كيف فاقمت قرارات السيسي "فاتورة الغاز" ؟

تراجع إنتاج ظُهر بأكثر من 30 بالمئة أعاد مصر للاستيراد ورفع فاتورة الطاقة بشكل كبير- أ ف ب
تراجع إنتاج ظُهر بأكثر من 30 بالمئة أعاد مصر للاستيراد ورفع فاتورة الطاقة بشكل كبير- أ ف ب
شارك الخبر
فجر نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، المهندس مدحت يوسف، جدلا بالشارع المصري بشأن أخطاء حكومة بلاده في التعامل مع حقل "ظُهر" لإنتاج الغاز قبالة السواحل المصرية بالبحر المتوسط، وما تبع ذلك من مضاعفة فاتورة توفير الطاقة والضغط على احتياطي النقد الأجنبي، ورفع أسعار الوقود والكهرباء على 108.8 مليون مصر في الداخل.

وأكد المسؤول المصري السابق لموقع "الموقع" الإخباري المحلي، أن حقل ظُهر "مات ولن يعود إلى طبيعة إنتاجه"، كاشفا عن أنه "تعرض للإهمال، والجور عليه"، قائلا: "حقول الغاز بالمياه العميقة من المفترض ألا يتم التعامل معها بعنف، ولابد من التعامل معها برفق".

وأوضح أنهم "تعاملوا معه بشدة وسحبوا كميات غاز بشكل كبير دون حساب عندما انخفض الإنتاج، ما أدى إلى سد الفجوات التي تمد الحقل بالغاز"، متحديا السلطات المصرية أن تعلن عن حجم الإنتاج الحقيقي للحقل، حاليا.

التصريحات أثارت ضجة واسعة، ليخرج الخبير البترولي عبر صفحته بـ"فيسبوك"، وفضائية "إم بي سي مصر"،  نافيا قوله بـ"موت حقل ظُهر"، إلا أن "الموقع" نشر تسجيلا صوتيا يؤكد صحة ما نشره ويكشف اعتراف المسؤول المصري السابق، بموت الحقل الذي بنى عليه المصريون آمالا واسعة وقت اكتشاف شركة "إيني" الإيطالية له عام 2015.



ما علاقة السيسي؟

ويشير تراجع يوسف، عن تصريحاته غير المسبوقة من مسؤول مصري، بحسب مراقبين، إلى تعرضه لضغوط شديدة، ما يدعو للتساؤل حول حقيقة ما جرى في ملف حقل ظُهر، ودور رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، في نضوبه أو خروجه من الخدمة أو تراجع إنتاجه عبر توجيهه السياسي بتقليص زمن الحفر من 4 سنوات إلى عام ونصف ومطالبته بزيادة الإنتاج لاحقا، لتحقيق خطته بتحويل مصر لمركز إقليمي لتصدير الغاز.

وفي آب/أغسطس 2015، وصف السيسي، اكتشاف "إيني" الإيطالية ظُهر بأنه "هدية من الله للمصريين"، مؤكدا أنه سيغير وجه الاقتصاد ويحقق الاكتفاء الذاتي، ليعلن في كانون الأول/ديسمبر 2017، ضخ الغاز من الحقل للشبكة القومية، ووقف استيراد الغاز.

اظهار أخبار متعلقة



وفي 31 كانون الثاني/يناير 2018، وبمراسم افتتاح الحقل، قال: "بفضل ظُهر، أصبحنا رقماً صعباً بمعادلة الطاقة الدولية"، مضيفا أنه وفر 3 مليار دولار سنوياً لمصر، ليؤكد في شباط/فبراير 2019، بمنتدى غاز شرق المتوسط، أن ظُهر ركيزة تحول مصر لمركز إقليمي لتداول الطاقة.

لكنه وفي الأثناء، وفي أيار/مايو 2016، اعترف بأنه وجه وزير البترول وشركة إيني بسرعة الحفر، قائلاً: "أنا طلبت من الشركة ضغط الجدول الزمني من 4 سنوات إلى سنة ونصف فقط"، وهو التصريح الذي رأى فيه خبراء ممارسة ضغوط سياسية على الشركة الإيطالية أضرت لاحقا بالخزان الجوفي للحقل.

وتحدى السيسي، المعارضة المصرية في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، ومن أسماهم بالمشككين، في حقل ظُهر وفي قدرتنا على الإنتاج، قائلا: أدينا بنصدر غاز وبنحقق أرقام غير مسبوقة"، لتحدث في صيف 2023، أزمة تخفيف الأحمال، ليحمل السيسي حينها زيادة الاستهلاك لا نقص إنتاج الغاز من حقل ظُهر سبب الأزمة.

ليعترف ولأول مرة بحقيقة تراجع إنتاج الحقل واستزافه، في أيلول/سبتمبر 2023، حين قال إن الحقول لها "عمر افتراضي وظروف فنية"، ليؤكد اعترافه بخسارة مصر للحقل بقوله في تموز/يوليو 2024، وإثر تقارير دولية عن تسرب مائي إلى ظُهر: "نبذل جهوداً مع الشركاء الأجانب لإعادة كفاءة الحقول"، معترفاً بوجود تحديات فنية أدت لتراجع الإنتاج عن 2019.

ورغم أنه أكد اعترافاته السابقة في كانون الثاني/يناير 2025، وصرح إثر توقيع اتفاقيات جديدة مع شركة "إيني"، بأن "مصر ستستثمر مليارات جديدة لإعادة حقل ظُهر لمستوياته السابقة"، إلا أنه غير طريقة حديثه مجددا في آذار/مارس الماضي، بتأكيده أن "ظُهر يمثل 40 بالمئة من إنتاج مصر من الغاز"، وتحذيره من "الشائعات" حول نضوب الحقل، وتشديده على أن "الدولة لم تخطئ بإدارة الحقل، وأن الظروف الجيولوجية السبب".

ووصل إنتاج ظُهر في آب/أغسطس 2019، إلى 2.7 مليار قدم مكعب يومياً، وفق تقرير "إيني" لعام 2019، لكنه وفي منتصف 2024، انخفض الإنتاج إلى من 1.8 حتى 1.9 مليار قدم مكعب يومياً، بخسارة 30 بالمئة من قدرة الحقل الإنتاجية، ورغم محاولات إعادة الحفر، تشير التقارير إلى إنتاج 2 مليار قدم مكعب يومياً بصعوبة، وفق تقرير وكالة "Fitch Solutions" للطاقة.

نتائج خسارة ظُهر

وفي عامي 2024 و2025: تراكمت على القاهرة ديون لشركة إيني وشركاء آخرين بلغت نحو 6.2 مليار دولار، وفقاً لنشرة صندوق النقد الدولي، مما دفع الشركات لتقليل وتيرة الاستثمار، ما اضطر مصر في 2025 و2026 لشراء 20 شحنة غاز مسال على الأقل سنوياً، بتكلفة تقدر بنحو 2.5 مليار دولار سنوياً لسد العجز الناتج عن تراجع "ظُهر".

ونتيجة لخسارة مصر إنتاج حقل ظُهر بعد الترويج له بأنه يحقق لمصر الاكتفاء الذاتي والتصدير، اضطرت لاستيراد الغاز من إسرائيل بعقدين عامي 2018 و2025، بلغت قيمة الأخير 35 مليار دولار حتى 2040، فيما ارتفعت فاتورة الغاز ضعفين ونصف خاصة في ظل الحرب (الإسرائيلية-الأمريكية) على إيران.

اظهار أخبار متعلقة



كما اضطرت الدولة لرفع حصص الشركاء الأجانب في الحقول المصرية لزيادة الإنتاج، إلى جانب رفع أسعار الغاز والكهرباء على ملايين المستهلكين المصريين وغيرها من الإجراءات التي تشير لخسائر الاقتصاد والمواطن.

وبينما تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعب يومياً ما يقابله احتياجات تصل 6.2 مليار قدم مكعب، وترتفع إلى 7.2 مليار خلال الصيف؛ أصبحت مضطرة لاستيراد 15 شحنة غاز مسال الشهر الجاري لتعويض نقص إمدادات الغاز من إسرائيل التي توقفت مع "حرب إيران" مدة 34 يوما.

وتتعدى الأزمة توفير نقص الإمدادات إلى توفير تكلفة استيراد بالنقد الأجنبي بلغت ضعف السعر قبل تفجر الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي، حيث ارتفع سعر شحنة الغاز من 48 إلى 80 مليون دولار، كما تضاعفت فاتورة الطاقة لـ2.5 مليار دولار في آذار/ مارس الماضي، من 1.2 مليار دولار في كانون الثاني/يناير.

وتسعى القاهرة كذلك لشراء 130 شحنة من حزيران/يونيو المقبل بـ11 مليار دولار؛ وذلك برغم عودة إمدادات الغاز الطبيعي من إسرائيل البالغة حوالي 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا إلى مصر لمستويات ما قبل حرب إيران، ما يضغط على قيمة الجنيه المصري المتراجعة بمقابل الدولار بنحو 14 بالمئة خلال الشهر الماضي.

اضطرار ثالث لجأت إليه الحكومة المصرية لتوفير حاجة البلاد من الطاقة، وهو رفع حصة الشركاء الأجانب في اتفاقيات "اقتسام الإنتاج" بحقول الغاز الطبيعي الجديدة إلى 25 بالمئة بعد استرداد التكاليف، مقابل 15 بالمئة سابقا، ما يعني تقليص حصة البلاد بتلك الحقول بنسبة 10 بالمئة، ما يمثل خسارة اقتصادية كبيرة.

والسؤال: كيف تسببت القرارات السياسية لرئيس النظام عبدالفتاح السيسي في ملف الغاز في "وفاة حقل ظُهر" وتكليف البلاد فاتورة قاسية؟.

قرار سياسي

وفي قراءته لحقيقة ما جرى في حقل ظُهر، قال الخبير المصري المتخصص في العلاقات الدولية وشؤون الطاقة، الدكتور خالد فؤاد: "بسبب تبعات الحرب على إيران تفجر الموضوع الآن؛ ومنذ سنوات تحدثت فيه، مع بداية تراجع إنتاج الغاز المصري ومع التوجه لاستيراد الغاز من إسرائيل".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "حقل ظُهر تم اكتشافه عام 2015، وبدأ الإنتاج عام 2018،  وكان يعتبر أكبر حقل غاز في شرق المتوسط وأكبر حتى من حقلي ليفاثاين وتمارا، والحديث عن إنتاجه الضخم جعل منه إنجازا ضخما للحكومة المصرية وشركة إيني الإيطالية المشغل الرئيسي للحقل".

وأضاف: "لكن بطبيعة الحال إنتاج النفط أو الغاز من الحقول وخاصة البحرية يحتاج من الفنيين التوازن بين أمرين: إنتاجية عالية والحفاظ على المواصفات الفنية للآبار، أو بمعنى أصح عدم التأثير على القدر الإنتاجية للحقل، ويكون دائما التحدي عند المهندسين والفنيين هو هذا التوازن بين الرغبة في الإنتاج وتحقيق الأرباح والعائدات وتحقيق الاكتفاء الذاتي وبين الحفاظ على الحالة الإنتاجية للآبار".

الباحث في أمن الطاقة والجيوسياسة المرتبطة بالغاز الطبيعي، أوضح أن "أي تسريع أو تعجيل في مسألة الإنتاج يؤدي إلى أضرار فنية، وهذه الأضرار تُفقد الحقل القدرة الإنتاجية أو يحدث انخفاض أو تقويض لقدرة الحقل، وبالتالي لا تحقق زيادة الإنتاج ولا الحفاظ على الحقل".

وبين أن "ما حدث أنه في وقت ظهور حقل ظُهر كحقل ضخم جاء قرار تعجيل وزيادة الإنتاج بشكل سريع وعاجل بقرار سياسي؛ وليس بقرار فني، والقرارات الفنية لدى قطاع البترول المصري كفاءات عالية جدا ومدركة تماما وتتفهم خطورة تعجيل أو زيادة الإنتاج بشكل كبير على الآبار والحقول، وهو أمر معروف للجانب المصري والشريك الأجنبي صاحب التاريخ في الاستكشاف وإنتاج النفط والغاز".

ولفت إلى أنه "في هذه الفترة كانت لصانع القرار المصري رؤية استراتيجية بأن تتحول إلى مركز إقليمي لتصدير الغاز المصري أو باستخدام الغاز المستورد باتفاقيات مع إسرائيل، ومع تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز حينها كانت هناك رغبة لتحقيق مزيد من الأرباح وإدخال العائدات في ظل أزمة الطاقة العالمية أثناء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022".

اظهار أخبار متعلقة



"وبالتالي كانت هناك حسابات اقتصادية وطموح دون أن يكون هناك فهم لواقع الآبار ولأساسيات التعامل معها، وبالتالي كان القرار السياسي هو استغلال حقل ظُهر وزيادة الإنتاج لأجل تحقيق أرباح في ظل أزمة الطاقة العالمية"، يؤكد فؤاد.

ويوضح أنه "نتج عن ذلك مباشرة الأضرار الفنية التي ذكرها المسؤول المصري السابق وأحدثت ضجة؛ ولكن في الأساس ما حدث نتيجة لقرار سياسي أدى لخسائر ضخمة في إنتاج ظُهر الذي خسر أكثر من ثلث إنتاجه، ووزارة البترول المصرية لا تعلن عن حقيقة حجم إنتاجه".

وخلص للقول: "هذا كان أحد الأسباب الرئيسية في تحول مصر من الاكتفاء الذاتي من الغاز، والتوجه مرة أخرى للاستيراد، وسبب تفاقم الفجوة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج المصري، وما تبع ذلك من آثار وتبعات".

ليست أخطاء بل مخططات

وفي إجابته على السؤال: كيف تسببت قرارات السيسي في ملف الغاز في وفاة حقل ظُهر وفاتورة قاسية؟، قال الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور مصطفى شاهين: "ليست فقط قرارات السيسي، التي تسببت في ما نحن فيه، ولنكن أكثر تحديدا بل إن النظام كله لا يعبأ بأي حسابات على الإطلاق ولا يعبأ على أي جانب يصطف".

وأضاف أستاذ الاقتصاد بكلية "أوكلاند" الأمريكية، لـ"عربي21": "كما ترى في أزمة حرب إيران الحالية أدخل مصر في حائط سد، وحمَّل المصريين كل أعباء الحروب، وليس هذا فقط، بل إنه لم يعد لديك ظُهر  وكثير من الموارد المصرية أصبحت مرهونة بيد الأجانب والعرب، وهذا كلفنا وسيكلفنا الكثير جدا".

وتابع: "في الحديث عن حقل ظُهر، يبدو هناك تساؤلان: هل الحكومة عندما أعلنت عن حجم الحقل واحتياطي هو الأكبر في الشرق الأوسط كانت كاذبة؟، أم أنه بالفعل تعرض الحقل لحركة إنتاج زائدة أدت إلى نضوبه؟"، مشيرا إلى أن "الحقائق غائبة، والنظام يبيع كل شيء".

وألمح إلى التفريط في حقول مصر في شرق المتوسط لصالح الاحتلال الإسرائيلي، وعجز السفير إبراهيم يسري عن استعادة حق مصر فيها عبر القضاء المصري.

وأكد أنه "نتيجة للتفريط في حقوق المصريين أصبحنا في وضع صعب، بالنسبة لوضع الجنيه مقابل الدولار، ولحجم الديون وخدمتها، وتأثيرها على الموازنة العامة ومستقبل البلاد، وعجز ميزان المدفوعات، وتدني مستوى معيشة الناس، والارتفاع في الأسعار والانخفاض في الدخول، وغيرها الكثير من الأمور التي أثرت على اقتصاد وشعب مصر وكان خلفها قرارات السيسي".

وختم شاهين حديثه قائلا: "لا أحسبها قرارات خاطئة، فالأمر أبعد من ذلك، لأنه لديه مستشارين ينصحوا ويغيروا وليس بالضرورة أن يفهم في كل شيء؛ ولكن ما نراه الآن يبدو وكأنه تواطؤ ضد مصر والمصريين".
التعليقات (0)

خبر عاجل