فجر عضو مجلس النواب
المصري محمد سمير بلتاجي، الجدل في الشارع السياسي والاقتصادي بطرحه مقترحا يعده للبرلمان لسداد ديون مصر الخارجية التي تفوق 163.7 مليار دولار، خلال شهر واحد، داعيا 5 بالمئة من الشعب للتبرع بمبلغ مليون جنيه، في إشارة إلى رجال الأعمال وأصحاب الدخول المرتفعة.
واقترح عضو لجنة الشئون الاقتصادية، ضمن مبادرته المجتمعية، آلية ثانية لسداد جزء من
الديون الداخلية، عبر مساهمة 10 بالمئة من المواطنين، إلى جانب مقترح بإلزام أصحاب الدخول المرتفعة ممن تتجاوز رواتبهم 75 ألف جنيه بالتبرع بنسبة تتراوح بين 5 بالمئة و25 بالمئة من دخولهم لمدة عام، خاصة من تتجاوز إقراراتهم الضريبية 50 مليون جنيه سنويًا.
بلتاجي، الذي أوضح أنه سيكون أول المتبرعين، لمساندة الدولة بمواجهة التحديات الاقتصادية وخلال مرحلة "اقتصاد حرب"، غازل حكومات رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، مبررا حصولها على تلك القروض لـ"استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي وتنفيذ مشروعات البنية التحتية، في ظل ضغوط إقليمية ودولية كبيرة"، مطالبا بـ"عدم ترك العبء كاملًا على الدولة".
اظهار أخبار متعلقة
بين مثمن وناقد
المقترح أثار ضجة ولغطا حيث ثمن البعض الفكرة وبينهم متحدث لـ"عربي21"، كونها تحصّل الأموال من القادرين فقط، وبعيدة عن الفقراء الذين يتعدى عددهم أكثر من ثلثي المصريين، فيما انتقد آخرون الفكرة، مؤكدين أنها "تغسل يد الحكومة من أزمة الدين، وتحمل الشعب مسؤولية أخطائها وتضعها في حجر المصريين".
ولفتوا إلى "احتمال أن يدفع المقترح أصحاب الأعمال والأثرياء إلى الانسحاب بأموالهم من الاقتصاد الرسمي، وإخفاء حقيقة أملاكهم، للهروب من المقترح وما قد يلحق به لاحقا من مقترحات وتبعات تطالهم، ما قد يعني خسارة الدولة لنسب محتملة من الضرائب".
قائمة إضافية
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد السياسي والإعلامي المصري الدكتور حمزة زوبع، أولا على ضرورة "محاكمة رأس السلطة ومن يليه في ملف الديون"، عارضا حلولا إضافية إلى جانب ما عرضه البرلماني محمد سمير بلتاجي.
المتحدث باسم حزب "الحرية والعدالة"، الحاكم سابقا (2012- 2013)، طالب "كل رجل أعمال مصري حصل من البنوك على رقم ضخم بمليارات الجنيهات وعجز عن سدادها أن يدفع المسؤولون بالبنوك عن تمرير تلك القروض مبلغ المليون جنيه سنويا وما عليها من ضرائب من دخلهم لسداد ديون مصر".
وخص بذلك "مديري البنوك ورؤساء القطاعات والأفرع وكل من يحصل على رواتب عالية بالعملة المحلية أو الأجنبية".
وأشار إلى أن "البنوك تمنح أموال المصريين لبعض رجال الأعمال بالمخالفة للقانون، في جريمة يجب أن يحاكموا عليها"، ملمحا إلى "قضية تعثر رجل الأعمال محمد الخشن وابن شقيقته الممثل عماد زيادة، مؤخرا، في سداد قروض بقيمة 40 مليار جنيه للأول من 35 بنكا، و11 مليار جنيه للثاني من عدة بنوك".
وطالب زوبع، بـ"جرد مديونية رجال الأعمال لدى البنوك، والكشف عن عجزهم، وعمل محاكمة عاجلة، ومصادرة أموال الدولة التي في حوزتهم"، موضحا أن "هذه إحدى بنود تقليل مديونية البنوك ومصر"، مشددا على أنه يتوجب على "كل رجل أعمال مصري مقترض من البنوك دفع مليون جنيه سنويا لسداد ديون مصر".
وذهب السياسي المصري، حد المطالبة ببيع "البرج الأيقوني بالعاصمة الجديدة لتحالف من رجال الأعمال ووضع قيمته لسداد ديون مصر".
وختم موضحا أن "المصري المغترب عند دخوله المطار يتم تدفيعه جمارك لقاء هاتفه وما بحقيبته، مع رفع قيم جميع المحررات الرسمية والحكومية والضرائب بكافة أنواعها ورسوم مصالحة مقابل بناء بيته بماله الخاص، بينما يحول دولارات لمصر ليحصل عليها رجال أعمال فاسدين تحت سمع وبصر سلطة يجب محاكمتها".
اظهار أخبار متعلقة
بعين الاقتصاد لا العاطفة
على الجانب الآخر، وفي حديثه لـ"عربي21"، قال المتحدث الرسمي باسم "مجموعة تكنوقراط مصر"، هشام الجعراني: "في لحظة تبدو فيها فكرة وطنية وبسيطة، تقول: لماذا لا يُساهم
الأثرياء وأصحاب الدخول المرتفعة بسداد ديون مصر عبر
تبرعات مباشرة؟".
وأضاف: "الفكرة جذابة على السطح، بل وتستفز مشاعر العدالة لدى كثيرين؛ فمن الطبيعي أن يتحمل القادرون جزء أكبر من العبء، لكن حين ننظر بعين الاقتصاد لا بعين العاطفة، سنكتشف أننا أمام قضية أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد من يدفع؟".
ويرى أن "المشكلة الأساسية أن التبرعات، مهما بلغ حجمها، تظل بطبيعتها حلًا مؤقتًا، بينما الديون نتيجة تراكمات هيكلية بالاقتصاد"، موضحا أنه "يمكن أن تسد حفرة مرة واحدة، لكن إن لم توقف تسرب المياه، ستعود الحفرة مجددا".
وبين أنه "لذلك فإن جمع مليارات من التبرعات لن يغير المسار إذا لم يتغير الآتي: نمط الإنفاق، وأولويات الاستثمار، وأسلوب إدارة الموارد، وغير هذا يُصبح الاقتراح عن التبرعات أشبه بمحاولة علاج الأعراض بدلًا من معالجة المرض".
الرسالة الأخطر
وأكد أن "الأخطر من ذلك الرسالة التي قد تصل السوق؛ فالاقتصاد يتحرك بالثقة والتوقعات المدروسة فقط، فعندما يسمع المستثمر أن الدولة تفكر في (مساهمات) أو (تبرعات) من فئات معينة، أول ما يتبادر لذهنه ليس الوطنية، بل الخوف".
وأضاف: "اليوم تبرعات، وغدًا إلزام، وبعد غد ضريبة استثنائية؛ هذا التفكير وحده كفيل بدفع رؤوس الأموال إلى التردد، وحتى الهروب لبيئات أكثر استقرارًا؛ وهنا تتحول محاولة جمع المال إلى سبب مباشر بهروب وهجرة رأس المال".
وذهب للقول إن "المقترح يثير سؤالًا لا يقل أهمية: أين دور الإدارة الاقتصادية نفسها؟"، مضيفا: "الحديث كله يدور حول من سيدفع، لكن قليلًا ما يُطرح السؤال الأهم: لماذا نحتاج أن يدفع أصلًا؟، هل تمت مراجعة المصروفات والديون؟، هل تم تقييم العائد الحقيقي من المشروعات الكبرى؟، هل هناك خطة واضحة لزيادة الإنتاج والتصدير؟".
وختم مؤكدا أن "تجاهل الرد على هذه الأسئلة يجعل المقترح يبدو وكأنه نقل عبء المشكلة من الإدارة إلى المجتمع، بدلًا من إعادة هيكلة المشكلة من جذورها".
اظهار أخبار متعلقة
خلل التشخيص ومخاطر
وفي قراءته، يرى السياسي والبرلماني المصري السابق محمد عماد الدين صابر، أن "هذا المقترح، لا يمثل حلًا اقتصاديًا مستدامًا، بل ينطوي على مخاطر تتعلق بثقة المستثمرين، واستقرار البيئة الاقتصادية، ويعكس خللًا بتشخيص الأزمة التي تعود أساسًا إلى نموذج اقتصادي قائم على الاقتراض وضعف الإنتاج".
عضو مجلس الشعب المصري سابقا، أكد لـ"عربي21"، أن "الأزمة ليست نقصًا مؤقتًا بالسيولة، بل أزمة هيكلية تشمل: ضعف الإنتاج المحلي، وارتفاع فاتورة الاستيراد، والاعتماد على القروض لتمويل النمو، مع محدودية الصادرات".
وأوضح صابر، أن "الدولة تعتمد بالفعل على: الضرائب كمصدر رئيسي للإيرادات وفرض (تبرعات) إضافية، ما يعني، ازدواج العبء المالي، وغياب مبدأ العدالة الضريبية المتوازنة"، ملمحا إلى أن "المقترح يركز على تحصيل الأموال، ويتجاهل تقييم: كفاءة الإنفاق، وجدوى المشروعات، وإدارة القروض، ويعكس خللًا في منظومة الحوكمة الاقتصادية".
أخطر ما في المقترح
وتساءل السياسي المصري: "كيف يتم تحويل الأزمة من "أزمة إدارة" إلى "أزمة مجتمع؟"، مؤكدا أن "أخطر ما في المقترح أنه ينقل عبء الأزمة إلى المجتمع، دون مراجعة سياسات الدولة".
وحذر من أنه "إذا تم تبني هذا النهج ستلجأ الدولة مستقبلًا لنفس الحل بدلا من إصلاح السياسات؛ ما يعني، إعادة إنتاج الأزمة بشكل دوري، والتأثير على ملف الاستثمار، الذي يحتاج إلى وضوح، وحماية قانونية، بينما المقترح يعطي إشارة أن القواعد يمكن تغييرها تحت الضغط".
وأكد أن "الأزمة في حقيقتها أزمة نموذج اقتصادي، وليس مجرد نقص بالموارد، وبالتالي فالحل الحقيقي يكمن بإصلاح السياسات الاقتصادية، وتعزيز الإنتاج، وتحسين إدارة الموارد، لا اللجوء لحلول استثنائية مؤقتة تنقل العبء للمجتمع دون معالجة الأسباب".
حجم أزمة ديون مصر
يبلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر نحو 163.7 مليار دولار في أيلول/سبتمبر الماضي، بحسب بيانات البنك المركزي، وهو الرقم الذي زاد في الشهور الستة الأخيرة، مع استمرار عقد مصر اتفاقيات بقروض توقعها الحكومة المصرية وهيئاتها الاقتصادية.