قراءة في إنعاش صندوق النقد خزينة مصر بملياري دولار.. تجاهل شركات الجيش

بلغ الدين الخارجي لمصر 163.7 مليار دولار في أيلول/سبتمبر الماضي- عربي21
بلغ الدين الخارجي لمصر 163.7 مليار دولار في أيلول/سبتمبر الماضي- عربي21
شارك الخبر
أنعش صندوق النقد الدولي الخزينة المصرية بمبلغ 2.3 مليار دولار، بعدما أقر الأربعاء صرف شريحتين مدمجتين من قرض المليارات الثمانية الذي أقره في الربع الأول من 2024، وذلك في توقيت يعاني فيه ثاني أكبر اقتصاد أفريقي من أزمات بملفات العملة والبورصة، مع تسارع خروج الأموال الساخنة من سوق الدين الحكومي.

وفي حين كان من المتوقع أن يسمح الصندوق بتمويل أكبر بقيمة 2.7 مليار دولار إلى مصر كإحدى نتائج المراجعتين الخامسة والسادسة للاقتصاد في النصف الثاني من العام الماضي، إلا أن الصندوق أفرج عن مبلغ أقل بنحو 400 مليون دولار، مقررًا صرف ملياري دولار من القرض الأساسي، بجانب 300 مليون دولار كأول دفعة من برنامج الصلابة والاستدامة البالغ 1.2 مليار دولار.

إفراج المؤسسة الدولية الأكثر إقراضًا لمصر بنحو 29 مليار دولار منذ العام 2016 عن ذلك المبلغ يرفع إجمالي ما صرفته القاهرة من قرض المليارات الثمانية إلى 5.2 مليار دولار، لتبقى المراجعتان السابعة والثامنة في آذار/مارس وأيلول/سبتمبر المقبلين، وسط توقعات خبراء بمد أجلهما.

اظهار أخبار متعلقة


شركات الجيش خارج البيان

وفي سابقة مثيرة للتكهنات، خلا بيان الصندوق الخميس من أي حديث عن ضرورة تخارج المؤسسة العسكرية من الاقتصاد وتقليص عدد شركات الجيش التي أكد سابقًا أنها "97 شركة، بينها 73 تعمل في القطاع الصناعي وحده".

فقط تحدث البيان عن أصول الدولة، قائلًا: "جاءت وتيرة الجهود الرامية إلى تقليص دور الدولة، ولا سيما التقدم المنشود في تنفيذ خطة التخارج من الأصول المملوكة لها، أبطأ من المتوقع"، مطالبًا الحكومة بـ"تقليص بصمة الدولة، بما في ذلك التخارج من الأصول المملوكة لها".

وكانت بيانات الصندوق السابقة حول المراجعة الأولى والثانية والثالثة قد طالبت جميعها صراحة بتقليص حصة الجيش في الاقتصاد، وانتقد بيان المراجعة الرابعة في 16 تموز/يوليو الماضي عدم الحد من "دور الشركات المملوكة للدولة والجيش التي تتمتع بمعاملة تفضيلية في شكل إعفاءات ضريبية والحصول على الأراضي المهمة والعمالة الرخيصة".

ضغوط جديدة من الصندوق

وفي حين أشاد الصندوق بـ"ترسيخ الاستقرار الاقتصادي الكلي والأداء المالي، وتراجع التضخم، وتقلص عجز الحساب الجاري، وارتفاع الإيرادات الضريبية"، على الجانب الآخر لم يمنح "صك براءة" كاملًا –وفق وصف وكالة "بلومبيرغ"– لاقتصاد مصر الذي يعاني أزمات هيكلية مزمنة، وأكد أن هناك الكثير على مصر فعله.

إذ أشار الصندوق في بيانه إلى أن "التقدم المحرز في الإصلاحات الهيكلية ضمن البرنامج كان متفاوتًا"، وأن "تقليص دور الدولة وملف الطروحات أبطأ من المتوقع"، وأن "ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل يضغطان على الحيز المالي وآفاق النمو".

ودعا إلى "دعم القطاع الخاص، وتسريع وتيرة الإصلاحات كتقليص دور الدولة بالتخارج من بعض الاستثمارات، والحفاظ على مرونة سعر الصرف، واستكمال خفض التضخم، وتنفيذ استراتيجية شاملة لإدارة الدين، مع زيادة الإنفاق الاجتماعي، وزيادة الشفافية بالعمليات المالية، وتشديد الرقابة على الكيانات غير المدرجة بالميزانية".

وهي التصريحات التي تعيد، وفق قراءة محللين، ذات الضغوط السابقة على الاقتصاد المصري، وتقلل من أهمية صرف هذا المبلغ في هذا التوقيت.

وفي قراءته لدلالات انتقاد صندوق النقد معدلات سير مصر في وتيرة الإصلاحات، قال الباحث الاقتصادي محمد نصر الحويطي: "الصندوق ينتقد فكرة الطروحات المتأخرة، وهو ما طالب به خبراء ومراقبون مرارًا وتكرارًا"، ملمحًا إلى خطوات مصرية في هذا الإطار عبر "إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام في التشكيل الوزاري الأخير الشهر الجاري، وإسناد بعض الشركات التابعة لها إلى الصندوق السيادي المصري".

وأكد أن "القاهرة تسير نحو بيع بعض الشركات أو جزء منها لمستثمر استراتيجي أو طرح بعضها بالبورصة المحلية، ما قد يكون حلًا مؤقتًا أو حلًا معتدلًا لمسألة تأخير عملية الطروحات التي يطلبها صندوق النقد الدولي، ويضعها كشرط لاستكمال الحصول على شرائح القرض أو اتفاقيات أخرى قادمة قد تُبرم مع القاهرة"، متوقعًا أن "تشهد الطروحات الحكومية الفترة المقبلة عملية تخارج أسرع".

ومنتصف الشهر الجاري، ومع إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، جرى الإعلان عن نقل تركتها البالغة 6 شركات قابضة وتوابعها، ونحو 66 شركة أخرى تعمل بقطاعات متعددة، منها النشاط السياحي والفندقي، إلى الصندوق السيادي المصري ووزارات أخرى.

وفي حين تعهدت الحكومة بطرح 11 شركة أمام مستثمرين استراتيجيين في الربع الأول من العام الجاري، أعلن رئيس "وحدة الشركات المملوكة للدولة" هاشم السيد نقل 40 شركة مملوكة للدولة إلى "الصندوق السيادي"، وقيد 20 شركة أخرى بالبورصة المحلية.

وفي الوقت الذي تحتاج فيه الموازنة العامة لتمويل بقيمة 3.6 تريليون جنيه للعام المالي الحالي، تسعى الحكومة لجذب 6 مليارات دولار عبر بيع شركات عامة وأراضٍ استراتيجية، وتنفيذ رغبة صندوق النقد بطرح شركتي الجيش "وطنية" و"صافي"، و"بنك القاهرة"، ومحطة "جبل الزيت" للرياح، وحصص في 13 شركة حكومية.

اظهار أخبار متعلقة


جدول استحقاقات قاسٍ

وفي حين بلغ الدين الخارجي لمصر 163.7 مليار دولار في أيلول/سبتمبر الماضي، يكشف جدول استحقاقاته الصادر عن البنك الدولي ضآلة حجم مبلغ شريحتي قرض الصندوق (2.3 مليار دولار)، مقابل التزامات تبلغ 50.8 مليار دولار حتى أيلول/سبتمبر المقبل، موزعة بين 28 مليار دولار في الربع الأول، و12.7 مليار في الربع الثاني، و9.8 مليار دولار في الربع الثالث.

وبالتزامن مع حصولها على دفعة تمويل جديدة بقيمة 2.3 مليار دولار، يتوجب على الحكومة المصرية سداد نحو 2.71 مليار دولار مستحقات حان أجلها لصندوق النقد الدولي، عبارة عن أقساط وفوائد قروض العام الجاري، على أكثر من شريحة، بينها 267 مليون دولار خلال شباط/فبراير الجاري، ونحو 1.381 مليار دولار حتى حزيران/يونيو المقبل.

ما يكشف أن مصر مطالبة بدفع مبلغ 410 ملايين دولار فوق إجمالي ما أفرج عنه الصندوق، ما يشير إلى غياب أي دور للمبلغ المنصرف في دعم أزمات اقتصاد البلاد.

ونقل الكاتب المصري عادل صبري عن مصدر باللجنة الاقتصادية في البرلمان تأكيده عدم صرف الصندوق مبلغ 2.7 مليار دولار الذي طلبته وزارة المالية، وأن الصندوق خصم 400 مليون دولار، وقرر صرف 2.273 مليار دولار فقط، مع خصم مليار دولار قيمة أقساط مستحقة له عن كانون الثاني/يناير الماضي وآذار/مارس المقبل.

وبحسب صندوق النقد الدولي، سددت مصر العام الماضي نحو 3.461 مليار دولار مستحقات على قروض صندوق النقد الدولي، إلى جانب نحو 922.870 مليون دولار مدفوعات، و356.916 مليون دولار فوائد مدفوعة، فيما شهد كانون الأول/ديسمبر الماضي وحده سداد 528 مليون دولار.

وتسلمت مصر نحو 3.3 مليار دولار من قرض الصندوق الحالي على خمس دفعات بعد اعتماد أربع مراجعات، ليزيد المبلغ إلى 5.2 مليار دولار بعد المبلغ الأخير، وبينما من المقرر أن تنتهي اتفاقية التسهيل الممدد في كانون الأول/ديسمبر المقبل، يتبقى للقاهرة نحو 4.093 مليار دولار مع نهاية البرنامج.

التوترات الإقليمية.. وتوقيت صعب

وأشار بيان الصندوق إلى وجود "مخاطر سلبية كبيرة"، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية الإقليمية وتشديد الأوضاع المالية العالمية، والأثر المحتمل لأي ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران على إيرادات قناة السويس، التي شهدت تحسنًا في الإيرادات بعد تراجع لنحو عامين، مسجلة ملياري دولار في أول خمسة أشهر من (2025/2026).

ويأتي صرف مصر 2.3 مليار دولار من الصندوق في توقيت تعاني فيه عملة البلاد من أداء سيئ، صُنِّفت معه كثالث أسوأ عملة عالميًا الأسبوع الماضي، ودفع بالسندات الدولارية لتكون الأسوأ بين الأسواق الناشئة، وسط هروب جديد للأموال الساخنة من السوق المحلية، بالتزامن مع قلق المستثمرين الأجانب من ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران.

وتعرض الجنيه مؤخرًا لنزيف خسائر مقابل الدولار، منخفضًا من معدل 46.70 إلى نحو 48 جنيهًا بفعل تخارج مستثمرين عرب وأجانب من أدوات الدين الحكومية (أذون وسندات) بنحو 1.7 مليار دولار الشهر الجاري، فيما يُطلق عليه "هروب الأموال الساخنة"، التي تسارعت وتيرتها يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين مسجلة 1.1 مليار دولار.

في السياق، تواصل عوائد السندات الدولارية "اليوروبوند" مسار النزول بمقدار 140 نقطة أساس، وفق تقرير للبنك المركزي المصري الاثنين الماضي، مع تراجع البورصة المحلية بنسبة 2.73 بالمئة الأربعاء الماضي بضغط مبيعات المستثمرين الأجانب.

وفي رؤيته لما يمكن أن يغيره حصول مصر على شريحتي قرض المليارات الثمانية في مشهد الجنيه والبورصة والسندات الدولارية وهروب الأموال الساخنة، أكد الحويطي أن "صرف تلك الشريحة يتزامن مع حدث أبرز ومؤثر بشكل كبير، وهو التطورات الجيوسياسية بين أمريكا وإيران".

وتوقع أن "تفاقم تلك الأحداث أزمات الاقتصاد المصري وتؤثر سلبًا بزيادة معدل هروب الأموال الساخنة من سوق الدين الحكومي، الذي ظهر خلال الأسبوعين الماضيين".

ويرى أن "ذلك الوضع يؤثر بالتالي على البورصة المحلية سلبًا، وإن لم يكن بشكل كبير حتى الآن، ولكن لها تأثيرًا إن حدثت الحرب"، مبينًا أن "التوترات الإقليمية تزيد من حالة التذبذب تلك، ومن مستوى هروب الأموال الساخنة، ومعدلات تراجع أسهم البورصة، وعلى سعر صرف الجنيه أمام الدولار".

ولفت إلى أن "حدوث الضربة العسكرية قد يوقف هذا التذبذب، ولكن طالما الكل في ترقب لها سيظل الوضع في حالة تذبذب على مستوى البورصة والجنيه والأموال الساخنة".

واستعدادًا لضربة عسكرية ضد إيران، نشر الجيش الأمريكي 300 طائرة مقاتلة في الشرق الأوسط، ووصلت حاملة الطائرات "جيرالد آر فورد" إلى شرق البحر المتوسط، وأرسل 12 مقاتلة أمريكية من طراز "إف-22 رابتور" إلى إسرائيل.

اظهار أخبار متعلقة


زيادة الضغوط بدلًا من زيادة الإنفاق

وبينما تتجه الحكومة المصرية نحو تنفيذ مطالب صندوق النقد الدولي بتقليص دور الدولة في الاقتصاد، بما في ذلك التخارج من بعض الاستثمارات، ورغم تشديد بيان الصندوق على ضرورة "زيادة الإنفاق الاجتماعي وتدابير حماية الفئات الأكثر ضعفًا"، و"استكمال خفض التضخم"، إلا أن الحكومة المصرية تسير في طريق معاكس لهذا الاتجاه بزيادة الضغوط على المصريين لا خفضها.

وتشير تقارير صحفية إلى أن المخطط الأولي لمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي (2026/2027) يتضمن تقليص دعم الوقود والكهرباء، وتحويل الدعم العيني للسلع التموينية إلى نقدي، وذلك في توجه نحو زيادة أسعار استهلاك الكهرباء والبنزين والسولار والغاز، ما يفاقم معاناة أكثر من 108.7 ملايين مصري يعيشون في الداخل، نحو ثلثيهم يعانون الفقر والفقر المدقع.

ووفقًا لمنشور إعداد الموازنة للعام المالي 2026-2027، تستهدف وزارة المالية زيادة نسبة الإيرادات الضريبية من الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى نحو 15.2 بالمئة بحلول العام المالي (2029/2030)، مقارنة بنسبة 12.3 بالمئة فقط في العام المالي (2024/2025)، ما يعني زيادة أعباء المصريين.

التعليقات (0)

خبر عاجل