انتحار بلوجر مصرية في بث مباشر يعيد الجدل حول قوانين الأحوال الشخصية

شهدت مصر 5 حالات انتحار خلال 10 أيام- جيتي
شهدت مصر 5 حالات انتحار خلال 10 أيام- جيتي
شارك الخبر
بعد يوم واحد من نشر "عربي21"، تقريرا عن تتابع وقائع انتحار المصريين لتصل 4 حالات في أسبوع واحد، مشيرا إلى أسباب اقتصادية وأخرى اجتماعية ونفسية، انتحرت بلوجر مصرية تدعى بسنت سليمان بعدما ألقت بنفسها من شرفة شقتها بالطابق 13 بمنطقة سموحة بمدينة الإسكندرية، في بث مباشر، مساء الأحد.

وشهدت مصر في 10 أيام انتحار 5 مصريين، آخرهم بسنت سليمان، ففي مشهد مأساوي وبعد نحو أسبوع من واقعتي انتحار مسن شنقا على باب مستشفى "التأمين الصحي" بمحافظة دمياط، وانتحار شاب بنفس المحافظة، فُجع المصريون بواقعة انتحار ثالثة أعلى كوبري المظلات بالعاصمة المصرية القديمة "القاهرة"، وأخرى رابعة لطبيب بمحافظة الشرقية.

اظهار أخبار متعلقة



ومع رصد رسمي لوقوع 216 حالة انتحار عام 2024، يؤكد مراقبون أن نسب الانتحار في مصر أكبر بكثير من الإحصاء الحكومي خاصة مع تكتم الأهالي واستخدام وسائل مثل في صمت ودون ضجة بـ"حبة الغلال" (فوسفيد الألمنيوم).

أزمة بسنت

وعلى خلفية أوضاع معيشية صعبة وأزمات نفسية نتيجة خلافات زوجية حول مسكن الحضانة مع طليقها، انتحرت بسنت تاركة طفلتين 8 و10 أعواما، قبل أن تتحدث في بث مباشر لنحو ساعة عن أزماتها وعن تعرضها للذل والقهر وعدم وجود السند ومعاناتها مع الخذلان النفسي والمادي، لتقرر في النهاية التخلص من حياتها، وذلك قبل أن تكتب وصية عبر صفحتها بـ"فيسبوك" قائلة: " خلوا بالكم من أولادي".


الواقعة التي وصفت بـ"المأساوية"، أحدث بالشارع المصري ضجة واسعة حول تسبب قوانين الأحوال الشخصية في البلد  العربي الأكثر سكانا 108.8 ملايين بالداخل، في الكثير من الأزمات، والتي منها انتحار أب بقرية طوخ مركز السنطة بمحافظة الغربية في حزيران/ يونيو 2025، لعجزه عن رؤية طفليه "أسماء" و"إياد" الذين في حوزة طليقته.

وفي حين علقت وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي، واصفة واقعة انتحار بسنت،  مع احتمال وجود نزاع على شقة كانت تقيم فيها هي وبناتها بأنها "تمثل وصمة عار في جبين كل من استقوى ليحرم أطفالا من حض أمهم وسكينة مأواهم"، انتقد البعض تجاهلها أوضاع صعبة يعيشها كثير من الأزواج الذكور.


وبينما وجه مصريون اللوم للأجهزة الأمنية متهمينها بالتقاعس عن إنقاذ بسنت، كون البث المباشر امتد لنحو ساعة كاملة، قرر النائب العام منع النشر بالقضية ومنع بث صور بسنت، فيما نشر مجلس الوزراء مقطعا مصورا أعدته وزارة الأوقاف لمواجهة ظاهرة الانتحار بعنوان: "بابا خليك معانا".


مطالبات بقانون متوازن

ويجري إعداد قانون جديد للأحوال الشخصية في مجلس النواب، في ظل مطالبات واسعة بتعديل الكثير من العوار القانوني والخلل التشريعي في قضايا "الحضانة"، و"النفقة"، و"الرؤية"، و"شقة الزوجية"، وتحديد دور الدولة في دفع النفقات وتنفيذ الأحكام.

إلى جانب مطالبة الجهات القضائية بالإسراع في البت بقضايا الأحوال الشخصية مع وصول معدل الطلاق 31 حالة طلاق كل ساعة لنحو 750 حالة طلاق يومياً عام 2024، وتراكم آلاف النزاعات الأسرية بالمحاكم، وتجميد وضع الزوجة، وتعرض حياة الأبناء لجرائر النزاعات الأسرية.

ووجه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، الحكومة بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة لمجلس النواب، ومراعاة مصالح جميع أطرافها.

وتقدم الأزهر الشريف بمشروع قانون للأحوال الشخصية، للحكومة، تشير أهم ملامحه للوصول إلى وضع آلية محكمة لتنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بقضايا الأسرة، ومراعاة تقديم نفقة عادلة للمطلقة بما يضمن تحقيق رعاية جيدة للأطفال، ووضع نصوص محكمة للالتزام بضوابط الحضانة، وضبط الحقوق والواجبات المترتبة على الطلاق.

وبحسب موقع "المصري اليوم"، يحقق قانون الأزهر  العدل والمساواة لكل أفراد الأسرة، والحفاظ على حقوق الأفراد بما لا يخالف الشريعة الإسلامية والدستور ومواثيق حقوق الإنسان عامة والمرأة والطفل، عبر تعديلات تخص النفقة، وحضانة الطفل، والطلاق، وسن الحضانة، ورؤية الطفل، وبيت الطاعة.

وبحسب جريدة "الشروق"، تقدم حزب "الجبهة الوطنية"، بتعديلات على قانون الأحوال الشخصية، اعتبرها مراقبون مجحفة بالزوج ومثيرة لغضب الكثيرين، حيث يقترح حد أدنى للنفقة 10 آلاف جنيه تحصل عليها الأسرة دون اللجوء إلى المحاكم بينما الحد الأدنى للأجور 7 آلاف جنيه، وإتاحة أحقية الزوجة في رفع دعوى قضائية للحصول على ثلث ثروة الزوج حال ثبوت قدرته ماليًا.

اظهار أخبار متعلقة



وذلك إلى جانب نقل الحضانة مباشرة للأب حال سقوطها عن الأم، مع وضع حد أدنى 9 سنوات للولد والبنت لسن الحضانة، واعتماد نظام الاستضافة بديلًا عن الرؤية، بما لا يقل عن مرتين شهريا.

أخطاء قانونية وتشريعية

وتحدث المحامي المصري نجاد البرعي عن وجود أخطاء قانونية يجب تصحيحها، مؤكدا أن قانون الأحوال الشخصية يجب أن تتوافر فيه: " مصلحة الأطفال"، مشيرا لأزمات مثل "منعهم من رؤية الأب"، و"محاولة الأب اختطافهم"، مؤكدا أنه "ليس صحيحا أن الأطفال مكانهم مع أمهم فمكانهم مع من يستطيع أن يجد وقت وجهد للعناية بهم".

وأضاف: "يجب أن تدور النفقة مع حال الزوج يسرا أو عسرا، ولا يجوز أن تكون مبلغا مقطوعا بصرف النظر عن وضع الزوج المالي"، داعيا الدولة لأن تسدد النفقات عن الأزواج وتولي تحصيلها من الزوج، وعدم إرهاق الزوجة أو المطلقة بإجراءات قضائية طويلة"، مشددا على أن "المطلق ملزم بإسكان أولاده مع من له حق حضانتهم بسكن منفصل".


في ذات السياق، كشف المحامي أسعد هيكل، عن أخطاء تشريعية، ملمحا إلى إرساء المحكمة الدستورية العليا، مبدأ يراه ظالما مطالبا بإعادة النظر فيه، مشيرا إلى "طرد الأم الحاضنة وأولادها من شقة الحضانة حتى ولو كانوا بناتا، عند بلوغ البنت ١٥ سنة، وتسليم الشقة خالية للزوج المطلق".


وفي ذات الإطار وفي تعليقه على انتحار بسنت سليمان، قال الكاتب الصحفي جمال سلطان، إن "المشكلة في مصر ليست في القوانين، ولا حتى بأحكام القضاء، المشكلة في تنفيذ الأحكام، والمراوغات، والمماطلة، فتضيع الحقوق، وتبقى الأحكام حبرا على ورق".


العلاج النفسي والحاضنة المجتمعية

وبينما تحدث متخصصون في الصحة النفسية وشؤون الأسرة والمجتمع على ضرورة العلاج النفسي والإرشاد الأسري لحل أزمات الأزواج والأسرة قبل تفاقمها، وقبل أن تصل إلى أمراض مستعصية مثل مرض "الذهان"، الذي يقود صاحبه إلى انتحار، دعا البعض إلى استعادة الحاضنة المجتمعية ودور الأسرة الكبيرة والأب والجد والأقارب وأيضا دور العبادة والمجتمع المدني، مشيرين إلى إعلان المنتحرة بسنت سليمان إلى معاناتها من الفقد الأسري وغياب الدعم المجتمعي.

دور النسوية في الأزمة

وأشار الباحث المصري الدكتور ممدوح المنير إلى دور "العلمانية" و"النسوية"، في تخريب المجتمع المصري وهدم الأسرة لأسباب عارضة أو  ثانوية أو نسوية أو ذكورية، مؤكدا أن "٩٩ بالمئة منها لأسباب لو كانت تحت مظلة الشريعة وبأدب الإسلام لما حدثت".

وأضاف: "لكن الغزو الثقافي وتغوّل الفكر النسوي والذكوري المشوه والمريض جعل الإنسان يتمحور حول ذاته لا حول أسرته وأصبحت التضحية والصبر سذاجة وغباء وليس قيمة عليا تبنى عليها البيوت".

ويرى أن "الحل ليس سهلا وأنه مركب من عناصر عديدة جزء منه مجتمعي وسياسي وديني؛ ولكن الحل الشخصي الأقرب والذي يحفظ ويقي كثير من البيوت من أن تنهار هو أن يكون "الله هو المركز و ليس الذات في هذه العلاقة"، و"البساطة في الحياة"، و"وجود قواعد (مكتوبة) لإدارة الاختلافات"، والتثقيف المستمر  للذات والأسرة، ومنع "المقارنات بين حياة الإنسان وما يراه من (وهم مصطنع) بمنصات التواصل".


مكمن الخلل.. وأزمة الهوية

وفي قراءته لمكمن الخلل، وأسباب وصول المصريين لتلك الحالة، وحجم العوار القانوني والتردي المجتمعي وأدوار السلطة ومدى تحملها المسؤولية، والحلول المحتملة للوصول إلى مجتمع سوي، تحدث المحامي والحقوقي المصري الدكتور أيمن جودة، لـ"عربي21".

وقال إنه "موضوع غاية التعقيد والتركيب وأبعاده متعددة وأسبابه متشابكة وحلولها تفرض إعادة نظر في بنية النظام الاجتماعي والسياسة والتشريع المصري"، مؤكدا أن "ما يمر به المجتمع والأسرة في مصر الآن نتيجة أزمات مركبة وضخمة كبيرة عميقة تعود لقرنين من الزمان، واليوم نجني ثمار تلك الأزمات".

ولفت إلى أننا "في مجتمع قائم على فلسفة إسلامية، ما يعني أنه قائم على دعائم المفروض أن مصدرها إسلامي؛ في حين أن ما يتم علمه من علمنة منذ نحو 200 سنة ماضية أوصلنا في النهاية لأن أصبحا مجتمعا يحمل قيما إسلامية ومعها قيم علمانية، رغم ما فيهما من تنافر شديد، أدى إلى التنافر داخل المجتمع".

جودة، أكد أن "هذا التنافر؛ وصل حدا أصبح فيه تنافرا بالقيم، بمعنى أن يحمل المجتمع القيمة وعكسها، والولاء وعكسه؛ والاتجاه وعكسه"، ملمحا إلى أنه "وضع عجيب يحتاج إعادة نظر"، مبينا أنه "لابد أولا أن تنتهي أزمة تحديد هويتنا، وتحديد من أين نستمد قيمنا، من الإسلام أم من مجتمع الغرب العلماني، الذي أصبح قبلة كل المجتمعات العربية والإسلامية".

الأزمة الثانية: مصر لمن؟

المحامي المصري، أضاف: "إذا افترضنا جدلا الانتهاء من أزمة الهوية فيجب الانتقال بعدها لمعرفة هل مصر دولة لكل المصريين بثرواتها وتاريخها وإمكانياتها ووظائفها العامة ومؤسساتها؟، أم أنها دولة لخدمة فئة واحدة أو فئتين بالمجتمع؟".

وذهب للقول إن "المجتمع الذي غابت عنه الحريات وتكتم فيه الأصوات مجتمع مريض نفسي، يورث أمراضه النفسية للأفراد؛ وبناء عليه فمجتمع القمع يؤسس للأمراض النفسية والتفسخ الاجتماعي، ولأفراد غير صالحين أن يمارسوا دورا اجتماعيا طبيعيا".

اظهار أخبار متعلقة



ويرى أن "ممارسة المواطن دوره الطبيعي بالمجتمع مرتبط بتمتعه بحقه في تولي الوظائف العامة والمناصب السياسية؛ فالوصول لنقطة مباشرة نشاط سياسي واجتماعي كما يحب بالمجتمع في إطار القانون، نكون أسسنا لبلد طبيعي ولمواطن ومجتمع طبيعي وسوي نفسيا ما يمهد للمرحلة الثالثة".

وفي تلك المرحلة، يؤكد جودة، أننا "بهذا نكون قد وصلنا إلى دولة لكل مواطنيها، وتحترم الحريات وحقوق الإنسان ويعيش بها الإنسان حياة طبيعية يتمتع بحقوقه بالتساوي مع الجميع، مع نظام تشريعي قانوني مصدره هو ثقافة المجتمع حتى لا يكون هناك تنافر".

وختم بالقول: "فإما أن نكون مجتمع بالفعل يحمل بداخله طينة الاسلام، وبناء عليه لابد أن يكون قانون الأحوال الشخصية مستمد من الإسلام، وإما أننا مجتمع يستمد قيمه من العلمانية الغربية وقانون أحوال شخصية مستمد منها، فهنا وحتى لا يكون هناك تنافر ما بين ثقافة المجتمع ونظامها التشريعي يجب أن نحدد هذه النقطة للبناء عليها".
التعليقات (0)