كيف يفاقم نهم الحكومة المصرية للدولار الأزمات المعيشية قبل عيد الأضحى؟

أكد السيسي أن مصر لا يمكنها تحقيق اكتفاء ذاتي كامل من السلع، فيما شدد على أهمية زيادة الإنتاج من محاصيل تصديرية - عربي21
أكد السيسي أن مصر لا يمكنها تحقيق اكتفاء ذاتي كامل من السلع، فيما شدد على أهمية زيادة الإنتاج من محاصيل تصديرية - عربي21
شارك الخبر
تشهد الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة التي تسبق عيد الأضحى المبارك، غضباً واسعاً بين المصريين في موسم هو الثاني من حيث الاستهلاك السلعي السنوي في مصر بعد شهر رمضان، حيث اجتمع عليهم قيظ صيف قاسٍ وارتفاع غير مبرر في أسعار الخضروات، والفواكه، وقبلها جميعاً اللحوم.

وفي داخل الأسواق الشعبية لا حديث للبسطاء من الأهالي ممن لا يرقى دخلهم الشهري إلى الحد الأدنى للأجور (7 آلاف جنيه بنحو 132 دولاراً)، إلا عن موجة الحر الشديد وموجة الغلاء السعرية الأشد.

أما ربات البيوت الباحثات عن قليل من الخضروات لتوفير وجبة الغداء لأسرهن؛ فيدفعهن الغلاء لتجنب اللحوم.

وفي رصد "عربي21"، لأسعار الخضروات والفاكهة واللحوم، بلغ سعر كيلو البامية 90 جنيهاً، بينما استقر سعر كيلو البطاطس والبصل عند 20 جنيهاً.

وفي سوق الفاكهة، وصل سعر التفاح الأصفر والأحمر المستورد إلى 100 جنيه.

فيما تراوحت أسعار اللحوم الحمراء ما بين 400 و450 جنيهاً، وسجلت أسعار الدواجن البيضاء ما بين 80 و85 جنيهاً، في حين بلغ سعر السمك البلطي 85 جنيهاً للكيلو.

ويقول تاجر الفاكهة "سيد عبده": "لا يتوقف الأمر على سعر السلعة من الحقل ومن يد المزارع الذي يشكو ارتفاع أسعار المبيدات والأسمدة والعمالة، بل هناك عنصر النقل ,جشع كبار التجار الذين يتحكمون في السوق بجمع السلع وتخزينها وتعطيش السوق".

وأوضح لـ"عربي21" أن "هذه الأسعار رغم فداحتها، فإن ما يصل للمستهلك المصري هو أردأ أنواع السلع؛ حيث يتم تنقية المحاصيل لثلاث درجات: درجة ممتازة للتصدير الخارجي لأوروبا وأمريكا والخليج، ودرجة جيدة للمناطق الراقية في مصر، وأقل درجة جودة للفقراء بقرى الدلتا ونجوع الصعيد".
 


نهم الدولار
وتُشير تصريحات حكومية وأخرى لمسؤولين عن أسباب أزمات ارتفاع أسعار تلك السلع ومفاقمة أزمات المصريين المعيشية، إلى نهم حكومة رئيس النظام عبد الفتاح السيسي في الحصول على العملة الصعبة وتصدير تلك السلع للخارج.

وهو الأمر الذي يقوم عليه جهاز "مستقبل مصر" الذراع العسكري الاستثماري الأحدث للجيش ولرأس النظام. وبلغت صادرات مصر الزراعية في 2024 نحو 9.5 مليون طن تم شحنها من الموانئ المصرية عبر 405 سلع (طازجة ومصنعة) إلى نحو 167 دولة، محققة حوالي 11.5 مليار دولار.

ما جعل الصادرات الزراعية تستحوذ على 24 بالمئة من إجمالي الصادرات. وتُصدّر مصر الحاصلات الزراعية الطازجة (مثل البرتقال والعنب والرمان والفراولة والبطاطس والبصل والثوم والبطاطا الحلوة)، بالإضافة إلى الصناعات الغذائية المُصنّعة (مثل الشوكولاتة، والبسكويت، والخضروات.

والأحد الماضي، كشف تصريح السيسي، خلال افتتاحه مشروع "الدلتا الجديدة"، واستصلاح 2.2 مليون فدان بتكلفة 800 مليار جنيه، عن توجهه لزراعة المحاصيل التصديرية في تلك الأراضي التي يجري تصنيعها للتصدير مثل البنجر، بدلاً من المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة.

وفي الوقت الذي أكد فيه السيسي أن الدولة لا يمكنها تحقيق اكتفاء ذاتي كامل من السلع، أكد أهمية زيادة الإنتاج من محاصيل تصديرية، ملمحاً إلى أن رفع معدل الصادرات الزراعية يدر عوائد بالعملة الأجنبية.

وهو الوضع الذي انتقده الخبير الاقتصادي عبدالنبي عبدالمطلب، قائلاً عبر "فيسبوك": "يستصعبون الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، ويستسهلون الزراعات التي تحتاجها أسواق التصدير".

وفي الوقت الذي تولي فيه الحكومة المصرية اهتمامها بزراعة المحاصيل التصديرية التي تدخل مجال التصنيع للتصدير لاحقاً، تقترض من بنوك وجهات أجنبية لتوفير السلع الغذائية الاستراتيجية، ما يفاقم أزمة البلاد في ملف ديون خارجية بنحو 164 مليار دولار.

مؤخرا، كشفت وكالة "بلومبيرغ"، عن سعي مصر لـ"تدبير تمويل خارجي بقيمة 1.4 مليار دولار لشراء سلع غذائية"، وذلك عبر قروض من بنوك خليجية بهدف دعم واردات السلع الغذائية وتعزيز المخزون الاستراتيجي، ما يفاقم أزمة البلاد في ملف الديون.

وحذر "معهد التمويل الدولي"، الشهر الجاري، من آثار الديون على اقتصاد يعاني أزمات هيكلية وبنيوية مزمنة، خاصة وأنها تأكل بين 85 و90 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لموازنة شعب يعيش نحو ثلثيه بين الفقر والفقر المدقع.

حريق أسعار
وخلال أسبوع، ومن نحو 20 و25 جنيها، ارتفع سعر كيلو الطماطم لما بين 50 و60 و70 جنيها، ممثلاً أزمة غذائية كبيرة لأكثر من 109 ملايين مصري، وذلك بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وفق بيان حكومي.

وبسبب تصدير الطماطم إلى دول الخليج، وخاصة السعودية، تزامناً مع موسم الحج، وفق تصريح الأمين العام لشعبة المصدرين أحمد زكي لفضائية مصرية الأحد الماضي، ملمحاً إلى أن الصادرات تسهم في دعم العملة الصعبة، لكنه دعا لمراعاة احتياجات السوق المحلي أولاً.

وهو ما أكده نقيب الفلاحين السابق حسين أبو صدام في تصريحات صحفية وإعلامية، بقوله: إن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بالإنتاج فقط، بل ساهمت فيه أيضاً الحلقات الوسيطة في سلسلة التداول، مثل: النقل والعمالة والتوزيع، فضلاً عن زيادة كميات التصدير مقارنة بالعام الماضي.

وهو ما انعكس على حجم المعروض المحلي، كاشفاً عن تصدير نحو 19 ألف طن طماطم بأسعار ضعف السعر المحلي، ما دفع جزءاً كبيراً من الإنتاج للتوجه إلى الأسواق الخارجية، وخاصة الخليج.

والطماطم أو "البندورة" أو "القوطة" أو "المجنونة"، جميعها أسماء يطلقها المصريون على المحصول الزراعي الذي تنتج منه مصر 6.5 مليون طن سنوياً في 360 ألف فدان، ما جعلها بين أكبر 5 دول منتجة للطماطم عالمياً، حيث تصدر مصر ما يقارب 150 ألف طن سنوياً.

إلا أن السوق المحلية تظل عرضة لتقلبات سعرية موسمية، ولم ينجح لجوء الدولة لإنتاجها عبر الصوب الزراعية في حل الأزمة، خاصة مع التوجه نحو التصدير والتصنيع (الطماطم المصنعة والمركزة) الذي وصلت عوائده إلى 112 مليون دولار عام 2025.

وفي السياق، ارتفع سعر طن السكر المحلي –تنتج مصر 3 ملايين طن سنوياً- في الأسواق بقيمة 4 آلاف جنيه، لما بين 27 إلى 28 ألف جنيه للطن، من نحو 23 إلى 24 ألف جنيه، وذلك نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج، بالإضافة إلى السماح لشركات السكر بالتصدير، الأمر الذي يحتكره جهاز "مستقبل مصر" وفق قرار حكومي صادر في كانون الثاني/يناير الماضي.

وفي أزمة ثالثة متوقعة، ومع إعلان الهيئة القومية لسلامة الغذاء نهاية نيسان/أبريل، إدراج مصر لأول مرة ضمن مصدري أسماك الاستزراع للاتحاد الأوروبي، أعرب رئيس شعبة الأسماك السابق بغرفة الإسكندرية، أحمد قدورة، في حديثه لموقع "الشروق" عن تخوفه من رفع الأسعار 15 بالمئة فور بدء التصدير الخريف القادم.

فعلُ نظامٍ غيرِ وطنيٍّ
وفي إجابته عن السؤال: "كيف تسبّب نهمُ حكومة السيسي في جمع العملة الأجنبية في زيادة أزمات المصريين مع الغذاء؟" قال الكاتب والمحلل السياسي المصري مجدي الحداد: "بأفريقيا والدول النامية والعالم الثالث، وليس في أوروبا والدول المتقدمة، أولويةُ أي إنتاج زراعي، صناعي، خدمات.

بل إن مخرجات الكيان الاقتصادي بأكمله، تكون لتلبية السوق المحلي الداخلي أولاً، وما يفيض يتم تصديره".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "هكذا يفعل أي نظام وطني نابع من شعبه، وحتى بالحسابات البسيطة والمجردة سيكون ذلك أكثر فائدة وأقل تكلفة وأكثر ربحيةً على المستويين: الاجتماعي -وهو الأهم- والاقتصادي كذلك، وفي كل الآجال: القصير والمتوسط والطويل".

ملمحاً إلى أنه "بالرضا الشعبي يمكن للنظام بعد ذلك أن يحصل من الشعب المُنتج على كل شيء في صالح بلده أولاً، ثم سائر الشعوب الأخرى بعد ذلك". واستدرك: "لكن الأمور عندنا وبما لا يخفى على أحد تسير عكس ذلك في كل شأن".

لافتا إلى أنه "في الهند مثلاً، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 1.47 مليار نسمة، عند حدوث أزمة قمح عالمية بسبب حرب (روسيا-أوكرانيا) شباط/فبراير 2022، منعت تصديرَه للخارج، وعندما أرادت مصر أن تستورده منها أعطت الأولوية لإشباع السوق الهندي الداخلي، وإذا فاض شيء تصدره للخارج، وفق إعلان رئيس وزرائها ناريندرا مودي حينها".

ووصف الحداد توجه الدولة المصرية نحو تصدير السلع وتجاهل السوق المحلي بأنه "تجويع للشعب وحرمانٌ له من خيراته وما ينتجه بنفسه ولنفسه، وتصديره للخارج من أجل الدولار والعملات الصعبة التي نهدرها في شراء السيارات الفارهة".

ملمحاً إلى صورة تداولها نشطاء قبل أيام، ويظهر فيها حسن السيسي نجل رئيس النظام وأحد قيادات "هيئة الرقابة المالية" وهو يقود سيارة "لامبورجيني" الإيطالية، إحدى أغلى الماركات العالمية.

وأشار في المقابل إلى "وضع شعب معدم بسبب سياسات ظالمة جائرة خالية من أسس العدالة وقواعد الاقتصاد وأصول السياسة، وما يمكن وصفه بأنه وضع أسوأ من الاستعمار ذاته، وبدعم صهيوأمريكي".

أخطاء حكومية تزيد الأزمة
ويلفت برلمانيون مصريون إلى تربح جهاز "مستقبل مصر" من ملف استيراد وتصدير السلع الغذائية، كاشفين عن فروق أسعار الاستيراد والتصدير عبر الجهاز مقارنة بالسعر العالمي.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، تقدم عضو مجلس النواب أحمد فرغلي بـ"طلب إحاطة" لوزير الزراعة، يؤكد أن الجهاز يستورد طن القمح بـ270 دولاراً، في حين يبلغ السعر العالمي 240 دولاراً، ويستورد طن زيوت الطعام بمبلغ 1250 دولاراً بينما يبلغ متوسط السعر العالمي للطن 1100 دولار.

وفي المقابل، تواصل الحكومة المصرية ضغوطها على المصريين برفع أسعار الوقود والكهرباء والاتصالات وتعريفة ركوب المواصلات والقطارات والمترو، بجانب إعلان توجهها نحو إنهاء "الدعم العيني" واعتماد "الدعم النقدي" بداية من العام المالي الجديد.

وتشير مؤشرات الموازنة العامة للعام المالي (2026/2027)، إلى أن دعم السلع التموينية يبلغ 178.3 مليار جنيه للتموين وحده، و832.3 مليار جنيه إجمالاً للدعم والحماية الاجتماعية.

وهي الأرقام التي أكد البرلماني المصري السابق جمال حشمت أنها، رغم أنها رقم كبير، إلا أنه "لا يكفي وحده لطمأنة الناس"، موضحاً لـ"عربي21" أن "القيمة الحقيقية للدعم تتآكل إذا كانت الأسعار والضرائب غير المباشرة ترتفع بسرعة أكبر من زيادة المخصصات".
التعليقات (0)