بعد 10 سنوات في الحكم.. صادق خان: لندن نقيض الشعبوية والانغلاق

 يُنظر إلى خان بوصفه أحد رموز "المدن التقدمية" التي تسعى لمواجهة صعود القومية والشعبوية عبر سياسات قائمة على التعددية والعمل المناخي والتحالفات السياسية الواسعة.. الأناضول
يُنظر إلى خان بوصفه أحد رموز "المدن التقدمية" التي تسعى لمواجهة صعود القومية والشعبوية عبر سياسات قائمة على التعددية والعمل المناخي والتحالفات السياسية الواسعة.. الأناضول
شارك الخبر
قال رئيس بلدية لندن صادق خان إن تجربته الممتدة لعشر سنوات في إدارة العاصمة البريطانية جعلته يؤمن أكثر بـ "بناء التحالفات" السياسية والاجتماعية، مؤكداً أن لندن تمثل "نقيضاً" للأفكار القومية والانغلاقية التي تتصاعد في الغرب، وذلك في مقابلة مطولة أجرتها معه صحيفة "الغارديان" البريطانية اليوم بمناسبة مرور عقد على انتخابه لأول مرة عام 2016.

وفي الحوار الذي نشرته الصحيفة تحت عنوان: "لندن دراسة في الأمل"، استعرض خان تحولات العاصمة البريطانية خلال السنوات العشر الماضية، في ظل أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متلاحقة، بدءاً من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مروراً بجائحة كورونا، وصولاً إلى تصاعد الشعبوية اليمينية في أوروبا والولايات المتحدة.

وقال خان إن أهم درس خرج به من تجربته هو أن "العمل المشترك يحقق أكثر بكثير من المواجهة"، موضحاً أن التحالف الانتخابي الذي أوصله إلى الفوز ثلاث مرات متتالية ضم "عماليين، وليبراليين ديمقراطيين، وخضر، وحتى محافظين مؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي".

وأضاف: "إذا كان لدينا هدف مشترك، فلا ينبغي أن تمنعنا الانتماءات الحزبية المختلفة من العمل معاً، لأن ما يجمعنا هو حب هذه المدينة".

هجمات ترامب والعنصرية


وتطرقت المقابلة إلى الهجمات المتكررة التي تعرض لها خان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025 بأنه "رئيس بلدية فظيع"، وزعم أن لندن "تتجه نحو الشريعة الإسلامية".

ورد خان على تلك التصريحات بالقول إن وجود لندن ذاته "يمثل إزعاجاً" للتيارات القومية المتشددة، مضيفاً: "إذا كنت تؤمن بالنقاء العرقي أو الديني، فإن لندن هي النقيض الكامل لذلك، لأنها مدينة متنوعة وتعددية وليبرالية وناجحة".

لكنه أقر في الوقت نفسه بأن تلك الهجمات "لها كلفة شخصية" عليه وعلى عائلته وطاقم عمله، في إشارة إلى تصاعد الخطاب العنصري والإسلاموفوبي ضده بوصفه أول عمدة مسلم للعاصمة البريطانية.

سرقة الأفكار الجيدة


وفي معرض حديثه عن علاقاته مع رؤساء البلديات التقدميين حول العالم، قال خان إنه يتعاون مع شخصيات مثل رئيسة بلدية باريس آن هيدالغو ، مشيراً إلى أنه يؤمن بـ"سرقة الأفكار الجيدة بدلاً من اختراع أفكار سيئة".

وأضاف أن مدناً كبرى مثل باريس ونيويورك أصبحت مختبرات لسياسات تقدمية تتعلق بالنقل والإسكان والبيئة والخدمات العامة.

البيئة في قلب مشروعه السياسي


وخصصت المقابلة مساحة واسعة لسياسات خان البيئية، التي اعتبرها "جوهر مشروعه السياسي" منذ وصوله إلى "سيتي هول".

وأشارت "الغارديان" إلى أن خان نفذ عدداً كبيراً من وعوده البيئية، من أبرزها توسيع منطقة الانبعاثات المنخفضة للغاية (Ulez) لتشمل كامل لندن الكبرى، وزراعة مئات آلاف الأشجار، وتوسيع شبكة الدراجات الهوائية، ونشر الحافلات الكهربائية، والمضي في تحويل شارع أوكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة بالكامل.

وبحسب الصحيفة، فإن مستويات ثاني أكسيد النيتروجين في لندن انخفضت العام الماضي إلى الحدود القانونية للمرة الأولى منذ بدء تطبيق المعايير البريطانية عام 2010، وهو ما اعتبره خبراء دليلاً على أثر السياسات البيئية التي تبنتها البلدية.

وقال خان: "أنا فخور لأننا وضعنا البيئة في صدارة أولوياتنا. سواء تحدثنا عن الهواء النظيف أو النقل العام أو زراعة الأشجار أو إعادة الحياة البرية، فإن لندن أصبحت مدينة أكثر خضرة وأماناً وعدالة".

كما أشار إلى أن توسيع شبكة الدراجات وفرض حدود سرعة 20 ميلاً في الساعة في عدد من المناطق ساهما في تقليل التلوث والحوادث المرورية.

خلافات مع حزب العمال


وفي جانب سياسي لافت، أبدى خان قلقه من المسار الذي يسلكه حزب العمال على المستوى الوطني، بعد تراجع شعبيته في بعض الانتخابات المحلية وصعود حزب الخضر.

وانتقد ما وصفه بـ "استخفاف" بعض استراتيجيي الحزب بالناخبين التقدميين وأنصار حزب الخضر، محذراً من أن ذلك قد يضعف “التحالف التقدمي” اللازم لمواجهة صعود حزب الإصلاح والمحافظين.

وقال: "الانتصار الساحق لحزب العمال في انتخابات 2024 لم يكن ممكناً من دون تحالف واسع من التقدميين، بمن فيهم ناخبو الخضر والليبراليين الديمقراطيين وحتى المحافظون الرافضون لبريكست".

وأضاف أن مهاجمة الخضر أو التقليل من شأن ناخبيهم "أمر عكسي تماماً ويبعد الناس عن الحزب".

تحديات مناخية وانتقادات مستمرة


ورغم الإشادة الواسعة بسجله البيئي، أقر خان بأن العاصمة البريطانية لا تزال تواجه تحديات كبيرة، في ظل تزايد الفيضانات وموجات الحر وحرائق الغابات الناتجة عن التغير المناخي.

كما تناولت المقابلة الانتقادات الموجهة إليه بسبب دعمه مشروع نفق "سيلفرتاون" شرقي لندن، الذي يرى فيه بعض خبراء البيئة تشجيعاً لاستخدام السيارات، إضافة إلى استمرار ارتفاع مستويات التلوث بالجسيمات الدقيقة PM2.5 فوق الحدود التي توصي بها منظمة الصحة العالمية.

وأكد خان أنه "غير راضٍ عن وتيرة التغيير"، مشيراً إلى أنه يعمل على تقليل أعداد سيارات الدفع الرباعي في شوارع لندن، وتنظيف الأنهار والممرات المائية، وتعزيز مكانة المدينة كمركز عالمي للتمويل الأخضر.

وختم بالقول: "لندن دراسة في الأمل.. لقد مررنا ببريكست والجائحة والتقشف والهجمات الإرهابية، لكن تاريخ هذه المدينة هو أنها دائماً تعود أقوى".

اظهار أخبار متعلقة




من هو صادق خان؟


صادق خان هو سياسي بريطاني من حزب العمال، يشغل منصب رئيس بلدية لندن منذ عام 2016، ويُعد أول مسلم يتولى هذا المنصب في تاريخ العاصمة البريطانية، وأحد أبرز الوجوه السياسية التقدمية في بريطانيا خلال العقد الأخير.

ولد خان في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1970 في حي توتينغ جنوب لندن، لأسرة باكستانية مهاجرة تنحدر من مدينة كراتشي. كان والده يعمل سائق حافلة، بينما عملت والدته خياطة، ونشأ ضمن أسرة كبيرة في سكن اجتماعي متواضع، وهي الخلفية التي كثيراً ما يستحضرها في خطابه السياسي للتأكيد على قضايا العدالة الاجتماعية والحراك الطبقي.

درس القانون وعمل محامياً متخصصاً في قضايا حقوق الإنسان والحريات المدنية، قبل أن يدخل المعترك السياسي عبر حزب العمال. وانتخب نائباً في البرلمان البريطاني عام 2005 ممثلاً عن دائرة توتينغ، وبرز سريعاً داخل الحزب بصفته أحد أبرز السياسيين المنحدرين من أصول مهاجرة.

وخلال حكومة غوردن براون، تولى عدة مناصب وزارية، بينها وزير الدولة لشؤون المجتمعات، ثم وزير النقل، ليصبح أول مسلم يحضر اجتماعات مجلس الوزراء البريطاني بصفة وزير.

في عام 2016 فاز برئاسة بلدية لندن خلفاً لبوريس جونسون، بعد حملة ركزت على الإسكان والنقل العام ومواجهة التفاوت الاجتماعي، قبل أن يعاد انتخابه لولايات متتالية، ما جعله أطول رؤساء بلديات لندن بقاءً في المنصب منذ استحداث النظام الحالي.

ويُعرف خان بمواقفه المؤيدة للهجرة والتعددية الثقافية، ودفاعه عن القيم الليبرالية والانفتاح، كما تبنى سياسات بيئية واسعة شملت توسيع منطقة الانبعاثات المنخفضة، وتشجيع النقل العام والدراجات الهوائية، وتحسين جودة الهواء في العاصمة البريطانية.

في المقابل، واجه انتقادات حادة من خصومه المحافظين ومن تيارات اليمين الشعبوي، خصوصاً على خلفية قضايا الجريمة والهجرة والازدحام المروري، إضافة إلى تعرضه لهجمات عنصرية وإسلاموفوبية متكررة، أبرزها من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وعلى الصعيد الدولي، يُنظر إلى خان بوصفه أحد رموز "المدن التقدمية" التي تسعى لمواجهة صعود القومية والشعبوية عبر سياسات قائمة على التعددية والعمل المناخي والتحالفات السياسية الواسعة.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)