه مصر أنه حتى حال رحيل هذا النظام سلما أو عنفا؛ فإنه قد يكون القادم أسوأ".
"نتيجة قرارات جائرة ومجحفة"
وفي تعليقه، قال الكاتب الصحفي والناشط المصري أمجد حسانين، لـ"عربي21": "لو رجعنا لأحداث عام 2011، فتقريبا حدث نموذج أو اثنين لمحاولات انتحار لمصريين حرقا تزامنا مع ثورة الياسمين في تونس".
وأكد أن "القرارات الحكومية جائرة ومجحفة جدا للمواطن المصري، لأنها ترفع جميع الأسعار بشكل دوري وبلا توقف ومع كل أزمة ولا تزيد رواتب الناس، وفي ظل نسب تضخم عالية وصلت 15.2 بالمئة خلال آذار/مارس الماضي يجب رفع جميع الرواتب حكومية وقطاع خاص، كما فعلت بلدان عديدة منها تركيا كنموذج قريب لمصر برفع الرواتب والحد الأدنى لمواكبة التضخم".
اظهار أخبار متعلقة
ويرى أن "الغلاء الذي طالت كل شيء في مصر بينما دخل المواطن يتآكل مع تراجع قيمة الجنيه والقوة الشرائية للعملة المحلية، نتيجته المنطقية حدوث حالات انتحار، وزيادة معدلات الطلاق، وانتشار البلطجة والفقر ، والفساد المجتمعي، وهي جميعها مؤشرات خطيرة على الانهيار المجتمعي".
وذهب للقول: "وبالتالي فإن حوادث الانتحار الثلاثة تلك وما سبقها وما قد يتبعها من محاولات جميعها ليست فقط جرس إنذار، بل إنها صوت غارة من غارات الحرب، وتكشف عن أن الناس في مصر ضاقت بها السبل، ورئيس النظام يقول الشيء الذي ارتفع سعره لا تشترونه رغم أن كل شيء ارتفع أضعافا".
وأضاف: "أرى أن هذا النظام يدفع المجتمع إلى تكراره الانتحار بل وتفشي الانتحار وتفاقمه، وتفشي الطلاق والتفسخ الأسري أكثر، والبلطجة والدعارة وتجارة وتعاطي المخدرات إلى زيادة".
وأوضح أنه "لذلك فإن المجتمع المصري يحتاج إلى تغيير حقيقي للأوضاع الاقتصادية لتصب لصالح المواطن، وإلغاء كل القرارات التي صدرت ضده، وأن يكون دور الحكومة تخفيف العبء عن المواطن، وليس أن تغني حاشيتها فقط".
وختم بالقول إن "حالات الانتحار تلك ليست فقط إنذار فهي كلمة قليلة على توصيف الوضع وبدأت مؤشراتها منذ 2015 و2016، لكن حاليا هي إنذارات حول انهيار كامل للمجتمع وفي مراحله الأخيرة؛ فإما سينفجر وبالتالي ستحدث فوضى وهمجية، وإما أن يرحل هذا النظام ليأتي آخر يؤمن بقضايا الشعب والأمة المصرية ويقوم بحلها".