غضب من توجه مصر لإنتاج الألعاب النارية بالتزامن مع حرب إيران

أثار توجه المؤسسة العسكرية لإنتاج ألعاب نارية غضبا في مصر- جيتي
أثار توجه المؤسسة العسكرية لإنتاج ألعاب نارية غضبا في مصر- جيتي
شارك الخبر
جاء اجتماع حاشد لأكثر من 30 قيادة بوزارة "الإنتاج الحربي" المصرية، و"الهيئة العربية للتصنيع"، الثلاثاء الماضي، ليثير الجدل، حول دلالات اللقاء المتزامن مع الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران، وسط توقعات بمخرجات تعاون للمؤسستين العسكريتين لإنتاج وتطوير أسلحة وذخائر تناظر سباق التسليح الجاري بالشرق الأوسط.

اللقاء الذي تم بمقر الوزارة الجديد بالعاصمة الجديدة، وحضره الوزير صلاح جمبلاط، ورئيس الهيئة اللواء مختار عبداللطيف، ناقش إقامة شراكة بين الوزارة، والهيئة، وإحدى الشركات الصينية –لم يذكرها بيان مجلس الوزراء- لإنتاج "السهام والألعاب النارية"، ما اعتبره مراقبون توجها صادما، بهذا التوقيت.

البيان الحكومي الذي نشر صورة للاجتماع تضم أكثر من 30 قيادة أغلبها من العسكريين، جاء يقول إن "الأمر يترتب عليه إحداث طفرة بمجال عروض الألعاب النارية بمصر، وفتح أسواق خارجية لتلك المنتجات"، ملمحا إلى التوسع بذلك المجال ليشمل العروض الليلية لـ "الدرونز"، و"ألعاب ألوان الدخان النهارية".

الوزير جمبلاط، لفت إلى 3 أمور: أولها أن تعاون "الوزارة" و"الهيئة" بمجالات التصنيع الدفاعي والمدني ومنها هذا المشروع، يأتي تنفيذا لتوجيهات رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، وثانيها أن مصنع الألعاب النارية باكورة أول شراكة بينهما، وثالثها أن وزارته لها باع طويل في مجال الألعاب النارية عبر شركة "قها للصناعات الكيماوية" أو (مصنع 270 الحربي).


بين حرب إيران وحرب إيطاليا؟

أثار الأمر سخرية البعض عبر صفحة "مجلس الوزراء"، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام، خاصة وأن المفرقعات من البمب والصواريخ ومسدسات الصوت أطلق عليها المصريون منذ عام 1943 اسم "حرب إيطاليا"، إثر هزيمة إيطاليا أمام إنجلترا بمنطقة سيدي براني على الحدود الغربية لمصر.


ويتزامن توجه "الوزارة" و"الهيئة" لإنتاج ألعاب نارية مع سباق التسليح الكبير خلال الحرب الإيرانية الجارية وظهور قدرات عسكرية إيرانية، وإسرائيلية، وأمريكية، فائقة.


الحرب التي بدأت 28 شباط/فبراير المضي، وشنتها أمريكا وإسرائيل، على إيران، التي استهدفت من جانبها تل أبيب والقواعد العسكرية الأمريكية في 7 دول عربية استخدمت فيها الجيوش الثلاثة، أحدث باكورة إنتاجاتها من الصواريخ والطائرات المقاتلة والمسيرات، وأنظمة الدفاع الجوي والقوات البحرية.

واستخدم الجيش الأمريكي، قاذفات "B-2" الشبحية، ومُسيرات "لوكاس" الانتحارية، ومنظومات "باتريوت" و"ثاد"، وطائرات "F-16"، و"F-22"، ومقاتلات "F/A-18" و"F-35"، وطائرات الهجوم الإلكتروني "EA-18G".

واعتمدت "إسرائيل"، على الطائرات المقاتلة، من طراز: "F-35 Lightning II"، و"F-15 Eagle"، و"F-16 Fighting Falcon"، والصواريخ الموجهة من طراز: "Delilah missile SPICE"، وأنظمة الدفاع الجوي، مثل "القبة الحديدية"، و"مقلاع داود"، و"آرو-3".

وأطلقت إيران طائرات مسيرة بعيدة المدى "شاهد-136"، و"شاهد-129"، و"مهاجر-6"، وصواريخ باليستية مثل: "شهاب-3"، و"قدر-110"، و"عماد" و"خيبر شكن"، وصواريخ "كروز"، من طراز "سومار"، وأسلحة بحرية، مثل: "نور"، و"قادر".

وفي السياق، شهدت صناعات السلاح التركية تطورا لافتا، حولت البلاد من مستورد إلى المرتبة الـ11 بين مصدري السلاح بالعالم، مع نجاح تقنيات الطائرات المسيرة (بيرقدار، وأنكا)، والمركبات المدرعة، والذخائر الذكية، التي حققت صادرات تجاوزت 4 مليارات دولار.

اظهار أخبار متعلقة


تربح ومنافسة مصانع بئر السلم

مصريون غاضبون قالوا إن "الخبر غريب وغير مفهوم من حيث توقيته ودوافعه وأبعاده"، مؤكدين أنه "صادم كعادة تحركات النظام، ويتسق مع حالة الكمون وعدم التفاعل الإيجابي مع المشهد الإقليمي الحالي"، متوقعين أن "يكون بهدف المكسب الاقتصادي البحت خاصة مع توسع استعمال الألعاب النارية وانتشارها بالأفراح والمناسبات الشعبية"، مشيرين إلى "تأكيد الوزير على وجود خبرة سابقة بتصنيع تلك الألعاب عبر مصنع (27 الحربي)".

وألمحوا إلى أن "الحديث عن شراكة صينية مع المؤسستين العسكريتين، يؤكد هذا التوجه"، مشيرين إلى أنه "بدلا من تهريب نسبة من تلك المفرقعات عبر شحنات بضائع أخرى قادمة من الصين، ستقومان بتصنيعها في مصر ومنافسة وغلق الورش ومصانع بئر السلم المصنعة لها، وتحقيق مكاسب مالية واسعة رغم تجريم القانون لتصنيعها وتحريم الأزهر لتداولها".


وبحسب شعبة الأدوات المكتبية ولعب الأطفال بغرفة القاهرة التجارية، فإن 95 بالمئة من الألعاب النارية تُصنع محليا في ورش ومصانع صغيرة غير مرخصة، مؤكدة أن بعض المهربين يتمكنون من إدخال كميات إلى الأسواق.

ويوجد مصدران للألعاب النارية: "الأول التصنيع المحلي بمصانع غير مرخصة، والثاني الاستيراد من الصين التي تسيطر على نحو 80 بالمئة من السوق، تليها فرنسا ثم الهند"، وفق تأكيد الخبير الاقتصادي المصري إلهامي الميرغني، مشيرا في تصريحات صحفية، إلى "تحقيق أرباح مرتفعة تعادل مستوى المخاطرة في التصنيع أو الاستيراد"، وأكد أنه لا يوجد رقم حول حجم تلك التجارة في مصر.

"إهانة للجيش ومخالفة للقانون والدين"

واعتبر محللون إنتاج المؤسستين العسكريتين الألعاب النارية، إهانة للجيش، ملمحين إلى أنه يأتي برغم تجريم القانون "رقم 58 لسنة 1937"، و(المادة 102 أ) الألعاب النارية، حيث حظر استيرادها، وتصنيعها، وتداولها دون ترخيص، ويعاقب حائزيها ومروجيها بالسجن المؤبد أو المشدد، والإعدام إذا استخدمت لغرض إرهابي.


وتشن وزارة الداخلية حملات أمنية مكثفة خلال شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، لمصادرة تلك المواد وإحالة المتهمين للنيابة، التي تُصنف الألعاب النارية (الصواريخ، الشماريخ، البمب) كمواد مفرقعة، وفقا لقرار وزير الداخلية (رقم 1872 لسنة 2004).

وقبل أيام من شهر رمضان، تم غلق بعض مصانع إنتاج الألعاب النارية، بمناطق شعبية بالقاهرة، والمحافظات، وتحرير 93 قضية اتجار وتصنيع غير مشروع، وإحالة المتهمين للنيابة، مع ضبط 8 ملايين قطعة ألعاب نارية بحوزة 3 مصنعين بالفيوم، و700 ألف قطعة بالإسكندرية، ومليون قطعة بمحافظات عديدة.

وأكد المتحدث باسم وزارة التنمية المحلية قبيل شهر رمضان على تشديد المحافظات الرقابة على الأسواق لمنع بيع وتداول الألعاب النارية، وذلك في ظل شكاوى مصريين وخاصة السيدات والفتيات وكبار السن من تعرضهم للترويع من المفرقعات (الصواريخ والبمب) في الشوارع والأسواق.

وأفتى "الأزهر الشريف" ومعه "دار الإفتاء" المصرية بتحريم بيع، وشراء، واستخدام المفرقعات والألعاب النارية، لما تسببه من أضرار جسدية، ونفسية، ومالية، مؤكدين أنها "وسيلة لإيذاء النفس والغير، وترويع الآمنين".

وشهدت مصر عشرات الحوادث المميتة والتي تسبب في حرائق بمنازل وإصابات بالغة لأطفال بسبب الألعاب النارية كان آخرها في تموز/يوليو الماضي، خلال حفل للممثل محمد رمضان بجولف بورتو مارينا (الساحل الشمالي)، بانفجار في منظومة الألعاب النارية (Pyrotechnics) إلى مقتل عامل وإصابة 6 متفرجين.

اظهار أخبار متعلقة



تربح واستنزاف وتهديد

وفي قراءته حول توجه أكبر جهتين عسكريتين مصريتين في التصنيع الحربي، لتصنيع الألعاب النارية، قال الباحث المصري والمتخصص في تحليل البيانات، حسام عبدالكريم، إن "المسألة كلها مرتبطة بانشغال المؤسسات العسكرية بالبحث عن مصادر بيزنس وأموال جديدة لا أكثر؛ في استمرار لما يصفه البعض بمهزلة الجيش في هذه المساحة"، ملمحا إلى ما يثار حول التوسع الاقتصادي المفرط للجيش، أو ما يطلق عليه "إمبراطورية الجيش الاقتصادية".

ويرى في حديثه لـ"عربي21"، أن توجه الوزارة والهيئة نحو تصنيع المفرقعات يمثل خطأ استراتيجيا في مثل هذا التوقيت وفي ظل سباق التسليح الرهيب في الإقليم وبالتزامن مع حرب إيران، مؤكدا أن "هذا انحراف واضح عن الانشغال ببناء القوة في الاتجاه الاستراتيجي الرئيسي، وهو العدو القابع على الجبهة الشمالية الشرقية".

عبدالكريم، بين أنه "يمثل كذلك توسعا من الجيش في استنزاف المواد الرئيسية في هذا المسار (الاقتصادي)؛ حيث أنه أولا: يستنزف موارد الجيش من مواد التصنيع الرئيسية، وثانيا: يحول هذه المصانع المعلنة إلى أهداف مستقبلية سهلة، ويعرض المناطق المحيطة بها إلى دمار كبير بلا داعي".

وحول جزئية تهديد الأمن الداخلي بالتوسع في تصنيع مفرقعات بالمخالفة للقانون والفتوى الشرعية خاصة مع زيادة انتشار أعمال البلطجة وغياب الأمن عن الشارع والاهتمام فقط بالأمن السياسي، قال إنه "يفتح الباب للتجارة غير المشروعة في هذا الباب، بعد أن كسر الحجب الرسمي المحفوظ بالقانون، والذي ربما يصبح بابا خلفيا يهدد الأمن القومي والسلم الداخلي مستقبلا".

والهيئة العربية للتصنيع:  تأسست عام 1975، في القاهرة بين مصر، السعودية، الإمارات، وقطر، وتضم مجموعة شركات ومصانع تنتج معدات عسكرية كالمدرعة "فهد"، ومنتجات مدنية كـ(محطات المياه، والطاقة الشمسية والرياح، والشاشات، وسيارات الإسعاف، ومعدات الإطفاء)، فيما تملكتها مصر بالكامل عام 1993.

وتأسست وزارة الإنتاج الحربي لتلبية احتياجات الجيش المصري من الأسلحة والذخيرة والمعدات؛ وبدأت بإنتاج أول طلقة مصرية في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1954، وتضم حاليا 20 شركة ومصنعا، وتشارك كذلك بتنفيذ مشروعات مدنية.

حتمية التصنيع العسكرية

وتشير بعض تحركات مصر مؤخرا إلى أن لديها توجه نحو التصنيع العسكري ومنها ما يجري بالتعاون مع تركيا؛ ففي تموز/يوليو الماضي، انضمت إلى أنقرة بإنتاج الطائرة الشبحية مقاتلة الجيل الخامس (كآن – KANN) كمطور ومصنع لها.

كما بدءا في آب/أغسطس الماضي، إنتاج المركبات الأرضية المسيّرة بشراكة بين "هافيلسان" التركية ومصنع "قادر" المصري، ليشهد شباط/فبراير الماضي، اتفاقا مع شركة "MKE" التركية لإنشاء مصنع لإنتاج ذخائر المدفعية بعيدة المدى وذخائر خفيفة بمصر.

وفي ذات السياق تحدثت تقارير عبرية قبل أيام عن تهديد مصر بالتخلي عن صفقة غواصات الباركودا مع فرنسا واستبدالها بغواصات صينية أو كورية، إذا لم تحصل على حق الإنتاج المستقل في ترسانتها الاسكندرية والتصدير للخارج.

وبالنسخة الرابعة من معرض الصناعات الدفاعية والعسكرية "إيديكس 2025"، كشف الجيش المصري عن مشروع التصنيع المشترك للهاوتزر (K9A1 EGY)، والمركبة "سينا 806"، ونموذج مصغر من منظومة "هاوتزر 155"، (مم 52) عيار "k9 A1 EGY" وراجمة الصواريخ الموجهة المجنزرة متعددة الأعيرة "ردع 300"، وتطوير راجمة الصواريخ "رعد 200".

وهو ما يطرح التساؤل حول مدى حجم توجه مصر نحو التصنيع الحربي مقارنة بدول الجوار والإقليم مثل كيان الاحتلال وتركيا وإيران.

وهنا قال الباحث المصري: "فيما يتعلق بالتصنيع الحربي؛ لا يوجد تطور حقيقي يحدث، وما يجري حاليا مجرد بروباغندا ودعاية أكثر منها واقع حقيقي"، مضيفا: "وحتى لو فكر الجيش في أن يبدأ فهو متأخر جدا، كما أنه لا أحد يبدأ وسط الحرب".

ويعتقد أن "الأولوية الحتمية التي يجب أن تتوجه لها مصر في مجال التصنيع العسكري، أن تركز عملية بناء القدرات العسكرية وخطط والتسليح الرئيسية على التصدي للتهديدات القادمة من إسرائيل، فمصر لا يوجد لها أعداء لديهم أطماع في مقدراتها سوى إسرائيل".

التعليقات (0)

خبر عاجل