فجر رئيس النظام
المصري عبدالفتاح
السيسي، جدلا جديدا بشأن ملف
التعليم الجامعي في البلاد، ففي الوقت الذي ثمن فيه تجربة تدريب الموظفين في الدولة داخل "الأكاديمية العسكرية" التابعة للجيش وطالب بتوسعتها، دعا لوقف التعليم في الكليات النظرية التي لا يحتاجها سوق العمل.
الخميس الماضي، وخلال إفطار جمع نحو 8 آلاف متدرب من موظفي الدولة بقطاعات الخارجية، والقضاء، والمالية، والزراعة، والتعليم، والأوقاف، والنقل، وغيرها، بـ"الأكاديمية العسكرية"، تحدث السيسي، عن تجربة الأكاديمية متعاظمة الأدوار بالعام الأخير، والتي اختار رئيسها السابق الفريق أشرف زاهر وزيرا للدفاع، منتصف الشهر الماضي.
رسائل السيسي
وأطلق عدة رسائل، قائلا: "نريد أن نري الناس تجربة التدريب في الأكاديمية"، مضيفا: "أنا أعطي بيئة صالحة للجميع، بحيث أن كل من يتخرج في الأكاديمية وينضم على مؤسسات الدولة يبقى شوفنا بعض وتعاملنا مع بعض"، متابعا: "وشوفت ضابط الجيش وعشت معهم وبقينا نسيج أكثر تماسكا وأكثر تفاهما".
وفي رده على السؤال الذي يتردد في الشارع المصري، حول إصراره على تدريب موظفي الدولة بالأكاديمية العسكرية، قال: "الناس تسأل: لماذا تفعلون هذه الحكاية؟"، مجيبا: "لأننا رأينا في 2011، عندما تتشرذم أمة متماسكة قد لا تعود مرة أخرى بيد ناسها، وهذا كلام عبارة عن دروس مستفادة من واقع شفناه".
وعاود السيسي، إطلاق تحذيره المعتاد، قائلا: "اوعى تهد جيشك؛ عيش معاه وشوفه"، ملمحا إلى تجمع الدارسين بالأكاديمية وتعايشهم مع ضباط الجيش، مؤكدا أن عدد المتدربين كل سنة من 10 إلى 15 ألف على دورتين كل منها 6 شهور، مخاطبا المتدربين بقوله: "نتمنى أن ما عملناه يصل إلى أسر الدارسين".
توجيه الكليات النظرية
وخلال حديثه للجمع الذي شكل خليطا من ضباط الجيش والمتدربين والمتدربات وصحفيين وإعلاميين، فجر قضية أصبحت حديث كل بيت مصري، حيث قال: "التخصصات اللي (التي) ملهاش (ليس لها) لازمة (فائدة) خدوا القرار؛ وقولوا للناس ستتخرج من الدفعة هذه السنة، والسنة القادمة مفيش (لا يوجد) لأنه ملوش (ليس له) شغل (عمل)"، مضيفا: "ولا نمسك في الشهادة، ليكون معي ليسانس أو بكالوريوس وخلاص".
مخاطبا الشباب: "انت غالي، وانت غالية إنك تضيعي 4 سنين في تعليم ليس لهم مستقبل في العمل"، متوجها للدولة مطالبا بأن "يكون هناك مبادرات الإعلام يغطيها".
ويمس بشكل مباشر حديث السيسي، التخصصات النظرية في الكليات والجامعات الحكومية والأهلية والخاصة مثل العلوم الإنسانية، والآداب، والفنون، كما يُعنى بقطاع كبير من التعليم الجامعي الأزهري وكلية دار العلوم، ويطال علوم بينها: السياسية، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، وعلم النفس، والمنطق، والاجتماع، وعلوم اللغة، والشعر، والنقد الأدبي والفني، والإعلام، والموسيقى، والتصوير، والسينما والمسرح، وعلوم الشريعة، وأصول الدين، والفقه الإسلامي.
اظهار أخبار متعلقة
ويرى مراقبون أن "السيسي يريد غلق كل منافذ ومنابع الثقافة والفكر والإبداع الفكري والأدبي والتميز الفني، وأدوات صناعة القوى الناعمة مثل: الإعلام والفنون والآداب وعلوم الشريعة الإسلامية، على أن تقوم الأكاديمية العسكرية بهذا الدور من وجهة نظر عسكرية بحتة".
غلق منابع الفكر
وعبر معيد بكلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة الأزهر، عن صدمته من حديث السيسي، قائلا: "يبدو أن هناك خطة يجري تنفيذها، لن يفلت منها الأزهر جامعة وأساتذة وطلابا ومنشآت"، موضحا لـ"عربي21"، أن "رأس النظام يخاف من كل ما هو فكر وشريعة وعقيدة، وقرر تنفيذ رؤيته حول تجديد الخطاب الديني التي خالفه فيها شيخ الأزهر أحمد الطيب؛ بغلق المنابع في كليات الشريعة وأصول الدين واللغة العربية والدراسات الإنسانية".
دور مرسوم لتقزيم مصر
وفي تعليقه، قال السياسي المصري، والمتحدث باسم "الجبهة السلفية"، الدكتور خالد سعيد: "هذا نوع من العبث الناشئ أولا عن جهل الرئيس الذي سطا على كرسي الحكم، فأنت تتحدث عن رجل دخل ثانوية عسكرية ثم الكلية الحربية والتي تبلغ مدة دراستها أقل من نصف المدة الطبيعية لأية كلية أخرى، فكان آخر عهده بالعلم والمعرفة الإنسانية من نهاية مرحلته الإعدادية".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "عند كثير من العسكريين في بلادنا فلا يستطيع الفهم أو الإدارة أو القيادة أو فهم الدين والدنيا؛ إلا الضابط والشخص العسكري، كما لا يستطيعون تصور أي دور لمفكر، عالم، فيلسوف، أديب، جيولوجي، أو جغرافي، فضلا عن العلوم السياسية والانثروبولوجية ونحوها، فالضابط يفهم أفضل من كل هؤلاء في السياسة والاقتصاد والاجتماع ولو كان متقاعدا، وبالتالي فلا داعي لكل هؤلاء".
سعيد، لفت إلى أنه "يلازم كلامه أن يتم تعطيل دور العلماء وأساتذة الجامعات في نفس التخصصات، لسنوات وأجيال، مما يعني كارثة هائلة على المستوى الإنساني والبعد السسيولوجي، وبالتالي قوة اليد العاملة والكوادر التي تصدرها مصر، وتجني من ورائها 41.5 مليار دولار في ٢٠٢٥".
وخلص للقول: "يبدو أن هناك دورا مرسوما ومتفقا عليه لإبقاء مصر خارج حركة التاريخ وفي ذيل الأمم، والقضاء على رأس مالها البشري والاجتماعي، وثروتها الحقيقية وهو العنصر البشري العالم والصانع والمتميز".
تحرك عاجل للتعليم والبرلمان
وفي الوقت الذي خلا فيه بيان المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية، من أية إشارة إلى حديث السيسي، عن وضع الكليات النظرية وأن هذه آخر دفعة تُقبل فيها ولن يكون هناك قبول فيها مستقبلا؛ إلا أن إشاراته تلك، اعتبرتها وزارة التعليم العالي ومجلس النواب تكليفا رئاسيا، وبدأت تتخذ حيالها إجراءات على الأرض، وأفردت لها المواقع الصحفية مساحات واسعة حول طرق تنفيذ رغبة السيسي.
وتنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أيمن عاشور، مساء الخميس، "نعمل على إعادة هيكلة البرامج التعليمية بالكليات النظرية لتكون أكثر توافقا مع متطلبات سوق العمل"، مشيرا إلى "دمج الكليات النظرية بأساليب تعليم حديثة تعتمد على البحث العلمي والتفكير النقدي، واستخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي".
والجمعة، قال رئيس لجنة التعليم بمجلس النواب ووزير التعليم العالي الأسبق، أشرف الشيحي، لـ"المصري اليوم": "توجيهات الرئيس لا تعني إلغاء التخصصات الجامعية بشكل نهائي، بل إعادة النظر ببعض تخصصات تشهد تخريج أعداد كبيرة دون وجود فرص عمل لهم، ما يتطلب إعادة النظر بأعداد المقبولين بها، وتوجيه الطلاب للتخصصات الجديدة والمطلوبة بسوق العمل".
وأكد أن مجلس النواب سيدعم هذا التوجه، مع إنشاء وتطوير كليات وتخصصات مرتبطة بسوق العمل، (الطبية، وعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي، والهندسة)، مبينا أن "هذا يتطلب زيادة نسب الطلاب الملتحقين بالشعب العلمية بالمرحلة الثانوية"، مشيرا لدراسة البرلمان "الجوانب التشريعية والقانونية لتنفيذ توجه السيسي".
وطالب كتاب بينهم الدكتور محمد شعيب عبر موقع "فيتو"، بـ"سرعة تعديل قانون تنظيم الجامعات، بما يسمح بمرونة غلق الأقسام والكليات التي لا يحتاجها سوق العمل"، داعيا إلى نقل أعضاء هيئة التدريس في تلك التخصصات إلى وظائف عامة ومنع مد عملهم بعد سن الستين، وحصر مباني الكليات النظرية، وتأجيرها للمعاهد الخاصة والأهلية.
ليس التوجيه الأول
وكان السيسي، قد ألغى منذ منتصف عام 2024، من مناهج الثانوية العامة تدريس مواد: الجغرافيا، وعلم النفس، والجيولوجيا، واللغة الأجنبية الثانية، وأخرج الفلسفة والمنطق من المجموع الأساسي، كما طبق نظام "البكالوريا" بدراسة أحد 4 مسارات: (الطب وعلوم الحياة)، (الهندسة والحاسبات)، (قطاع الأعمال)، أو (الآداب والفنون).
وفي أيلول/سبتمبر 2023، طالب، بتغيير ثقافة التعليم الجامعي، وخاصة مع عدم توافر الوظائف لخريجي كليات الآداب والحقوق والتجارة والإعلام، مؤكدا أن سوق العمل ينتظر مئات الألوف من الطلاب المتخصصين في الرقمنة، ما تبعها دعوات لوقف القبول بالكليات النظرية، وتقليل الأعداد المقبولة بالجامعات.
اظهار أخبار متعلقة
وتقدم وزير التعليم لمجلس النواب، في 15 أيار/مايو 2024، بمقترح عمل سنة تأسيسية لخريجي الثانوية العامة لتأهيلهم لدراسة الكليات التي لم يؤهلهم مجموعهم الالتحاق بها في الجامعات الخاصة والأهلية، مؤكدا أنه يتم حاليا عمل برامج في الجامعات الجديدة، لا يوجد بها تخصصات مثل كلية آداب".
تناقض حكومي
وفي مصر 128 جامعة بين حكومية وخاصة وأهلية ودولية، فيما من المقرر دخول 12 جامعة أهلية جديدة الخدمة في أيلول/سبتمبر المقبل، فيما يبلغ عدد الملتحقين بالكليات النظرية يقدر بـ 72 بالمئة من طلاب الثانوية العامة.
وتعاني الجامعات الحكومية الإهمال ما دفع بها في تصنيف "CWUR"، إلى مراكز متدنية حيث تحتل "جامعة
القاهرة" المركز 520 عالميا، فيما حلت بقائمة تصنيف "كيو اس" بالمرتبة الـ20بين الجامعات العربية، إذ سبقتها 6 جامعات سعودية، و6 إماراتية، وجامعتين في الأردن، وواحدة في: قطر، ولبنان، وعمان، والكويت.
وبينما تُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2025، أن 83 بالمئة من المتعطلين هم حملة المؤهلات الجامعية، تواصل الحكومة وقف التعيينات لجميع التخصصات النظرية إلا بنسب قليلة جدا في النيابة والقضاء الإداري والتعليم.
وفي حين يطالب السيسي، بتوسيع التعليم التطبيقي والكليات العملية، يعاني خريجو الهندسة، والحاسبات والمعلومات، والعلوم، والزراعة، والتجارة، وجميعها كليات عملية من بطالة دفعت بكثيرين لامتهان التدريس في السناتر، كما تقوم الحكومة بتقليص نسب التكليف الإجباري للصيادلة وأطباء الأسنان والعلاج الطبيعي.
وفي 3 آذار/ مارس الجاري، أكد وزير الصحة خالد عبد الغفار، أن قصر التكليف للأطقم الطبية على الاحتياجات الفعلية فقط، قرار نهائي، في توجه شمل خريجي كليات الصيدلة، والعلاج الطبيعي، وطب الأسنان دفعة 2025، ليتم تركهم لسوق العمل الحر دون تعيين الدولة لهم.
غضب وترقب
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، فجر حديث السيسي، حالة من الغضب والمخاوف والترقب لدى الأكاديميين والأساتذة والمعيدين بالكليات النظرية وأيضا طلاب تلك الكليات، وأولياء أمور طلاب الثانوية العامة خاصة وأن الأمر يمس نحو 2.4 مليون طالبا بالتعليم الثانوي العام، و488.9 ألفا بالأزهري.
وتساءل أستاذ الإعلام الدكتور حسن علي: هل نغلق كليات الفنون والآداب والعلوم الإنسانية، لأنه ليس لها وظائف؟، هل نصنع وعيا دون فهم للتاريخ واللغة والاعلام؟، مؤكدا أن حكاية سوق العمل لا تؤخذ على إطلاقها، فالجامعات منارات تنوير ولنشر المعرفة وبناء الوعي وتنمية المهارات وليس من شأنها توفير وظائف، مضيفا: "أفهم تجميد مؤقت لبعض التخصصات بعد دراسات متأنية، لا إلغاء، ولا حذف، ولا محو"، مشيرا إلى أن دول وجامعات العالم لم تغلق تخصصات: الفلسفة، واللغات، والأدب، والنقد، والمسرح، والسينما، والموسيقى.
اظهار أخبار متعلقة
وطالب الأكاديمي المصري الدكتور محمد أحمد، في المقابل، بـ"فتح أبواب الكليات العسكرية وسائر الكليات التي تضمن عمل الخريج"، قائلا: "لا مانع من إلغاء الكليات التي لا تفيد؛ لكن نريد أن نلحق أبناءنا بكليات الحربية والشرطة والفنية العسكرية، والطيران، ويدرسون الحقوق ويلتحقون بالقضاء، وسوف لا نذهب بهم لا للآداب ولا لدار العلوم ولا لأصول الدين ولا للشريعة ولا للغة العربية".
وأكد السفير فوزي العشماوي، أن المجتمع، يحتاج كل التخصصات، علمية وأدبية، نظرية وتطبيقية، موضحا أن الحاجة للتخصصات العلمية والهندسية والتكنولوجية والذكاء الصناعي، لا يعني أن الأدبية والفنية والتاريخية والجغرافية والتربوية لا لزوم لها، مشيرا إلى أن "عدم العثور على وظيفة ليس نتاج التخصص بل نتاج سياسات الدولة والحكومة وخططها وخلقها للوظائف.